تلفزيونيةحوارات

جلب المصالح..

جلب المصالح

28/5/2008


معنى المصالح وأقسامها في الشريعة الإسلامية

مصادر وضوابط تحديد المصلحة
معايير تحديد المصلحة الشرعية
ترجيح الرأي وتغليب المصلحة

عثمان عثمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. الشريعة كلها مصالح إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح كما قال الإمام العز بن عبد السلام، وقال الإمام ابن عقيل الحنبلي حيثما تكون المصلحة يكون شرع الله. لقد أشاد العديد من رجال الإصلاح ولا يزالون بالآفاق التي تفتحها المصالح الضرورية في بناء دولة عصرية والتواصل مع العالم والتعامل مع مستجدات العصر فقد أكسب فكر المصالح التفكير الإسلامي مرونة ومعاصرة يتصل بالتيسير ورفع الحرج والعيش في العصر، لكن فكرة المصالح بقيت موضع انتقاد من البعض إذ رأوا فيها تجاوزا للنصوص وخروجا على الموروث الفقهي فضلا عن أن فكرة المصلحة في الوعي الشعبي تحمل بعض السلبيات. فمتى يكون سعي الإنسان وراء مصالحه الشخصية مشروعا؟ وهل تراعى مصالح الناس ولو خالفت النصوص الشرعية؟ وكيف نوظف المصلحة في مسائل الزواج والطلاق واستثمار الأموال وغيرها؟ جلب المصالح موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، مرحبا بكم دكتور.

أحمد الريسوني: أهلا وسهلا حياكم الله.

معنى المصالح وأقسامها في الشريعة الإسلامية

عثمان عثمان: بداية، صاحب المصلحة تطلق عليه مصطلحات يقال عنه بأنه مصلحجي يقال عنه بأنه براغماتي يقال عنه بأنه نفعي، ولكن ماذا نعني بالمصلحة في الشريعة الإسلامية؟

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله. للعلماء في تعريفاتهم للمصلحة تعبيرات مختلفة ولكنها في النهاية تلتقي في شيء واحد، قد يكون أوضح تعبير عنه هو ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي لما قال “ونعني بالمصلحة حفظ مقصود الشرع”، فإذاً هذا هو مفهوم المصلحة ومعيارها وأساسها. طبعا التعريف اللغوي والعرفي لا يخرج عن هذا، جلب ما ينفع الناس ودفع ما يضرهم، عرفوها بجلب اللذات ووسائلها ودفع الآلام ووسائلها لأن المصلحة لا تنفك أيضا عن المفسدة ولذلك قال الغزالي كل ما يخدم مصالح الشرع فهو مصلحة وكل ما يفوتها فهو مفسدة. فإذاً إن أردنا تعريفا شرعيا واضحا عمليا فكل ما يخدم مقاصد الشرع ومقاصد الشرع هي جميع المصالح الأساسية الدينية والدنيوية والأخروية التي تتقوم بها حياة الناس وتدفع عنهم الأضرار والضيق والحرج والعنت، فهذا تقريبا باختصار مفهوم المصلحة في..

عثمانعثمان: المصالح فضيلة الدكتور يعني تتنوع ما بين فردية وجماعية ما بين دنيوية وأخروية ما بين عامة وخاصة ما بين قومية وإنسانية، فأي نوع من المصالح تلك التي ذكرناها ترعاها الشريعة الإسلامية؟

أحمد الريسوني: الشريعة ترعى هذا كله وأكثر من هذا، فالمصالح الفردية والمصالح الجماعية ومصلحة البشرية ومصلحة الجماعة والفرد ومصلحة الدنيا والآخرة والمصالح المادية والمعنوية هذا كله داخل لا يستثنى منه شيء بل يمكن أن نقول ويمكن أن تتاح فرصة لتوضيح هذا أكثر هو أن أوسع مفهوم وأشمل مفهوم للمصلحة هو المفهوم الإسلامي لأن المفاهيم السائدة عادة وهذا انتقده العلماء يتحدث الناس عن المصالح فتنصرف الأذهان إلى مصالح البطون ومصالح الجيوب ومصالح الأبدان وفي أقصى الحالات بعض المصالح ذات الطابع الاجتماعي والسلوكي ولكن المصالح الإسلامية هي مصالح القلوب ومصالح النفوس ومصالح الروح ومصالح العقل فضلا عن مصلحة البدن والأموال وما إلى ذلك، فإذاً ليس هناك شيء يستثنى وإذا عرفنا أن العلماء يتحدثون عن المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، يعني أيضا من حيث المستوى سواء كانت صغيرة أو كبيرة أو دقيقة أو جديدة فهي داخلة في المفهوم الشرعي للمصلحة.

عثمان عثمان: هذه التقسيمات الثلاث التي ذكرتموها فضيلة الدكتور حول المصالح يعني حبذا لو نعرج عليها قليلا لتعريفها أيضا.

أحمد الريسوني: هذا تقسيم للمصالح كما قال الإمام الغزالي بحسب قوتها في ذاتها، فإذاً المصلحة بحسب درجتها ومدى احتياج الناس لها أفرادا وجماعات تقسم إلى ما هو ضروري وما هو حاجي وما هو تحسيني، فما هو ضروري هو الذي لا يمكن الاستغناء عنه وإذا فقدت أصبحت الحياة آيلة وسائرة نحو التفكك ونحو الهلاك ونحو الاضمحلال ونحو الفوضى، انعدام الأرزاق انعدام الأمن انعدام القضاء انعدام حفظ النفوس انعدام الدين والخلق، يعني كلها مصالح كبرى وضروريات هذه كلها تدخل في الضروري بحيث إذا فقد الحياة تصبح في مواجهة انحلال وتفكك وهلاك.

عثمان عثمان: والمصالح الحاجية؟

أحمد الريسوني: الحاجية ما دون ذلك، الحاجية هي التي لو فقدت الحياة تمشي ولكن بعناء شديد وضيق وحرج ومشقة.

عثمان عثمان: أما التحسينية؟

أحمد الريسوني: التحسينية فواضح من اسمها أنها ما يضفي حسنا وتسمى التزيينية وتسمى التكميلية فمعناه أنه حتى ما ليس له من وظيفة في الحياة إلا أن يعطي بهجة وجمالا وكمالا ومتعة هذا أيضا داخل، معنى هذا أن الشريعة استوفت كما يقول ابن عبد السلام وقد ذكرتم كلاما له تتضمن المصالح دقها وجلها، يعني ما هو جليل وما هو دقيق قد لا يرى إلا بالمجهر حتى هو داخل في هذه المصالح.

عثمانعثمان: ولكن فضيلة الدكتور من الذي يقدر المصلحة هنا، هل هو الإنسان، هل هو العالم، أم الله عز وجل؟

أحمد الريسوني: الإمام ابن عبد السلام قال أما المصالح الأخروية فلا تعرف إلا بالشرع من كتاب وسنة وأما المصالح الدنيوية فبالإضافة إلى تعريف الشرع لها وتعريفه بمستوياتها ودرجاتها ومراتبها فإنها كما قال تعرف بالظنون وتعرف بالتجارب وتعرف بالعقول فإذاً للعقول والتجارب تجارب الناس مدخل في تحديد المصالح وإدراك أهميتها ومستوياتها بالإضافة إلى تحديدات الشرع ولكن المصالح الأخروية هذه يقدرها الشرع وحده.

عثمان عثمان: بهذا الإطار فضيلة الدكتور يعني الشاطبي في موافقاته يقول “إن ما جاء ضمن المحمود مع مخالفته للشرع واتباع الهوى طريق إلى المذموم”، يعني كيف يتناسب هذا القول مع ما ذكرتموه؟

أحمد الريسوني: لا، هذا يشير إلى مسألة كبيرة المفروض أن تكون واضحة وهي أنه حينما نقول المصالح، الشاطبي يفرق وهذا هو وغيره يفرق بين المصلحة الحقيقية التي تقدر تقديرا علميا وموضوعيا وعقلانيا وبين ما تشتهيه النفوس وبين النزوات وبين ما تتشوف إليه النفوس بمجرد رغبات غير مقدرة وغير مدروسة، وهذا شيء معروف أن أي إنسان بدين وبلا دين لو اندفع مع مزاجه وشهواته ونزواته فهو إلى المفسدة أقرب إلى المصلحة، فإذاً المصلحة لا تتقوم بمعيار الرغبات والنزوات العارضة بل تتقوم بالرغبات المدروسة في مآلاتها وعلاقاتها بمصالح ومفاسد أخرى فهي التي يمكن أن نقول إن شئنا أن نقول مصلحة شرعية وإن شئنا أن نقول مصلحة موضوعية وعقلانية، هذه هي المصلحة الحقيقية.

عثمان عثمان: نعود إلى السؤال فضيلة الدكتور يعني من الذي يقدر المصلحة بالذات؟

أحمد الريسوني: لا، أنا ذكرت، الله تعالى دائما إذا.. ما حكم فيه الله تعالى فهو المعيار الأعلى والمحدد الأعلى ولكن هذا لا ينفي أن الشرع ترك كثيرا من الأمور لتقدير الناس وتقدير المجتهدين وتقدير ولاة الأمور خاصة في المصالح الدنيوية، فكما قال ابن عبد السلام للتجارب والعقول والظنون والتقديرات مدخل في تقدير عدد من المصالح، فإذاً الشرع إذا جاء بحفظ المال مثلا لكن نحتاج إلى العقل والتجربة لنقول هل هذا المشروع الزراعي أو الصناعي يضر أو ينفع ضرره أكبر أم نفعه أكبر أم هو أولى من غيره أم غيره أولى منه ها هنا طبعا لن تأتينا إجابات في الكتاب والسنة وفتاوي الفقهاء، هنا نحتاج إلى الخبراء والمجربين فإذاً تدخل التجارب والعقول والخبرات في تلك المصالح..

عثمانعثمان (مقاطعا): يعني هناك تعاون وتنسيق بين العلماء المجتهدين وبين أهل الذكر كل في اختصاصه.

أحمد الريسوني: نعم بكل تأكيد.

مصادر وضوابط تحديد المصلحة

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ولكن هناك سؤال يعني، ألا يمكن للهوى هنا أو الشهوة التلاعب بمسألة المصالح بحيث تصبح مطية لأفكار الناس وعقولهم يركبون متى شاؤوا وينزلون عنها متى شاؤوا؟

أحمد الريسوني: هذا صحيح بكل تأكيد وهو فحوى كلام الشاطبي الذي تقدم ولذلك المعيار في المصالح والمفاسد هو أولا الشرع وبعد ذلك العقول والخبرات والتجارب لأنه فعلا كما قال تعالى {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض..}[المؤمنون:71]، فإذاً اتباع الهوى كما يقول الشاطبي مذموم ولو جاء في شيء محمود.

عثمان عثمان: هنا سؤال آخر فضيلة الدكتور، من المعروف أن عقول الناس وفهومهم تتفاوت، يعني ما ترونه فضيلتكم مثلا مصلحة يراه غيركم مفسدة أو مضرة وما يراه غيركم كذلك يعني مصلحة ترونه بالعكس مضرة ومفسدة، يعني ما هو الضابط هنا؟

أحمد الريسوني: الضابط هو المعايير الموضوعية التي لا يضعها شخص ولا يتحكم فيها شخص فمن ذلك المعايير الشرعية لأن العلماء على سبيل المثال يقسمون المصالح بحسب شهادة الشرع هناك مصالح معتبرة وهذا هو الأصل في المصالح وهناك مصالح ملغاة ألغاها الشرع، ما معنى ألغاها؟ ألغاها لأن فسادها أكبر سواء الفساد الذي يلازمها أو الذي يتبعها والأصل في هذا كله قوله تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما..}[البقرة:219]، فإذاً ما زاد ضرره على نفعه فهو مفسدة وما زاد نفعه على ضرره فهو مصلحة، فيأمر الشرع بما زاد نفعه على ضرره وينهى عن ما.. في النهاية الشرع له محددات محرمات وواجبات ومباحات هذه معيار أساسي وبعد ذلك تأتي كما قلت خبرات.. لأنه لا يمكن في أي مصلحة اليوم من الناحية التنفيذية والتفصيلية ألا نعتمد على دراسات الخبراء وخبراتهم سواء كانوا أطباء أو اقتصاديين أو سياسيين أو علماء اجتماع فهذه الخبرات هي خبرات ذات طبيعة علمية في الغالب ولا سيما إذا كان هنا توافق في آراء العلماء والخبراء على أن الأمر هذا أفضل وهذا أرجح وهذا أصح إلى آخره…

عثمان عثمان (مقاطعا): في حال حصل توافق المشكلة انتهت؟

أحمد الريسوني: نعم.

عثمانعثمان: ولكن في حال كان هناك رؤى فقهية متعددة كيف يمكن للمسلم العادي أن يميز بين رأيين في المسألة الواحدة؟

أحمد الريسوني: لا، لأن الفقهاء يفتون ولكن هناك شيء آخر وهو الولاة ولاة الأمور ومؤسسات الدولة هذا شيء معتبر في تقدير عدد من المصالح وحسم النزاعات فيها ولذلك قالوا حكم الحاكم أو حكم القاضي يرفع النزاع، يتنازع الناس الحق لي الحق لك إذا رفعت المسألة وحكم فيها فذاك، فإذاً مؤسسات الدولة من قضائية أو مؤسسات شورية أو سياسية أو اقتصادية هذه تمارس الترجيح بين المصالح وترجيحها ملزم ويصبح بمثابة يعني قوانين وأوامر شرعية، وما لا يخضع لمؤسسات الدولة فعلا ربما هو الذي يرد فيه السؤال وهو حينما يفتي العلماء فيختلفون. الذي لا شك فيه أيضا أنه إذا صدرت الفتوى عن عالم أو عدد من العلماء المعتبرين الموثوق بعلمهم ودينهم وإخلاصهم فالمسلم بأيها أخذ فلا حرج عليه وهذا من توسعة الإسلام ومن حرية الاجتهاد والفكر التي تجد لها مكانا واسعا في الدين.

عثمانعثمان: فضيلة الدكتور يعني يُفهم الدين على أنه التزام بالنصوص الجزئية والتفصيلية من الكتاب والسنة، أين المصلحة من هذا الالتزام؟

أحمد الريسوني: طبعا نحن نعتقد – أقصد كل العلماء والدارسين والعارفين بالفقه الإسلامي والتشريع الإسلامي – أنه ما من نص إلا وفيه مصلحة ما من نص إلا وهو يجلب مصلحة أو مصالح وما من نص إلا وهو يدرأ مفسدة أو مفاسد، فإذاً ليس هناك تعارض كما يفترض البعض وكما يتردد على بعض الألسنة إذا تعارض النص والمصلحة أو هل نتبع النصوص أو نتبع المصالح، لا، أولا وقبل كل شيء النصوص مصالح هذا يجب أن يكون واضحا وإنما يجهل مصالح النصوص من لا يفهم النصوص وأبعادها وعللها وحكمها وإلا كما قدمتم العلماء مجمعون على أنه ما نص إلا وفيه… فالإنسان إذا عرف يعني مصالح النصوص يكون مطمئنا أن عمله بالنصوص هو عمل بالمصالح ولكن مع ذلك إذا وجدنا أشكالا وتفريعات وتقلبات من المصالح والمفاسد غير منصوص عليها فطبعا ها هنا تجلب ولو لم يكن منصوصا عليها لأنها وإن لم يكن منصوصا عليها بعينها فعندنا ما لا يحصى من النصوص تقول كما قال ابن عقيل وقد ذكرتموه بالاسم حيثما كانت المصلحة فشرع الله هناك، ويقول ابن القيم حيثما كان العدل وأسفر أمارته فثم شرع الله، فإذاً هذه كليات هادية للمسلم وللفقيه أنه إذا تحققت المصلحة التي لا ظلم فيها لأحد وترجح جانب النفع فيها فينبغي الأخذ فيها والمضي بها..

عثمان عثمان (مقاطعا): في موضوع تقديم المصلحة أو النص البعض يقول الممارسة الاجتهادية للصحابة كانت تتخذ المصلحة مبدءا ومنطلقا فإذا تعارضت المصلحة مع النص في حالة من الحالات وجدناهم يعتبرون المصلحة ويحكمون بما تقتضيه، طبعا وهناك أمثلة يضربونها كإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم الذي اعتبره سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، موضوع إيقاف حد القطع لمن سرق قطع اليد في عام المجاعة، كراهية الزواج من الكتابية كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه.

أحمد الريسوني: هذا يمكن أن أدخله تحت عبارة تقول النصوص بمقاصدها والنصوص بمصالحها، بمعنى أن الصحابة وعلى رأسهم إمام المجتهدين من الصحابة وهو عمر رضي الله عنه كانوا ينظرون هذه النظرة الصحيحة التي لا بد من الأخذ بها وإلا أفسدنا الدين، أن كل نص وكل حكم له مصلحته التي يريد تحقيقها وله.. وهناك مفاسد يدرؤنها، إذا مارس الناس بعض الأحكام بما لا يحقق تلك المصالح أو بما لا يجنح بها غفلة أو قصدا يجب على العلماء أن يرجعوا الأمور إلى نصابها، فزواج الكتابيات أبيح لحكم معروفة ومصالح معروفة عموما هي حكم الزواج زائد ما في حكمة الزواج بالكتابية من خصوصيات، لكن حينما يستعمل هذا الزواج لكي يصبح منزلقا للمسلمين فينزلقوا وراء الكتابيات ويصبح فتنة ويصبح ظاهرة أو حينما يصبح بعض المسلمين خاصة من ذوي المناصب مثلا يتزوجون الكتابيات ويصبح هناك.. هذه كلها مفاسد ليست مقصودة للشرع حينما شرع، فحيثما أعملت هذه الأحكام بكيفية أو في ظروف غير ما وضع لها النص وكان وراءها مفاسد أو تفويت مقصد.. فهنا يتدخل العالم ويكون هذا ليس مخالفة للنص بمقدار ما هو إحقاق لهذا النص وفهم سديد له وتنزيل له بالقسط والرشاد والسداد.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور البعض يرى أن إباحة شرب الخمر أن إباحة الزنا مثلا فتح المجال هو عامل من عوامل جذب السياح وبالتالي يدر بالأموال على البلد السياحي، هل تعتبر هذه مصالح معتبرة شرعا؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة الذي نتحدث فيه عن جلب المصالح مع فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي في جدة. فضيلة الدكتور يعني كنت سألت عن موضوع إباحة الخمر موضوع فتح الباب للزنا إما لجلب السياح والعودة بالأموال على العودة أو للترفيه عمن هو غير متزوج، وكذلك البعض يتحدث عن إلغاء بعض الحدود كحد السرقة ربما أو حد الردة مراعاة للغربيين، هل يعتبر شيئا من ذلك مصلحة معتبرة شرعا؟

أحمد الريسوني: أولا أنا ذكرت قبل قليل أن العلماء قسموا المصالح إلى معتبرة وملغاة ومرسلة، المصلحة المعتبرة هي ما أباحه الشرع أو أمر به ندبا أو وجوبا هذا واضح كل ما ثبتت مشروعيته فهو من المصالح المعتبرة، وهناك مصالح قد يكون فيها نوع مصلحة ولكن فيها من المفاسد والأضرار ما يربو ضعفا أو أضعافا مضاعفة على ما فيه من مصلحة فالذي ينظر إلى المصلحة ينظر إلى 10% أو 5% ثم يريد أن يجلب لنا 90% من المفسدة مقابل.. فهذا واحد، لأن المصالح الملغاة كلها فيها قدر ضئيل من المصلحة وفيها كم كبير من المفاسد والأضرار العاجلة والآجلة. وثانيا الآن نريد جمع المال ببذل الأعراض والأخلاق والدين وما إلى.. نحن نعرف أن العلماء رتبوا المصالح والمال آخرها مصالح الدين والأخلاق مصالح النفوس حفظ النفوس والأبدان حفظ العقول حفظ النسل وبعدها في آخرها يأتي حفظ المال، فنحن نعم نبذل المال لو كان عندنا لكي نحفظ أخلاقنا وأنفسنا ونسلنا، أما أن تبذل هذه الأمور كلها وتذبح هذه الأمور كلها لجلب المال هذا طبعا قلب نهائيا للميزان المعتمد في الشرع، ثم كذلك لو فتحنا هذا الباب لكان علينا أن نجمع كل الشرور لكي يأتي أصحابها فأصحاب المخدرات يريدون المخدرات وأصحاب الخمور وأصحاب الشذوذ وجميع المفاسد، لو أصبحت السياحة يعني تفتح الأبواب لمثل هذه الأمور لكان.. لأن الذين يطلبون المخدرات مثل الذين يطلبون الخمر فلنفتح هذا والذين يطلبون الزنا كذلك مثلهم أو أكثر، منهم يطلبون الشذوذ الجنسي، وهكذا نخرب بلداننا وأخلاقنا ونجعلها قبلة لجميع أشرار العالم لأجل المال مع العلم أن السياحة التي تأتي بالمال قد لا يكون فيها شيء من هذا، هناك..

معايير تحديد المصلحة الشرعية

عثمانعثمان (مقاطعا): إذاً فضيلة الدكتور يعني أمام هذا الواقع ما هو المعيار الذي على أساسه نستطيع أن نقيس المصلحة هل هي مصلحة شرعية معتبرة أم هي مصلحة غير شرعية؟

أحمد الريسوني: نعم أولا كما قلت وأكرر ما حكم به الشرع هذا هو المعيار بالنسبة لنا نحن المسلمين هذا هو المعيار الأكبر، ولكن مع ذلك حتى ما ليس منصوصا من تفاصيل وصور وتطورات هذا يحكم فيه العلماء يخرجونه على مصالح الشرع ويحكم فيه أهل الخبرة لأنه الآن مثلا هذه الأمور حتى لو تجردنا أو حكمنا بمجرد تجاربنا وعقولنا ليس هناك عاقل حقيقة وخبير حقيقة ومن يقدر مصالح المجتمعات حقيقة يمكن أن يتمادى في مثل هذه الدعوات، فأحكام الشرع وأحكام العقلاء والخبراء تتلاقى في تقدير المصالح والمفاسد ولكن المرفوض هو أن تكون دعوات باسم المصلحة ووراءها أبعاد أيديولوجية أو أهواء أو نظرات قصيرة سطحية هذا هو الذي يُخشى وإلا فدائما التقدير العلمي والعقلي والموضوعي لا يختلف أبدا عن التقدير الفقهي والشرعي.

عثمانعثمان: هناك مستجدات كثيرة فرضها العصر وطبعا لم يكن للموروث الفقهي رأي فيها ولا حكم فيها، هل يمكن القول إن رعاية مصالح العباد هي الأساس وهي المعتبرة في التعاطي مع هذه المستجدات؟

أحمد الريسوني: هذه المستجدات قد يكون أكثرها قد لا يكون كلها ولكن على الأقل أكثرها هو مما يدخل فيما يسميه بالمصالح المرسلة. المصالح المرسلة هي المصالح التي لم ينص عليها الشرع سواء كانت في زمن الشرع أو حصلت فيما بعد، وجوه من الاحتياجات والمصالح وأساليب ووسائل كلها فيها نفع ومصالح هذه تحكمها قاعدة المصالح المرسلة وقاعدة المصالح المرسلة جميع المذاهب المعتمدة تأخذ بالمصالح المرسلة أي أننا نحكم فيها بمقدار أهميتها، قد نحكم بوجوبها ولا سيما ما يتبناه ولاة الأمور وتتبناه الحكومات من مصالح تصبح على سبيل الوجوب التزام بها والسعي في خدمتها وعدم.. أو على الأقل نحكم بإباحتها يباح للناس أن يسعوا وأن يكتسبوا وأن يقتنوا هذه.. ما يجلب مصالحهم. فإذاً هذا هو حكم المصالح المرسلة التي تحتوي على معظم ما يستجد في حياة الناس من احتياجات ووسائل ووجوه المصالح.

عثمان عثمان: في ما يستجد في حياة الناس من هذه المصالح ومن هذه الأمور عندنا مثلا الفحص الطبي قبل الزواج عندنا شركات التأمين توثيق عقود الزواج في المحاكم وغير ذلك، يعني هل يمكن لهذه المسائل أن تكون مشروعة من باب المصالح؟

أحمد الريسوني: نعم مبدئيا لا مانع من اعتماد هذه الأمور كلها ولكن طبعا مع ذلك لا تستغني عن التمحيص والموازنة، مثلا على سبيل المثال قضية الفحص الطبي قبل الزواج هذا لا شك عمل مصلحته وفائدته لا تخفى لكن الذي يُخشى كذلك أن يقع المبالغة في هذا الفحص الطبي، قد يطلب لوقت من الأوقات لمرض معين فتاك خطير كذا قد يُتوسع فيه إذا تم التوسع فيه سنصبح أمام مضايقات لأصل الزواج وأمام عرقلة للزواج قد يوازن من هذه الناحية، فإذا كان ميسرا ومخففا ودون تعقيد ويحقق مصلحة فلا شك فيه. كذلك شركات التأمين..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني ربما يحقق مصلحة ويدرأ مفسدة أيضا.

أحمد الريسوني: نعم لأن درء المفسدة كما قلنا سابقا هو نوع من جلب المصلحة بكل تأكيد. شركات التأمين من حيث الأصل إذا دخلت في مصالح واتفق العقلاء وأهل الاختصاص بأنها تجلب مصالح وأنها تحقق وتحقق هذا لا شك أنها من حيث المبدأ تكون مقبولة وعملا مصلحيا مقبولا، لكن بعض الفقهاء يناقشون فقط في تفاصيل التعاقد لأن الإباحة المبدئية وكون الشيء مصلحة لا يمنع من فحصه حتى لا يكون في تعاقداته وتفاصيل التعاقد شيء من الإجحاف شيء من الابتزاز لهذا المواطن الذي هو في أمس الحاجة لهذا التأمين فتمارس عليه شركات التأمين أنواعا من الحيف والابتزاز فالفقهاء حينما يجدون أحيانا بعض صيغ التأمين وعقود التأمين فيها غرر وضرر على الزبون وعلى المتعامل قد يفتون بفساد هذا التعاقد من هذه الناحية لا من حيث المبدأ. فإذاً من حيث المبدأ كل ما يجلب مصالح الناس في دنياهم وأرزاقهم وعلاقاتهم وأمنهم فهو بدون شك معتمد ولكن هذا لا يلغي ضرورة فحصه فحصلا تفصيليا حتى لا يدخل الخلل في هذا الإطار المصلحي المقبول في إجماله.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني يرى البعض أن من السنن التي بنيت على المصلحة القائمة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام موضوع الزي عندما أمر بمخالفة المشركين بإطلاق اللحى وحف الشارب، الآن البعض يقول إن هذا العرف تغير، ما رأيكم؟

أحمد الريسوني: هذا قول للعلماء قديما وربما الآن يقال به أكثر فعلا لأنه روعي فيه وروعي في القائلين في هذا التفسير ما ورد في الأحاديث نفسها مخالفة المجوس مخالفة المشركين الآن أين هم هؤلاء المشركون أين زيهم أين لحاهم أو حلقهم للحى، فعلا الأمور التي تبنى على أمور ظرفية وتتغير هذه الأمور الظرفية هذا قد يقتضي تغيرا في الحكم ولكن أيضا هذا الحكم الشرعي خاصة قضية إعفاء اللحية وإحفاف الشوارب له تعليل آخر في النصوص وهو أنه عُد من سنن الفطرة، فالقول بأنه من سنن الفطرة هذا ما زال ثابتا، إذا كانت هذه الأمور من سنن الفطرة فهي ما زالت من سنن الفطرة هذا لم يتغير، علة أخرى تغيرت، ولذلك يمكن أن نقول إن النهي عن حلق اللحى للتشبه بالمشركين هذا يمكن أن نقول الآن اختلطت الأمور والمشركون أين هم؟ والمجوس أين هم؟ فربما نقول هذا كان يقتضي تشددا في الحكم لكن لما زالت إحدى العلتين وبقيت أخرى هذا يقتضي نوع من التخفيف فمن قالوا بالتحريم قد يقولون اليوم بمجرد الكراهة ويقولون بالمقابل أن التزام هذا الحكم هو من المندوبات ومن السنن باعتباره من سنن الفطرة وسنن الفطرة المذكورة في الحديث كلها من قبيل المندوبات، فتغير نسبي في الحكم لكن زالت إحدى علتيه أو قد تزول وأما علة أخرى فهي باقية والمصلحة باقية لأن مراعاة الفطرة شيء أساسي، ولو أنه تمثل هنا في مسائل جزئية ولكن هذه الجزئيات تعبر عن قضية كلية هي أن الأمور فطرية التي وهبها الله تعالى وفيها منفعة وفيها زينة وفيها يعني الحفاظ على أصالة الإنسان هذه تظل ثابتة وهي قضية كلية مراعاة الفطرة.

