ومضات

مهاتير قائد عظيم، وعزله قرار حكيم

ومضات
مهاتير قائد عظيم، وعزله قرار حكيم
منذ بضعة أشهر قام الحزب الجديد الذي أسسه الزعيم التاريخي لماليزيا، الدكتور محمد مهاتير – وهو (حزب السكان الأصليين المتحد) – قام بعزل مؤسسه وزعيمه مهاتير من رئاسة الحزب، كما تمكن من تنحيته من رئاسة الوزراء، في تحالف حزبي جديد..
المعجبون بالزعيم مهاتير، لا يعجبهم هذا التعامل مع زعيم وطني وزعيم إسلامي كبير، هو مهندس نهضة ماليزيا وقائدُها.
لكني، وأنا من أشد المعجبين بمهاتير المقدرين لإنجازاته التي أدخلت ماليزيا إلى التاريخ المجيد، معجب كذلك بهذه الجرأة والقدرة على عزله وتنحيته، وهو متربع على رأس السلط الثلاث: السلطة الحكومية، والسلطة الحزبية، والسلطة الشعبية.
الزعماء الكبار والقادة العظام، الصالحون المصلحون، قلما يجود الزمان بأحد منهم، حتى قائل الشاعر عن أحد هؤلاء:
حلف الزمان ليأتينَّ بمثله … حنثت بيمنك يا زمانُ فكـفِّرِ
ولكن هؤلاء الزعماء الأفذاذَ بشر من البشر، لهم نقائصهم ومواطن ضعفهم، ولهم قابليتهم للإصابة بالآفات والأمراض النفسية، تماما مثلما هو حال الأبدان. بل إن النجاحات المتواصلة للزعماء والعظماء قد تكون هي نفسها سببا لبعض الأمراض التي تصيبهم.. وكذلك طول بقائهم في مواقع الحكم ومراكز السلطان. وفي مقدمة هذه الأمراض مرض الشبق بالمنصب وإدمانِ التمسك به، سواء مع النجاح فيه، أو حتى مع الفشل التام فيه.
ولقد رأينا وما زلنا نرى – في ساحتنا العربية والإسلامية – ملوكا ورؤساء وزعماء دينيين وسياسيين، مكثوا في كراسي الحكم والرئاسة حتى مَلَّـتْـهم الكراسي وضاقت بهم ذرعا، وحتى بلغ المرض ببعضهم درجات أصبحوا معها مهازلَ ونماذجَ مخزيةً في التمسك بالمنصب والعبودية له.. لم يتعظوا لا بأرذل العمر الذي أحاط بهم، ولا بالأمراض التي تنخر أجسادهم طولا وعرضا، ولا بالعجز الذي شلَّ أيديهم وعقولهم، ولا بالمنية التي أنشبت أظفارها في أطرافهم وأعماقهم..، فيا حسرة على العباد، وياحسرة على العرب والمسلمين!
وهنا يجدر بنا أن نستحضر ذلك الدرس المليء بالدروس، حيث بدأ الخليفة عمر خلافته بقرار خطير مذهل، وهو عزل أعظم القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي، القائد العام للجيوش الإسلامية، سيف الله المسلول، خالد بن الوليد.. وتوليةُ أبي عبيدة مكانه.. رضي الله عنهم أجمعين.
وهاكم درسا آخر، مليئا بالدروس أيضا، وهو غني عن أي تعليق مني..
لما أراد أبو بكر رضي الله عنه أن يسند إلى أميره وقائده أبي عبيدة رضي الله عنه مأمورية عسكرية إضافية، “دعاه، فأتاه فسلم عليه ثم جلس. فمكث أبو بكر مليا لا يكلمه، فظن أبو عبيدة أنه همَّ بعزله كما عزل خالد بن سعيد وهو يستحي أن يستقبله به، فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنا لا نصلح لكم ولا نحبكم ولا ننصحكم إلا بأن تولُّونا، فلسنا بإخوان في الله، وإن كنا لا نجاهد في سبيل الله ولا نقاتل أعداء الله إلا أن نكون أمراءَ رؤساء، فلسنا اللـهَ نريد بجهادنا، وإنما ننوي به إذاً الفخـرَ في الدنيا. إني أطلب إليك أن تعزلني عن هذا الجند وتوليَ عليه من أحببت، وأنا أخرج معه فأشير عليه برأيي، وأنصحه جهدي، وأواسي المسلمين بنفسي. فقال أبو بكر: سبحان الله يا أبا عبيدة! أظننتَ أنك ممن نتهمه، أو ممن نبتغي به بدلا، أو ممن نتخوف أن يأتـيَ المسلمين من قِـبَله وهنٌ أو خلاف أو فساد؟ معاذ الله أن تكون من أولئك”. – عن (الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء) لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي (3/ 117)
أحمد الريسوني 30/5/2020

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى