تحديثــات

الحركات الإسلامية والسياسة / أ.د أحمد الريسوني

الحركات الإسلامية والسياسة

09 سبتمبر 2008

1- بين الانشغال بالسياسة والاشتغال بها

ما يعرف اليوم باسم (الحركة الإسلامية)، تجمعه قضايا أساسية وعامة، ثم يتشعب ويتنوع إلى عشرات من المدارس والفصائل، ومن التيارات التوجهات.

  • فمما يجمع عامة هذه المدارس والفصائل والتيارات التوجهات، التي تتشكل منها الحركة الإسلامية عبر العالم، السعيُ إلى استعادة سيادة الإسلام وحاكميته في حياة المسلمين، فرديا وجماعيا، وإزالةُ ما يخالفه من ذلك.
  • ومما يجمعها: الاتفاق حول الثوابت والقطعيات الدينية المسلَّمة، مثل الأركان الخمسة، والعناصر الأساسية في العقيدة الإسلامية، والقيم الخلقية، والأحكام التشريعية – المدنية والجنائية- المتفق عليها في الفقه الإسلامي…
  • ويجمعها الاتفاق على مرجعية الكتاب والسنة ووجوب الاحتكام إليهما، وأن أحكامهما القطعية تعلو فوق كل ما سواهما، سواء كان رأيا خاصا أو رأيا عاما، وسواء كان رؤية فلسفية، أو تشريعا حكوميا أو برلمانيا، أو قانونا دوليا…
  • ويجمعها الاتفاقُ على كون المسلمين، قد أصابهم في دينهم وتدينهم، كثير من الانحطاط والانحراف والتقصير، مما يشوه صورة الإسلام الحقيقية أولا، ويضعف مكانة الأمة الإسلامية بين الأمم ثانيا، وهي كلها مهتمة بالعمل على تصحيح هذه الاختلالات والتشوهات، لكن كل بطريقته وأولوياته ومنظوره لهذه المسألة.
  • وييجمعها الإيمان بوحدة الأمة الإسلامية، وأن كل مسلم، أينما كان موقعه، وأيّاً كان انتماؤه الوطني والعرقي، فهو قبل كل شيئ وفوق كل شيئ مسلم وينتمي إلى الأمة الإسلامية.

فهذه الأسس العامة والخطوط العريضة، وما شابهها، هي القواسم المشتركة بين كافة مكونات الحركة الإسلامية.

 وقد يقول قائل: إن هذه الأمور هي نفسها تقريبا القواسم المشتركة بين عموم المسلمين، فليس فيها خصوصية للحركة الإسلامية. وهذا صحيح إلى حد كبير. ولذلك يبقى المميز الحقيقي للحركة الإسلامية كامنا بالدرجة الأولى في صفة (الحركة). وهوعنصر آخر من العناصر المشتركة بين مكونات الحركة الإسلامية.

  • و(الحركة) هنا تعني الدعوة والمناداة بهذه المبادئ وبضرورة الالتزام العملي بها، وتعني العمل الدؤوب لأجل تحقيقها وتفعيلها. وتعني الجهد والمجاهدة والتضحية في سبيلها. وتعني اعتماد العمل الجماعي المنظم، بأي شكل من الأشكال.

وبعد هذه المنطلقات والقواسم المشتركة، تبدأ الاختلافات، وتتنوع الاجتهادات والاتجاهات، ومنها الاختلاف في (المسألة السياسية)، جملة وتفصيلا …

تصنيفات واختلافات

          تتعدد تصنيفات المدارس والاتجاهات المكونة للحركة الإسلامية، بتعدد زوايا النظر والتصنيف: فهناك التصنيف الطائفي، وهناك التصنيف الفكري، وهناك التصنيف السياسي. وهناك تصنيفات تنظيمية هيكلية، وأخرى جغرافية (أي حركة محلية أو إقليمية أو دولية)، وأخرى اجتماعية، وأخرى تربوية، وقد يكون التصنيف مركبا من عدة اعتبارات في آن واحد…

وبما أن موضوع هذه الحلقة هو (الحركة الإسلامية بين الانشغال بالسياسة والاشتغال بها)، فلا بد أن يكون المعيار السياسي حاضرا في تصنيف الحركات الإسلامية وتجاربها السياسية. 

          علاقةً بالسياسة والعمل السياسي، يمكن تصنيف الحركات الإسلامية  إلى الاتجاهات الآتية:

  1. الحركات الدعوية غير السياسية
  2. الحركات الجهادية(القتالية)
  3. الحركات الدعوية السياسية
  4. الأحزاب السياسية الإسلامية

فأما الحركات الدعوية غير السياسية: فتركز عادة على على الأنشطة الدعوية والتعليمية والتربوية، الخاصة بالعقيدة وبالتدين والسلوك الفردي للمسلم.

 وتأتي في مقدمة الجماعات الملتزمة بهذا التوجه جماعة التبليغ والدعوة، ذات المنشأ الهندي. وقد أصبحت جماعة عالمية، ولكن قيادتها ومسحتها العامة ظلت هندية. وهي تعلن صراحة في مبادئها أنها “لا تتدخل في السياسيات”. وفعلا فهي ملتزمة بهذا الشعار التزاما تاما. بل هي تمنع أي تدخل أو تطرق للقضايا والحساسيات السياسية في دروسها وأنشطتها، ولا تتخذ أي موقف سياسي في مجريات الأحداث. ويحلو لبعض أعضائها تصوير ها التوجه لدى الجماعة بقولهم: “نحن نتحدث فيما فوق السماء وفيما تحت الأرض، أما ما يجري فوق الأرض وتحت السماء، فلا نتدخل فيه”. بمعنى أنهم يهتمون بقضايا الإيمان والآخرة والجنة والنار، ويهتمون بالقبر وما يتبعه… وأما ما يجري على وجه الأرض من سياسات وصراعات …، فلا يتدخلون فيه.

 وهذا كله لم يشفع للجماعة لدى كثير من الحكومات العربية، حيث نجدها تتعرض للتضييق والمنع هنا وهناك، وقد تم اعتقال المئات من دعاتها وأعضائها بالغرب سنة1980، ثم أفرج عنهم جميعا بعد ذلك.

 وتدخل في هذا الاتجاه أيضا جماعة النور بتركيا (أو: النورسيون) ، نسبة إلى الداعية التركي الشهير سعيد النورسي، وإلى تعاليمه وتجربتة الدعوية والتربوية. وهي حركة تعمل أساسا داخل تركيا، وإن كان لها إشعاع وأثر متزايدان في عدد من الدول الإسلامية وغيرها.

وتدخل فيها أيضا بعض الجماعات السلفية، التي تصرف كامل جهدها إلى العمل الدعوي والتعليمي. وهذا الاتجاه موجود في كل دول الخليج، وفي معظم الدول العربية. وقد يكون عاملا في إطار جمعيات مستقلة، أو مؤسسات حكومية، وقد يكون متمحورا حول أشخاص بعض الدعاة والعلماء، كالشيخ سلمان العودة في السعودية.

ولعل أبرز مثال وأكبر تجربة لهذا التوجه هو (الجمعية الشرعية) في مصر، التي أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي، وهو من علماء الأزهر الشريف، وذلك سنة 1912.وقد أكد الشيخ السبكي أن جمعيته لا تتعرض للأمور السياسية التي يختص بها ولي الأمر. ولكن البعض يصفون هذه الجمعية بأنها “تنشغل بالسياسة دون أن تشتغل بها”. وهي جماعة ذات انتشار واسع وفعال داخل المجتمع المصري، يضاهي انتشار جماعة الإخوان المسلمين، الآتي ذكرها لاحقا.

ومن الحركات الدعوية التي”تنشغل بالسياسة دون أن تشتغل بها”، جماعة (عباد الرحمان) بالسنغال. فهي حركة دعوية ثقافية تربوية، ليس لها مشاركات سياسية مباشرة، ولكن لها بعض الاهتمام بالشأن السياسي.

وبعض هذه الجماعات الدعوية المتجنبة للعمل السياسي، تَرى- أو تُعتبر- أنها عاملة بقاعدة: “من السياسة ترك السياسة”، باعتبار أن السياسة الناجحة، تحتاج إلى تحاشي السياسة وتركها لأهلها.

وأما (الحركات الجهادية القتالية)، فهي اليوم على كل لسان، ولا تحتاج إلى تعريف، وهي كثيرا ما تتصدر عناوين الصحف ونشرات الأخبار. والحركة الأم لهذا التوجه بمختلف تسمياته هو تنظيم (قاعدة الجهاد)، المعروف اختصارا بالقاعدة. وهذه المجموعات قد اختارت أن تعبر عن موقفها السياسي وممارستها السياسية، بواسطة القتال والجهاد المسلح. غير أن مسلكها القتالي تختلط فيه الأسباب والدوافع والأهداف. فهو موجه ضد بعض القوى الخارجية، لما هي قائمة به من احتلال وعدوان، ثم يتجاوزها إلى مهاجمة المدنيين من تلك الدول، في بلدانهم وفي سياحتهم، باعتبارهم ضالعين ومؤيدين… ثم يدخل في مواجهة مع الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي، باعتبارها ” أنظمةكافرة وموالية للكفار”، فلذلك يستهدف رموزها وقواتها المسلحة. ثم ينتقل إلى كل مؤسسات الدولة وما يرتبط بها، ثم ينزلق إلى أن يصل القتل والتفجير إلى عامة المسلمين…

وإذا كانت مقاتلة القوات الأجنبية الغازية والمعتدية، قد لا يعوزها دليل أو تبرير، وإن كان يعوزها حسن التقدير والتدبير، فإن توجيه السلاح داخل الدول والمجتمعات الإسلامية، يعتبر خرقا للإجماع الفقهي القائم على عدة أحاديث نبوية، تحظر بشكل قاطع، استعمال السلاح والخروجَ المسلح ضد المسلمين، حكاما ومحكومين. وهنا تكمن “أزمة الشرعية الدينية” لهذا التوجه، فيعمل على تجاوزها بالتكفير…

بقي الصنفان الثالث والرابع، وهما اللذان ينشغلان ويشتغلان حقيقة بالسياسة والعمل السياسي.

فأما الصنف الثالث، صنف (الجماعات الدعوية السياسية)، فيضم حركات تنشغل وتشتغل بأشكال من العمل السياسي، إلى جانب أعمالها الدعوية والتربوية والثقافية. وفي كثير من الأحيان تمتزج كل هذه الجوانب وتبرز مجتمعة في برامج هذه الجماعات وأنشطتها ومواقفها. المهم أن القضايا السياسية، الداخلية والخارجية، تشكل جزءا من أفكارها ورؤيتها النظرية، وجزءا من أنشطتها العملية.

والفكرة الأساس لهذا التنوع والجمع بين مختلف المجالات، بما فيها السياسية، هي فكرة (شمولية الإسلام)؛ أي ما دام أن الإسلام دين شامل، يتضمن للعقيدة والشريعة، والعبادات والمعاملات، والدولة والسياسة، وأن هذا كله وارد في القرآن الكريم وفي السيرة النبوية، فإن الدعوة إليه والعمل لأجله، لا بد وأن يكونا شاملين كذلك.

المثال الأكبر والأبرز في هذ الصنف، هو الحركة المعروفة والشهيرة: (الإخوان المسلمون)، وما تفرع عنها بشكل مباشر أو غير مباشر، وخاصة في العالم العربي.

وكذلك (الجماعة الإسلامية) في باكستان، التي أسسها مولانا أبو الأعلى المودودي. ولها امتداد وتأثير في الهند وبنغلاديش. وهي تشارك في الانتخابات وفي المظاهرات وغيرها من الممارسات والمواقف السياسية، مثلما تشتغل بالدعوة والتربية والوعظ والإرشاد.

وتدخل في هذا الصنف أيضا كل من (جماعة العدل والإحسان) و(حركة التوحيد والإصلاح) بالمغرب، وإن كانت الأخيرة قد قلصت نشاطاتها السياسية العملية، بعد الانخراط الجماعي لكثير من أعضائها في حزب العدالة والتنمية.

الصنف الرابع، صنف (الأحزاب السياسية الإسلامية)، والمراد به الأحزاب المتخصصة والمتصدية للعمل السياسي، بمعناه الحديث. فهي عموما تمارس كل ما تمارسه الأحزاب السياسية في العالم، لكن من منطلقات إسلامية، وبمعايير إسلامية، وفي حدود المرجعية الإسلامية.