عثمانعثمان: فضيلة الدكتور يعني اليوم في هذا العصر الذي يعج بالمستجدات كيف يمكن توظيف المصلحة في التوسعة على المسلم طبعا دون أن يكون ذلك تفلتا من إطار الأحكام الشرعية؟

أحمد الريسوني: لا شك أن فقهاؤنا اليوم ربما أكثر عملا بالمصالح والمصالح المرسلة أكثر من أي وقت مضى، لأنه كلما تقدم الزمان وانفجرت التطورات والأحداث والتغيرات في الحياة ظهرت أوضاع جديدة ومصالح جديدة ووسائل جديدة لم تكن وهذه كلها توسع دائرة العمل بالمصالح، فإذاً العمل بالمصالح أظن أن الفقهاء اليوم وخاصة الفقهاء الكبار المعتمدين المستوعبين لزمانهم ومتطلبات زمانهم يعني يمشون في هذا الإطار، يكفي أن نجد أن المصلحة المرسلة في وقت من الأوقات حتى الأصوليين يختلفون فيقولون أخذ بها كذا وعارضها كذا، أما اليوم الفقهاء مجمعون من حيث المبدأ أن المصالح المرسلة ومبدأ المصالح المرسلة أو مبدأ الاستصلاح هذا لا غبار عليه ولا مفر منه وهو باب كبير من الأبواب التي تبنى عليها الاجتهادات الفقهية المعاصرة، بغض النظر قد توجد بعض العقليات الضيقة وغير المستوعبة لكن على العموم كما قلت المجامع الفقهية الكبرى الفقهاء البارزون كلهم الآن قاعدة اعتبار مصالح المسلمين أفرادا وجماعات وأمة هذا الآن يأخذ حظه في الاستدلال الفقهي والتفريع الفقهي بشكل جيد وينبئ بكل خير.

عثمانعثمان: في موضوع العبادات فضيلة الدكتور يعني كيف.. هل يمكن للمصلحة أن تراعي في مسائل العبادات ما يجد منها وكيف يكون ذلك؟

أحمد الريسوني: طبعا حينما كنا نتحدث عن المصالح والمصالح المرسلة هذا كله في ما سوى العبادات. الإمام الشاطبي – لمن أراد من المشاهدين والمستمعين أن يتوسع – في كتابه “الاعتصام” بحث هذه المسألة بحثا متكاملا لا مزيد عليه وبين أن المصالح المرسلة والاستحسان وغيرها من القواعد المصلحية هذه يُعمل بها في الحياة الدنيا وفي مصالح المعاملات والعادات والحياة الاجتماعية وهي واسعة طبعا يعني تشمل مساحات واسعة من حياة الفرد واحتياجاته وأما العبادات في إنشائها وكيفياتها ومقاديرها هذه ثابتة لأنها تتعلق بجوانب ثابتة في الإنسان فالإنسان في جانبه في تزكية نفسه وروحه وقلبه وسلوكه وأخلاقه هذه هي العناصر الثابتة فلذلك أحكامها ثابتة ولكن ثبات أحكام العبادات أيضا لا يمنع من التغير والتطور وإدخال المصالح في الوسائل والكيفيات المحيطة…

عثمانعثمان (مقاطعا): جمع سيدنا عمر رضي الله عنه المسلمين في صلاة التراويح، استحداث أذان مثلا سيدنا عثمان استحدث أذانا ثانيا ليوم الجمعة، يعني هذا أين يقع هذا الموضوع؟

أحمد الريسوني: هذا أولا عمر رضي الله عنه حينما دعا أو أقر أو أعاد العمل بصلاة التراويح إنما أحيا سنة وجدد العمل بها كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والرسول تركها لعلة واضحة وصرح بذلك خشي أن يعتقد المسلمون أن هذه من الصلوات المفروضة وأنه في رمضان نصلي خمس صلوات ونضيف صلاة أخرى أي تصير ست صلوت والسادسة هي.. فحتى لا يُفهم هذا والأمور في بدايتها وكثير من الناس جدد يوميا بالأفواج يدخلون في الإسلام الرسول توقف وبين أنه توقف حتى لا تُفرض عليهم بحسب سوء فهم الناس فلما استقرت الأحكام أعاد عمر هذه السنة ولم يخترعها، بالإضافة إلى هذا في هذه المسألة وفي غيرها هناك شهادة نبوية صحيحة صريحة تقول “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي” فالخلفاء الراشدون بما أنهم من كبار الصحابة وبما أنهم خلفاء وعلماء وفقهاء وأقرب الناس إلى معرفة الوحي لو اجتهدوا اجتهادا أو فهموا فهما فهو جزء من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سواهم ليس لهم هذه الصلاحية وهذه الصفة.

عثمانعثمان: هناك من اعتبر إخراج القيمة في زكاة الفطر من الأمور الجائزة شرعا كذلك؟

أحمد الريسوني: نعم هذا أمر قديم وليس فقط في الزكاة، الزكاة والكفارات وعدة حالات..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هل حصل هذا في عهد الخلفاء الراشدين؟

أحمد الريسوني: هذا على كل حال أعرفه اجتهادا للفقهاء في المذاهب خاصة في المذهب الحنفي ولكن في عصر الصحابة قد لا يكون وقع الاحتياج إليه.

عثمان عثمان: يعني هذا يقودني إلى سؤال كيف أميز ما بين المصلحة والبدعة؟

أحمد الريسوني: نعم، كما قلنا إحداث عبادات أو هيئات العبادات أو شكليات وتفاصيل.. هذا كله لا تدخله لا مصلحة مرسلة ولا إضافة ولا حذف ولكن الآن الذي يقول دفع القيمة في الزكاة هو لا يقول شيئا جديدا، يقول هذه هي الزكاة هذا يساوي هذا أن تدفع هذا النوع من المال أو ما يساويه مما فيه مصلحة هذا وجه ومع ذلك كما قلت هذه مسألة فيها نظر وإن كان الصواب المتمشي مع اليسر ومع مقاصد الشريعة أن قيمة الشيء كالشيء نفسه، ولذلك في عدد من الأحكام في العقوبات في الغرامات في الضمانات تقوم الأشياء مقام بعضها فهذا جانب مالي في العباد يُفهم ويُتعقل فيعمل بما عُقل من معناه ومقصوده.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور موضوع الطلاق يعني أصبح مشكلة كبيرة ومن أهم المسائل التي تحتاج إلى اجتهادات جديدة، البعض يطرح أن الطلاق الذي يقع نتيجة غضب أو نتيجة يعني ليس مبنيا على نية ألا يقع هذا الطلاق حفاظا على الأسرة وصونها، ماذا تقولون في هذا الأمر؟

أحمد الريسوني: نعم هذا أمر ما تفضلتم به صحيح وليس بجديد في الفقه الإسلامي بل ليس بجديد حتى في الأحاديث ففي الحديث “لا طلاق في إغلاق” هذا جانب من السؤال، الإغلاق هو أن يبلغ الغضب بالإنسان حتى كما يقولون في بعض الأحيان يقول الشخص لم أكن أدري ما أفعل ولم أكن أدري ما أقول يقال له أنت صدر منك الطلاق يقول أنا كنت في غضب وأريد أنا أحتج وأعبر عن غضبي هذا لا أقل ولا.. فإذا وصل الإنسان إلى حالة من الغضب يختل فيها تفكيره وتختل فيها إرادته هذا فعلا قول قديم..

عثمانعثمان (مقاطعا): لا يصدق على مطلق الغضب يعني؟

أحمد الريسوني: لا لا ليس مطلق الغضب، الحديث فيه الإغلاق لأن الغضب عادة الإنسان يطلق ويبيع ويشتري وهو في قدر من الغضب ولكن الغضب الذي يخل بإرادته وتوازنه وهذا يثبت بالشواهد أو باعتراف الشخص إن قال كنت في حالة لا أدري ما أقول هذا خلاص كلامه لا يعتبر.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني مما يوظف فيه دليل المصلحة أيضا مسائل السياسة ولكن المتأمل للتراث الفقهي يجد أن بعض الفقهاء توسعوا في صلاحيات السلطان يعني أو الإمام من باب المصلحة بما يتعارض أحيانا مع أحكام الشريعة، فأجازوا القتل سياسة وأجازوا الحرق سياسة وغير ذلك. ألا يُخشى من التوسع في المصلحة يمكن أن يؤدي إلى تبرير استبداد الحاكم في مسائل السياسة؟

أحمد الريسوني: نعم صحيح هذه التجاوزات كلها وقعت لأننا أمام تاريخ طويل نستطيع من خلال هذا التاريخ الطويل أن نلتقي عدة أمثلة ولكن ليس الفقهاء هذا الواقع، الواقع كما وقع، أما الفقهاء فالذي أعرفه وأذكره وقد ذكرتم ابن عقيل وغيره من العلماء ما زالوا يستنكرون هذا التوسع في مفهوم السياسة الشرعية وعدم ضبطها في ضوابط الشرع فالقتل محدد في الشريعة محدد حالات التي يمكن فيها القتل وما سوى ذلك قد يقع قتال، فرق بين القتل والقتال، القتال هو أن تكون هناك فئة متمردة أو منفصلة أو كما يعبر الفقهاء بالبغي ها هنا طبعا حينما يقع القتال قد يقع القتل على غير تحديد أما في غير هذا لا بد أن يقتل الشخص بعينه وبأسبابه وبجريمته وبالإثبات والإشهاد وما إلى ذلك أي القتل الذي قد يقع بواسطة القضاء وما سوى ذلك إذا لم تكن هناك حالات اقتتال والاقتتال لا يكون من طرف واحد لا يمكن أن يأتي حاكم ويهجم على قرية أو جماعة في مسجد أو كذا لا، إلا إذا حملوا هم السلاح واستعملوا السلاح، هذا اقتتال هذه الحالة الوحيدة التي يمكن فيها أن يقع قتل غير محدد لأن فئتين تقتتلان وفي القرآن {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ..}[الحجرات:9]، أما في ما سوى هذا لا يجيز أحد لحاكم أن يقتل ولا أن يحرق ولا أن يأخذ مالا بل الفقهاء تشددوا حتى في مسألة العقوبة بالمال التي هي اليوم أصبح معمولا بها الغرامات لأنهم كانوا يخشون من أن يتجاوز الحكام أن يفتح لهم هذا الباب فيسرفوا في استعماله، بل من العلماء من كانوا يتشددون حتى حينما يطلب الحاكم أموالا لبعض المصالح باسم بعض المصالح باسم تجهيز الجيوش يقولون لا، بل منهم من يقول حتى لا نرى في بيت المال درهما واحدا وهم يعرفون أن هذا يجوز ولكن يقولون لو فتح هذا الباب لا نستطيع أن نغلقه فلا نفتح بابا لا نستطيع أن نغلقه فنشدد، فالفقه والفقهاء كانوا بالعكس دائما يعملون على إغلاق هذا الباب ولكن الممارسة الفعلية تجر إليه وخاصة إن كانت هناك صراعات.

ترجيح الرأي وتغليب المصلحة

عثمانعثمان: فضيلة الدكتور يعني من المعروف أن الكثيرين يميلون إلى تغليب رأي الجمهور، ألسنا اليوم بحاجة إلى ترجيح الرأي الذي فيه المصلحة والتيسير على الناس ولو كان من يقول بهذا الرأي قلة؟

أحمد الريسوني: الجمهور جمهوران جمهور قديم وجمهور حديث، إذا كان الجمهور قديما رجحوا أمرا هذا لا يلزمنا نحن أن نظل عليه لأن تقدير بعض الأحكام تحضر فيه بقوة الظروف المحيطة والملابسات المحيطة، العلماء مرات حين يفتون فيحرمون شيئا يعرفون أنه في زمانهم هذا الشيء يؤدي إلى كذا ويستعمله هؤلاء إلى كذا ويؤدي إلى فتنة وإلى آخره فقد يتشددون ويميل جمهورهم إلى التشدد في أمر لظروف معينة ومفاسد معينة، فالجمهور إذا كان قديما هذا لا.. لكن إذا بقي هذا الجمهور على ما هو عليه بمعنى تقدير حديث يعرف أصحابه زمانهم ويعرفون مصالح زمانهم ويقدرون الضوائق التي قد ينزلونها بالناس ويستحضرون كل هذا ثم بقي الجمهور على قول معين فمعناه أن هذا تقدير أيضا، لأن الجمهور من الفقهاء المعاصرين مثلا ليسوا ناسا ينطقون عن الهوى ولا بالتشهي ولا هم مرتزقة هذا هو المفترض، فإذاً الجمهور ما زال لها وزنها ولكن الفرق فعلا بعض الأمور التي قال بها الجمهور قديما يمكن أن يكون الجمهور فيها على خلاف رأيهم في هذا الزمان، هذا هو المفترض.. فإذاً الجمهور قديما خاصة فيما له ارتباط في الظروف والسياقات هذا فعلا ينبغي دائما مراجعته.

عثمانعثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك بعض الناس يسعون خلف مصالحهم الخاصة، هل هناك من حدود وضوابط لهذا الإنسان الذي يسعى خلف مصلحته الخاصة أن يلتزم بها وأن ينضبط بها؟

أحمد الريسوني: السعي في المصلحة الخاصة سعي مشروع في الأصل بل الشريعة جاءت لتأذن للناس وترشدهم وتوجههم في جلب مصالحهم الخاصة هذا لا شك فيه وهذه هي الفطرة أيضا التي.. الإسلام دين الفطرة {.. فطرة الله التي فطر الناس عليها ..}[الروم:30]، فالناس يسعون لمصالحهم يؤثثون بيوتهم ينمون ثرواتهم هذا كله لا غبار عليه بل هو جزء من الشريعة وجزء من مقاصد الشريعة…

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن..

أحمد الريسوني (متابعا): لكن، طبعا ولكن التي تريد لعلها هي ما أريد، حينما يصبح هذا السعي في المصالح الفردية هادما لمصالح الجماعة والمجتمع أو ضارا حتى بالشخص نفسه أو ولده فالذي يتاجر في الخمر أو يصنعه ويبيعه لا شك أنه ساع في مصلحة نفسه من الناحية المالية، لكن إذا دخلنا في تقدير المسألة كل أبعادها وتداعياتها سنجد أن هذه كما ذكرت من قبل مصلحة ضئيلة تحيط بها مفاسد كبيرة فالإنسان إذا أصبح يفسد لجلب مصلحته يفسد غيره أو مجتمعه أو حتى نفسه ليجلب مصلحته أو يجلب مصلحة عاجلة ولكن في المآل ستؤول إلى كذا.. هذه هنا تدخلت أو يظلم غيره أو ما إلى ذلك وأما جلب المصالح من حيث الأصل هذا لازم.

عثمانعثمان: فضيلة الدكتور يعني كما ذكرتم من مقاصد الشريعة المحافظة على الكليات الخمس يعني الدين العقل النفس المال العرض، أيها نقدم في حالة حصل تعارض بين مصالح هذه الكليات؟

أحمد الريسوني: الجمهور والسواد الأعظم من العلماء وخاصة من الفقهاء والأصوليون الذين هم أصحاب الاختصاص في هذا الشأن متفقون على ثلاث مراتب لا خلاف لهم فيها الدين أولا والنفس ثانيا والمال خامسا هذا لا خلاف فيه، الاختلاف الذي وقع بين العلماء هو أيهما يُقدم العقل أو النسل، إذاً وإذا نظرنا إلى أن النسل والعقل كلاهما يمكن أن يندرج ضمن حفظ النفس لأن ما هو النسل هو حفظ النفس في مستقبلها ويعني آجل أمرها وحفظ العقل هو يعقل ضمنيا.. العقل له وجود مستقل ضمن هذه المصالح وإنما أبرز فقط لأهميته وإلا ليس للعقل كيان مستقل ينفصل بنفسه فهو داخل في.. إذا أخذنا هذا بعين الاعتبار صارت المصالح الكلية الكبرى الأساسية للأفراد والمجتمعات ثلاث الدين والنفس والمال، هذه كما قلت الجمهور الأعظم من العلماء على أن الدين أولا ولماذا الدين أولا؟ لأنه يعود بالحفظ على الأخرى.

عثمانعثمان: يعني هنا السؤال يعني الدين جاء لمصلحة الإنسان ولحفظ الإنسان، كيف أضحي بهذا الإنسان من أجل الدين؟

أحمد الريسوني: لا هو لا يقال تضحية بهذا الإنسان بهذه الكيفية ولكن قد يقع التضحية ببعض الأفراد مثلا أو ببعض المصالح الجزئية العائدة إلى حفظ الإنسان، نحن كما قلت يمكن أن نقول حتى بدون النظر والمقتضيات الدينية في جميع الأمم قد يُحتاج أحيانا لتضحيات لأجل الوطن ولأجل المصالح العليا للوطن فيضحى بمصالحهم وأحيانا بأرواحهم فهذا نفسه موجود في الدين قد يضحى لأجل الأمة ودينها وحمايتها ودرء المفاسد عنها قد نضحي قد نحتاج إلى تضحية..

عثمان عثمان (مقاطعا): في نصف دقيقة فضيلة الدكتور أو أكثر بقليل يعني، هناك مشكلة بين المسلمين يأكلون لحوم بعضهم البعض حتى على مستوى الدعاة وأهل العلم بالغيبة وإذا ما ذُكر الموضوع أو ذُكّروا بحرمتها يقولون إن هذا من باب المصلحة وتبيان العيوب واجتناب من هو فاسد، كيف نقيم الوضع هنا؟

أحمد الريسوني: في هذه المسألة مسألة الغيبة العلماء ضبطوا هذه المسألة بالكامل لأنه لا جديد فيها، هذه مسألة ليست خاصة بعصرنا أو بالمتأخرين هذه مسألة قديمة فطبعا الغيبة محرمة ومن الكبائر هذا لا شك فيه، فاستثنى العلماء حالات بعينها يضطر فيها الإنسان أن يقول وهي في الحقيقة حتى في عرف الناس لا تسمى غيبة، الإنسان يذهب مثلا إلى القاضي فيذكر خصمه بعيوبه ويشتكي منه هذه غيبة ولكن هذا أمر ضروري، فإذاً حالات الضرورة الضيقة المقدرة بقدرها وإلا فالغيبة تظل حراما في جميع الأحوال الأخرى.

عثمان عثمان: لا يسعني في ختام هذه الحلقة إلا أن أشكركم فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور طلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى