أصحاب و تلامذة الأستاذ الريسوني

رسالة لأصحاب وتلاميذ / أ. د. أحمد الريسوني

رسالة لأصحاب وتلاميذ أ. د. أحمد الريسوني

محمد بن الحبيب الدكالي

خبير في التنمية الدولية  4/3/2020

لا يمكن لمن يتتبع رسائل المنخرطين في حساب الواتساب الخاص بأصحاب وتلاميذ العلآمة سيدي احمد الريسوني إلا أن يسعد بالحماس الكبير الذي تعكسه تلك الرسائل، وحرصهم الشديد على الاعتناء بإنتاجه العلمي. ومع أن معظم المنخرطات والمنخرطين في الحساب هم من أصحاب الدراسات الشرعية بمستويات أكاديمية مختلفة، أصبحت المجموعة تضم كذلك نخبة من تخصصات علمية متنوعة، وأتمنى كذلك إغناءها بمجموعة من المهتمين من ذوي التكوين في فروع العلوم الإنسانية، فتكتمل بذلك الصورة الجماعية لهذا الرهط الكريم المتحمس، وتتقوّى الإسهامات بما يغني المخرجات المأمولة.

في نفس الوقت، لفت انتباهي كذلك وجود قناعة مشتركة لدى المنتسبات والمنتسبين بأن الهدف الأهم من هذا الحساب هو التعاون لمدارسة كتب د.أحمد الريسوني، وإغناء الفهومات بالمحتويات العلمية لكتبه، وبشكل خاص في مجالات علم المقاصد. ولاشك في أن هذا المقصد مهم جدا لما تمثله مدرسة صديقي الأعز سيدي أحمد، وهكذا تعودت أن أخاطبه منذ أن تعارفنا قبل خمسين عاما، من نقلة كبيرة في تشكيل العقل الفقهي المعاصر، سيما لدى الباحثين والدارسين الشباب في مجالات العلوم الدينية.

لكنني مقتنع بأن سيدي أحمد لم يكتب ما كتب ولم يحاضر فيما حاضر فيه كغاية في حد ذاتها، بل أحسب أن هدفه الرئيس كان هو التنوير العلمي بالضرورة القصوى للانتقال بالعقل الفقهي المسلم، من حالة اجترار ما خاض فيه الفقهاء والعلماء قبل عشرة قرون، وأشبعه المعاصرون تقليبا، إلى حالة اليقظة والتّنبّه إلى ضرورة الانكباب، بروح وعقل التجديد، لفهم واستيعاب مقاصد الوحي في سياقات الواقع المعاصر، ولإعمال الأدوات المنهجية التي يتيحها علم المقاصد لإعادة تنظيم الخريطة الذهنية للعقل الفقهي وهو حائر أمام المشكلات الخطيرة التي تعاني منها مجتمعات الأمة، ومحاولا إيجاد حلول وبدائل تتيح تنزيل مقاصد الشريعة على الأرض.

هذا هو المقصد الأهم الذي يرمي إليه سيدي أحمد من إنتاجه العلمي الغني. والمتأمل في سيرته، وقد حفلت بالكتابات والمحاضرات وبالفتاوى والآراء والمواقف، حول عدد كبير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، سيدرك أن الرجل يريد من النخب والخبراء والمشتغلين بالبحث العلمي الفقهي والناشطين، أن يعيدوا صياغة إدراكاتهم لقضايا الواقع وفقا للمقاصد العظمى للوحي، ولمكارم الأخلاق، في السعي الحثيث لتجديد أمر دين الأمة. وتجديد أمر دين الأمة ليس مصطلحا منغلقا في النظر النظري المجرّد، بل هو انخراط حقيقي في قضايا ومشكلات المجتمع، لجلب المصالح له ودرء المفاسد عنه: التربية، التعليم، الأسرة، الطفولة، الشباب، الفقر، البيئة، الفساد السياسي، الفساد المالي، تدبير مؤسسات الدولة، تدبير مصالح الأفراد والمجتمعات، الفن، الإعلام، الحرية، الكرامة، مناصرة قضايا الشعوب والمضطهدين، بناء علاقات التساكن المسالم وتبادل المصالح مع الآخر القريب والآخر البعيد، تبليغ رسالات الله لشعوب الأرض..إلخ، كل هذه القضايا والمشكلات تحتاج إلى معالجات عميقة.

إذا، ما هي علاقة علم المقاصد بهذا كله وغيره؟ وما هي أدواره في ترشيد عقل وقلب المسلم المعاصر، بمرجعية الوحي، نحو السعي العملي التطبيقي، بالمجاهدات المكثفة المتصاعدة، لإعادة بناء مجتمعاتنا وفقالمقاصد الوحي بمراتبها المختلفة، وفي المجالات المعيّنة المذكورة، ومعالجة الأدواء الخطيرة التي تنخر فينا حتى العظم؟ هذه مسؤوليات ثقيلة مشتركة يتحملها الجميع، وكلّ له دوره ونصيبه من المسؤولية، وقد بيّن رسول الله (ص) بوضوح تام أنه       ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..”

فإلى جانب أدوار ومسؤوليات الحكومات، هناك مسؤوليات العناصر الحيّة في المجتمع، بل مسؤولية هؤلاء هي الأعظم والأهم، ولأمر ما أكد الوحي على “يا أيها الذين آمنوا”، فأناط بهم، بصريح وبليغ عشرات الآيات، أمانة ومسؤوليات الإصلاح بمعانيها العميقة والشاملة كما هو واضح في النسق الكليّ الشامل للوحي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما مجهدات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه الذين آمنوا، طيلة سنوات البعثة، سوى نماذج لا تحصى للقيام بأمانات ومسؤوليات تنزيل مقاصد الوحي في الواقع، يوم لم هناك كيان إسمه الدولة.

لقد فتح علم المقاصد الباب واسعا كونه نقطة انطلاق مركزية لإعادة رسم الخريطة الذهنية للمسلم المعاصر وهو يواجه معضلات تاريخية لم يعرفها المسلمون من قبل، لأنها، ببساطة، تتعلق بمرحلة تاريخية جديدة لا عهد لنا بها من قبل، تطرح قضايا كبيرة ومعقدة تتطلب التعامل معها بعقل وأدوات علميين، لا ينفع معها التّمترس والاختباء وراء مقولات أو شعارات إيديولوجية لا فائدة منها.

“مقاصد المقاصد”

أستعير من سيدي أحمد عنوان كتابه هذا، وهو وإن كان صغيرا في حجمه، لكنه نفيس جدا وأحسبه أهم ما أنتجه العقل المسلم المعاصر، لأوضح جوهر رسالتي هذه. لقد وضّح بالنظر العميق في المسألة المقاصدية فبيّن، حفظه الله، بأوضح بيان، مقاصد المقاصد في القرأن والسنة، وفي الفقه والاجتهاد، ثم خلص إلى مجالات الجوانب التطبيقية. إقرأوا إن شئتم ما انتهى إليه من هذه الخلاصات النفيسة:

..”وفكرة « العلم لأجل العلم » غير مرحب بها في دائرة العلوم الشرعية، بل هي دخيلة عليها ومجرد عبء ثقيل على طالبها”.

..”فالعلم – أي علم –  إنما هو إنتاج العمل وتقويمه، ولذلك قالوا: العلم إمام العمل. فعلم ليس وراءه عمل إنما هو عطالة ومضيعة للوقت…”. (ص60)

ثم يكثّف مسألة العمل والتطبيق في عنوانين رئيسيين: المقاصد وترشيد السياسة الشرعية، والمقاصد وترقية التدين لعموم المكلفين. ثم قال:

 “أعني بالسياسة الشرعية، كل اجتهاد أو عمل يتعلق بتدبير الشؤون العامة للناس، ويرمي إلى جلب المصالح لهم أو تكثيرها، ودرء المفاسد عنهم أو تقليلها.