على أن اعتماد هذه الأحزاب للمنطلقات والمعايير الإسلامية، في مبادئها وبرامجها ومواقفها السياسية، لا يعني أن كل ما تمارسه وتقوم به، فهو منصوص في الإسلام ومستمد مباشرة من أحكامه، بل هناك كثير مما عندها مقتبس أو معدل عما عند غيرها من الأحزاب، أو مبتكر منها ومن تجربتها. بل إنها متفاوتة في مدى التزامها بالمرجعية  الإسلامية ، بل حتى بالصفة الإسلامية نفسها. ففي تركيا مثلا، يُحرَّم – دستوريا وفعليا- على أي حزب أن يصف نفسه بأي صفة إسلامية، أو أن يحدد لنفسه أي هدف إسلامي. فقصارى ما يستطيعه حزب العدالة والتنمية، أو أي حزب إسلامي آخر هناك، هو أن يكون حزبا علمانيا معتدلا ومحافظا…، بينما في باكستان، التي قامت واستقلت على أساس الإسلام، نجد الأحزاب الإسلامية هناك تعلن وتمارس هويتها ومبادئها الإسلامية بصفة صريحة كاملة. وبين هذين النموذجين تتعدد وتتفاوت الأحزاب الإسلامية في مدى تمثلها وتعبيرها عن هويتها ومبادئها الإسلامية.

والأحزاب الإسلامية توجد أكثر وتنشط أكثر، في البلدان الأكثر حرية في تأسيس الأحزاب وفي تقبل عملها ومشاركتها، مثل باكستان، وماليزيا، وإيران، والسودان، والعراق، ولبنان.

وتنعدم في الدول الأشد تضييقا وتقييدا لحرية تأسيس الأحزاب وعملها، كتونس ومصر وسوريا وليبيا، وكذلك في الدول التي ينعدم فيها العمل الحزبي من أصله، كما هو الشأن في غالب دول الخليج.

والحالة بين بين، في دول أخرى، كالمغرب والجزائر واليمن والأردن وموريتانيا…

يتبع

قضايا إسلامية -7

الحركات الإسلامية والسياسة

2 – تجربة الممارسة وإشكالاتها

عرضتُ في المقال السابق مختلف التوجهات السائدة لدى الحركة الإسلامية العالمية من السياسة والعمل السياسي، ورأينا أن تلك التوجهات تتراوح بين توجه ينأى  عن السياسة ويهجرها، وآخر ينشغل بالسياسة دون أن يشتغل بها، وثالث يشتغل بالسياسة ويجعلها جزءا من الدعوة أو فرعا من فروعها، ورابع اختار الدخول المباشر في السياسة والتخصص في ممارساتها وتبعاتها.

واليوم أتطرق – بالإيجاز الذي يحتمه المقام – إلى تجربة المشتغلين بالسياسة، وبصفة خاصة إلى بعض الإشكالات النظرية والعملية التي يعانون منها.

  1. قضية الشمولية والتخصص

انطلاقا من فكرة “شمولية الإسلام”، التي ذكرتُها من قبل، تمسكتْ بعض الحركات الإسلامية بالممارسة الشاملة لكل أوجه النشاط الدعوي والثقافي والسياسي والنقابي والاجتماعي، وتسيير ذلك كله من خلال تنظيم الجماعة وقيادتها. والنموذج البارز هنا هو جماعة (الإخوان المسلمون). فبناء على فكرة الشمولية التي عبر عنها الشهيد حسن البنا رحمه الله، في قولته الشهيرة:الإسلام دين ودولة، عقيدة وعبادة، خلق وقوة، مصحف وسيف …، تمسكت الجماعة – وخاصة في التجربة المصرية – بنموذج العمل الإسلامي الشامل الموحد المندمج. وهي الفكرة المهيمنة والمتبعة داخل حركة المقاومة الإسلامية (حماس). فهي حركة مقاومة مسلحة، وهي حركة دعوية تربوية، وعمل نقابي، وعمل اجتماعي، وهي حزب سياسي، يخوض الانتخابات ويشكل الحكومة … فالكل داخل (حماس) وتابع لقيادة (حماس)!

ولقد دلت التجارب المتعددة، على فشل هذا النمط وعجزه وعدم صلاحية للأعمال الشعبية، التي تحتاج إلى كثير من خفة الحركة، وسرعة المبادرة، والتدبير الذاتي، والاسقلالية في القرار، والقدرة على التأقلم مع ميدان العمل وطبيعته…

وقد يكون من الدوافع المقوية لفكرة التمسك بالعمل الشمولي الممركز، هاجس الخوف من “الانفلات والانفصال”. وأنا أعتقد أن “الانفلات” المنظم، وفي إطار التخصص المسؤول، خير من الانفلات المتمرد، وخير من التعقيد والتركيز، المفضيين إلى العجز والجمود…

والعمل السياسي – بصفة خاصة – عمل ضخم وشاسع ومتنوع، فهو مفتوح على مجمل المشاكل والمتطلبات الداخلية والخارجية للدولة وللمجتمع. ويحتاج إلى تفرغ وتخصص، ويحتاج إلى استقلالية ومرونة …

  • قضية العالمية والوطنية

هذه القضية أيضا من القضايا الملتبسة والمرتبكة، لدى الحركات الإسلامية. فمن جهة يؤمن جميع المسلمين- فضلا عن الحركات الإسلامية- بأن المسلمين أمة واحدة، وأن المؤمنين إخوة … ومن جهة أخرى، فالمسلمون الآن حوالي ستين دولة. لكل منها وطنيتها وهويتها التي تحرص على ترسيخها وتلميع خصوصياتها، وعلى شحن جميع مواطنيها بها.

والحركات الإسلامية مهمومة بوحدة الأمة وما أصابها من تفتيت وتمزيق، وما هو جارٍ من ذلك وما هو آت … فهي تريد أن تفعل ما يمكن لأجل هذه الوحدة، ولأجل مواجهة المزيد من التمزيق والتفريق بين المسلمين. وتريد أن تكون هي بنفسها تجسيدا، ولو رمزيا، لهذه الوحدة. فلذلك بعضها أصبحت حركات عابرة للحدود الوطنية، أو عابرة حتى للقارات. وبعضها تقيم روابط وعلاقات، خارج حدود الوطن، وبعضها تكتفي بالتشاور والتزاور، والتعبير عن مشاعر الأخوة …

ولكن حينما يدخل العمل السياسي والمنافسة السياسية والخصومة السياسية على الخط، تصبح هذه الروابط والعلاقات والاتصالات الإسلامية العالمية، مثارا للشبهات والاتهامات والإدانات.

فالسلطات التونسية – مثلا- حاولت استئصال حركة النهضة، باعتبارها حركة “إخوانجية”، ذات تبعية خارجية وأجندة خارجية.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، قامت السلطات بالتجميد والحصار والخنق للتيار الإخواني، بتهمة تبعيته لحركة عالمية تسعى لإقامة الخلافة …

وحزب الله اللبناني، أكثر ما يتهم به ويعاب عليه، هو علاقته المذهبية والسياسية بإيران…

ومثل هذه الاتهامات والمعاناة كثيرة في دول عديدة أخرى…، وهي في جميع الأحوال تشكل ضررا وإعاقة للعمل الإسلامي عموما، وللعمل الإسلامي السياسي خصوصا. والحل في نظري ليس في التراجع عن المبدأ، ولا في التمادي على الصورة الحالية، وإنما في وضع صيغة متوازنة واضحة، تجمع بين تأكيد الاستقلالية والانتماء الوطني من جهة، والإيمان بالوحدة الإسلامية والأخوة الإسلامية من جهة أخرى. ثم إعلان هذه الصيغة، وممارستها بكامل الشفافية والعلانية.

ولـمَ لا تقوم الحركات والأحزاب الإسلامية، بتأسيس “الأممية الإسلامية للتشاور والتنسيق”، وتكون بديلا عن التنظيمات العالمية، وعن الارتباطات التنظيمية الدولية، وبديلا أيضا عن العزلة والتقوقع والخوف من الاتهامات والملاحقات، مع أننا في عالم يزداد انفتاحا وتفاعلا وترابطا يوما بعد يوم.

  • بين التدافع الكلي والتدافع الجزئي

من الإشكالات الكبيرة التي تعاني منها الحركات الإسلامية السياسية، بل تعاني منها دول إسلامية كثيرة، واقع الصراع والتدافع بين هذه الحركات الإسلامية، والأنظمة الحاكمة، الرافضة لها، وخاصة حينما يصبح التدافع بين الطرفين كليا ومصيريا، بمعنى أن كل طرف يريد القضاء على الآخر.

ولا أريد الدخول في تأييد هذا الطرف أو ذاك، ولا السعي إلى تحديد الظالم من المظلوم في هذه الحالة أو تلك. ولكني أقول: إن الشرع قد أعفانا ولم يوجب علينا مصارعة أي حاكم مسلم، أو العمل على إزاحته عن منصبه، إذا كان متمسكا به قائما بشؤونه. بل نهانا عن ذلك وحذرنا من فتنته وسوء عواقبه.

ولكنه لم يعفنا من النصح وقول كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، والمباردة إلى الإصلاح والتغيير، بدون فتنة ولا بغي ولا دماء… وهذا هو ما عنيته بالتدافع الجزئي المشروع.

واليوم تتجه معظم دول العالم، ومنها دول العالم الإسلامي، إلى التوافق حول أسلوب التغيير الديموقراطي السلمي، والتداول السلمي للسلطة، وإلى رفض الاستيلاء على السلطة بالقوة، أو الاحتفاظ بها بمجرد القوة… فأنعِمْ بهذا الاتجاه وأكرم.

نعم قد يكون هذا التوجه غير صادق أو غير جدي، عند هؤلاء أو هؤلاء، وقد يكون بتباطئ وعلى مضض عند الأكثرين. ومع ذلك ففيه خير ومخرج.

على أن ما ينبغي التمسك به بلا هوادة، هو أن تكون الأحزاب الإسلامية صاحبة السلطة، أو المشاركة فيها، منطاعة للتخلي عنها وتسليمها إلى غيرها، طبقا للشرعية القانونية الديموقراطية المتبعة، حتى ولو كان هذا التسليم لجهة مخالفة أو مناوئة.

وأنا على يقين أن خروج أي حركة إسلامية أو حزب إسلامي أو رئيس إسلامي من السلطة، بمقتضى عملية ديموقراطية نزيهة، سيكون نصرا للإسلام والمسلمين والحركة الإسلامية، لا يقل أهمية عن فوزهم ودخولهم إليها…

  • قضية الاجتهاد والتجديد

هذه قضية أخرى من القضايا المستعجلة والملحة أمام الحركة الإسلامية، وخاصة منها المشاركة في العمل السياسي. وهي قضية الاجتهاد والتجديد في مجمل القضايا المستجدة في حياتنا وعالمنا المعاصر.

 فوجود برنامج تأسيسي، أو برنامج انتخابي، أو مجموعة من المواقف والبيانات في جملة من القضايا السياسية أو الاقتصادية … لا شيئ من هذا يخول لأصحابه أن يتصدوا لمعالجة الشؤون العامة لبلدهم ولمجتمعهم، وحملِ مسؤولياتها وتبعاتها.

والحركات والأحزاب الإسلامية لا يسعها التخلي عن مرجعيتها الإسلامية، أو التملص من التزاماتها الإسلامية، عند توليها مسؤولية الشأن العام، ولكن أيضا لا يسعها السير وتسيير الأمور باجتهادات الفقهاء القدامى، ولا حتى المحدثين، وإن كانت الاستفادة من الجميع لا مفر منها. بل لا بد لها – منفردة أو مجتمعة – أن تكون لها اجتهادات ومؤسسات اجتهادية، ذات أهلية علمية وفكرية كاملة، وذات متابعة وخبرة بمجريات الأمور ومتطلباتها.

الحركات والأحزاب الإسلامية، المتقدمة لتدبير الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبلدها، إذا لم تكن قادرة على تقديم الأحسن والأنفع والأرقى، فخير لها ولدينها وأمتها، أن تعتزل هذا الشأن، وتشتغل بالدعوة والتربية والتعليم…

وسأعود إلى مسألة الاجتهاد في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مع قاعدة: المُسَلَّماتُ العَقْلِيَّةُ والحِسِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ في الشَّرْعِ

مع قاعدة: المُسَلَّماتُ العَقْلِيَّةُ والحِسِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ في الشَّرْعِ 29/1/2015 أ– قواعد ذات علاقة: 1– الشرع لا يَرِدُ بخلاف العقل = قاعدة أخص 2– لم يَرد الشرع إلا بما أوجبه العقل ...