والسياسة الشرعية تشمل -في مقدمة ما تشمله- الوظائف والمجالات الآتية:

  • وضع الضوابط المنظمة لتولي الحكم وممارسته، بنا ًء على قاعدة (وأمرهم شورى بينهم).
  • اختيار ولاةالأمور وبناء المؤسسات العامة، وفق ما تتطلبهالمصلحة وتقتضيه القواعد المعتمدة لذلك.
  • اعتماد الأنظمة والتدابير والصيغ التنفيذية لأحكام الشريعة.
  • اعتماد التشريعات الاجتهادية الإلزامية في مختلف مجالات الحياة.
  • إقامة فروض الكفايات وما تتطلبه، كالتعليم والصحة والقضاء والحسبة والجهاد.
  • إقامة النظام القضائي.
  • حفظ الأمن الداخلي.
  • إقامة المصالح الاقتصادية والخدمات الاجتماعية.
  • تدبير السياسات والعلاقات الخارجية “.

” وإذا تأملنا هذه الوظائف والمجالات وما يندرج فيها، وما تتطلبه من تدبير وتسيير، وجدناها محكومة بسمتين بارزتين هما:

1. اعتمادها الواسع على الرأي والتجربة والملائمة المرنة للظروف المتغيرة

2- قيامها على جلب المصالح ودرء المفاسد.”

” وإن من المنارات الهادية للسياسي المسلم أن يتساءل ويجيب عند كل خطوة يريد الإقدام عليها: ماذا وكم سأحقق بها من مقاصد الشرع؟ وأن يتساءل ويجيب عند كل خطوة قام بإنجازها: ماذا وكم حققت بها من مقاصد الشرع؟ “. (ص62)

 وهنا يطرح سؤال التحدي: ما هي الواجبات والمسؤوليات عندما تكون هذه المجالات موبوءة بالمفاسد التي تفوّت المصالح العظيمة على المجتمع؟

هناك جواب واحد فقط، وهو ضرورة الانخراط الفعلي، على الأرض، لإصلاح أوضاع المجتمع والدولة، في المجالات التي عدّها وحدّدها سيدي احمد، وفي غيرها،بالانطلاق من مرجعية الإيمان، بمعانيه العميقة الشاملة، ومكارم الأخلاق، والمقاصد العظمى التي وجّه إليها الوحي، وليس شيئا آخر.

علم المقاصد، من الدراسات النظرية إلى الدراسات التطبيقية

في الحقيقة، أعتقد أن علم المقاصد هو علوم وليس علما واحدا. فمن جهة، المقاصد مراتب وهذا مما قرره العلماء الأعلام: فهناك المقاصد الكلية العامة التي قرّرها الوحي، كتوحيد الله وعبادته سبحانه، والرحمة، والقسط، والشورى، والشهادة على الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحض على الحياة الكريمة للفقراء، والحرية ومنها حرية الاعتقاد، والتّعارفيةوالتّساكن المسالم مع شعوب الأرض، وتبليع رسالات الله لشعوب الأرض، ومناصرة المستضعفين ومن يأمرون بالقسط من الناس، وغيرها من أمهات المقاصد التي وجه إليها الوحي. وهناك المقاصد العملية كما سمّاها سيدي احمد في كتابه (مقاصد المقاصد) كما سلف آنفان وهذا مستوى علمي ثان في علم المقاصد. وهناك مستويات أخرى من المقاصد تتفرع عن المقاصد الكلية العامة والمقاصد العملية، أي ما يندرج تحت كل مقصد من المقاصد الكلية العامة والمقاصد العملية من مقاصد فرعية، بحيث لا يمكن تحقيق الأولى ولا الثانية من مستويات المقاصد إلا بتحقيق مستويات ثالثة أدنى لكل مقصد كلي عام ولكل مقصد عملي، ويمكن تسميتها بالمقاصد التنفيذية، وهذا، في تقديري مستوى ثالث من أبواب علم المقاصد. إذا نحن أمام علوم للمقاصد وليس علما واحدا..

ولا يمكن ولا يعقل تحقيق المقاصد الكلية العامة ولا العملية، هكذا بالارتجال، بل تثبت تجارب لا تحصى، في واقعنا المعاصر، أن طبيعة ومستويات المقاصد التنفيذية هذه واسعة جدا ومعقدة بمعنى معيّن، وهنا مكمن التحدي الكبير الذي يواجهه العقل الفقهي المعاصر. وهنا أسارع لأقول، أن هذه المهمة الكبيرة والمعقدة، لا تقع على عاتق المتخصصين في العلوم الإسلامية فقط، بل تهمّ كل النخب، خاصة الخبراء، والمؤسسات المتخصصة.

ولا يتعلق الأمر في هذا المجال المعيّن بالعودة إلى الإرث الفقهي لتحديد وصياغة المقاصد التنفيذية لكل مقصد كلي عام ولكل مقصد عمليمن تلك التي أوردها سيدي احمد تحت عنوان “السياسة الشرعية”، وإن كان هذا المصطلح يبقى عنوانا عاما، فهذا سيكون ضربا من العبث ومضيعة للوقت، لسبب بسيط وهو أن المقاصد العملية التي ذكرها سيدي احمد، قد عرّفها وصاغها من واقع السياقات التي تعيشها بلداننا والأمة والعالم أجمع، وما قصده بضوابط تولي الحكم وممارسته وتعيين المسؤولين الكبار في الدولة وقادة المؤسسات وأنظمة تدبير السياسات والمؤسسات وتصميم الاستراتيجيات وأنظمة التربية والتعليم والصحة العامة وصحة الأفراد والسياسات الاقتصادية .. وصولا إلى تدبير السياسات والعلاقات الخارجية، هي مجالات تحكمها أسس وقواعد وآليات جديدة تماما ولا عهد للفقه الإسلامي بها إلا في مستويات معينة وفي حدود ضيقة، وهذا موضوع يحتاج إلى مناقشة وبيان.

لقد آن الأوان لينكب الباحثون المتخصصون في علم المقاصدللشروع في بحث كيفية إسهام هذا العلم في تنزيلها، في واقع المجتمع والدولة، بمراتبها ومستوياتها ومجالاتها. ثم هناك موضوع كبير آخر يستلزم الاهتمام به والعناية الفائقة، وهو موضوع المستقبل، أي مستقبل مصالح الأفراد والمجتمع والدولة. مع شديد الأسف، هذا موضوع يدخل في صلب المقاصد وجلب المصالح ودرء المفاسد، لكنه غائب تماما من دوائر الإدراك بله الاهتمام، وإنه لأمر يدعو للتعجب والحزن. كل هذه القضايا والإشكالات، لعلوم المقاصد فيها مساحات واسعة للإسهام والعمل، عبر رؤى جديدة للنظر والبحث والمساهمات، وقد صار لزاما إخراج اهتمامات العقل الفقهي المعاصر، من الغيبة فيما مضى من القرون والحلول فيها، إلى تجديد جريء يمخر بحار العلم والعقل والاعتبار بالتجارب غير هيّاب. 

أقترح أخيرا، لهذا الغرض، تنظيم مؤتمر ولربما مؤتمرات علمية، لمدارسة المقاربات التي تساعد العقل المسلم وليس الفقهي فقط، على الخروج من الدوائر المفرغة، وتضعه على سكة تجديد أمر دين مجتمعاتنا ومصالحها، حقّا، الآن ومستقبلا، بالمعاني العميقة واللاحبة التي وجّه إليها الوحي.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى