أبحاثأبحاث فقهية

إمامة المتغلب بين نظرية الوكالة ونظرية الولاية

من أمثلة المراجعات الضرورية المحتاجة إلى الحسم – لكونها ذاتَ أهمية تأسيسية في فقهنا السياسي – مسألة طبيعة سلطة الحاكم ومصدرها، بمعنى: هل الحاكم حين يتمكن من السلطة ويمارس الحكم على الأمة، هل يتولى ذلك بمقتضى الوكالة أم بمقتضى الولاية؟ بعبارة أخرى: هل ولايته نابعة منه وهي حق من حقوقه، أو هي نابعة من الأمة التي توليه وتوكله عنها؟ وبناء عليه: هل الحاكم يكون وكيلا عن الناس بتوكيلهم، أم هو ولي عليهم بولايته المستحقة له عليهم؟

أما نظرية الوكالة فتقول: إن الحاكم وكيل عن الأمة، فهي التي توكله وتوليه مباشرة أو بواسطة أهل الحل والعقد. وهو يستمد مشروعيته في الحكم وصلاحياته فيه ممن وكلوه، أي من الأمة.

وأما نظرية الولاية، فمؤداها أن الحاكم يحكم بمقتضى الولاية المستحقة له عند توليه الحكم، فولايته كولاية الأب على أبنائه القاصرين، فمتى كان أباً لهم فهو ولي عليهم، ومثل ذلك أيضا ولاية الوصي على من هم تحت وصايته، فهو وصي عنهم وولي عليهم دون اعتبار لإرادتهم ورضاهم وقبولهم أو رفضهم.

ومما لا شك فيه أن القول بتوكيل الحاكم، هو الأصل الأصيل البين في القرآن والسنة وعملِ الصحابة. فهو مقتضى قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم). وهو المقتضَى الحتمي لفكرة البيعة، التي تعني الاختيار والتعاقد الطوعي. وهو ما سار عليه الصحابة وطبقوه في كل فترات الخلافة الراشدة. وهو مقتضى العقل والفطرة والبداهة والمصلحة. وهو الذي عليه جماعة أهل العلم ممن يعتد بهم قديما وحديثا. قال العلامة ابن عاشور: “ولم يقل أحد من علماء الإسلام إن الخليفة يستمد قوته من الله تعالى، وإنما أطبقت كلمتهم على أن الخلافة لا تنعقد إلا بأحد أمرين: إما البيعة من أهل الحل والعقد من الأمة، وإما بالعهد ممن بايعته الأمة، لمن يراه صالحا. ولا يخفى أن كُلّا من الطريقين راجع للأمة؛ لأن وكيل الوكيل وكيل… ولا خلاف أن حكم الخليفة حكمُ الوكيل، إلا في امتناع العزل بدون سبب من الأسباب المبينة في مواضعها من كتب الفقه وأصول الدين”[1]

ويبنى على هذا الأصل أن ولاية الحاكم وسلطته إنما تأتي وتستمد شرعيتها من توكيل الأمة وتفويضها، وأن الموكِّل له أن يقيد سلطة الوكيل وصلاحياته، وله أن ينهي وكالته ويسحبها من الوكيل، وله أن يجعلها إلى أجل مسمى. كما أن للوكيل أن يعزل نفسه ويستقيل من وكالته. ولهذا سموا الإمامة والخلافة عقدا، وسموا القائمين بها أهلَ الحل والعقد. وأهم ما يعقده هؤلاء هو عقد الإمامة، وأهم ما يحلونه هو عقد الإمامة. قال إمام الحرمين الجويني: “فإن قيل: فمن يخلعه (أي الإمام)؟ قلنا: الخلعُ إلى من إليه العقدُ”[2].

وأما نظرية القول بالولاية الإلزامية القائمة من طرف واحد، وأنْ ليس للطرف الآخر إلا أن يذعن ويطيع… فقد حاول بعض المتأخرين – فقهيا وزمنيا – تخريجَها تخريجا متكلفا غريبا، فقاسوا واعتبروا ولاية الخليفة على الأمة كولاية الأب على أبنائه القاصرين[3]!! ولكن الحقيقة هي أن هذه النظرية دخيلة طارئة على الثقافة الإسلامية والفقه الإسلامي، وليس لها من سند سوى الأمر الواقع وضغطه وإيحائه، وإن كانت تتماشى مع مذهب الشيعة في الإمامة، وتتماشى أكثر مع نظرية الحكم الثيوقراطي، الذي يستمد أصحابه سلطتهم وصلاحياتهم – بزعمهم – من الله تعالى.

المهم أن الاتكاء على هذه النظرية فتح الباب واسعا لشرعنة إمامة المتغلب وسلطتِه المطلقة، حتى جُعلت مساوية للولاية الشرعية القائمة على الشورى والتعاقد الرضائي، بل حتى تفوقت عليها بعدة أمور، منها استحالة العزل عند أصحاب نظرية الولاية؛ لأن الأب لا يمكن أن يعزل نفسه ولا أن يعزله أحد عن ولايته على أبنائه، فهو وليهم مدى الحياة، فكذلك ولاية السلطان، بينما الولاية الشورية الشرعية يمكن فيها العزل كما أشرت قريبا. فمن له العقد له الخلع. وبفضل نظرية الولاية هذه أتت على المسلمين عهود كثيرة وليس فيهم سوى الحكام المتغلبين.

          فالحاصل أن إمامة المتغلب في الأصل ولاية باطلة، وهي إذا لم يكن لها إلا غلبة القوة والسلاح، لا تعدو أن تكون نوعا من أنواع الغصب والقرصنة.

لكنْ هناك أسباب وسياقات وظروف هي التي جعلت الفقهاء يتعاملون مع إمامة المتغلب ويعترفون لها بنوع من القبول والإقرار، أذكر منها:

  1. قد يأتي هذا المتغلب بعد أن يسود التفكك والوهن الدولةَ القائمة، وتكون قد دخلت أو بدأت تدخل في مرحلة الفوضى والتسيب، مع التعرض للخطر الخارجي بسبب ذلك. فحينئذ يكون المتغلب الذي يخرج البلاد من هذه الوضعية صاحب نجدة وإنقاذ، ولا بديل عنه.
  2. وقد يأتي المتغلب ليزيح حاكما (أو نظامَ حكم) بالغ في المظالم والمفاسد والدماء، وأصبح حكمه ظلمات بعضها فوق بعض، حتى ضج الناس منه وضاقوا به ذرعا. فيأتي المتغلب بتنحية الظلَمة ورفع المظالم، وتغيير المنكرات، وحفظ الحقوق والحرمات.
  3. وقد يأتي تغلب المتغلب بعد انقسام واقتتال داخلي بين طرفين آخرين أو أطراف أخرى، وقد يكون هو طرفا في ذلك الانقسام والاقتتال. فيرى الفقهاء ويرى الناس جميعا ألا حل ولا مخرج إلا بتغلب أحد أطراف الصراع وحسم المعركة لصالحه، فيرحبون بالمتغلب أيا كان، لكون تغلبه يضع حدا للحرب الأهلية وما فيها من معاناة.
  4. وفي معظم هذه الأحوال، فإن المتغلب عادة ما تكون له قاعدة شعبية مناصِرة (أي: له شوكة بتعبير الفقهاء، أو عصبية بتعبير ابن خلدون). وهذا في حد ذاته يعطيه قدرا من الشرعية، تضاف إلى ما سبق ذكره.

وهذا إنما ينطبق على متغلبي أيام زمان، حيث كان الزعيم المتغلب يربح المعركة بقوة أنصاره وعددهم وعدتهم ومدى تضحيتهم… أما اليوم فكثير من حكامنا المتغلبين، إنما تغلبوا على شعوبهم وعلى خصومهم بالقوة الخارجية والدعم الخارجي؛ فهذا سنده أمريكا، وذاك سنده روسيا، والآخر صنعته فرنسا …

وعموما فالفقهاء الذين تعاملوا مع إمامة المتغلب، لا ينظرون إلى “التغلب” على أنه في ذاته يعطي شرعية الاستيلاء على الحكم، أو شرعية البقاء فيه، ولكنهم يعتبرونه حلا اضطراريا، والضرورة تقدر بقدرها. كما أنهم يقبلون به حين يكون مجيئه أو بقاؤه هو أهون الشرين وأخفُّ الضررين.

فإذ لم يكن شيء من هذه الأسباب، فلا شرعية لمتغلب البتة. وأما إذا انقلب هو نفسه ظالما مفسدا، فاجرا متجبرا، وأصبح السواد الأعظم من الناس كارهين له ولبقائه، راغبين في غيره، فقد انتهت شرعيته بجميع المعاني، ولم يبق له إلا الغصب والعدوان، وإذاً: فكما تدين تدان.

فموقف الفقهاء الذين يجيزون إمامة المتغلب الذي استتب له الأمر، شبيه بموقفهم من عقد النكاح الفاسد، وهو العقد الذي نقص أو اختل فيه أحد الشروط، كالصداق أو الإشهاد. فحكم هذا النكاح أنه لا شرعية له ابتداء، فيفسخ قبل الدخول وينتهي، ولكنهم بعد الدخول يُصحِّحونه فيمضي ويُعترف بآثاره ونتائجه. وهكذا أيضا شأن البيع الفاسد إذا فات المبيعُ وتغيرت حاله… وكل هذا قائم على اعتبارات وموازنات مصلحية لا تخفى. فهكذا استيلاء الزعيم المتغلب على الحكم؛ فهذا الاستيلاء ممنوع وباطل ابتداء، لكن إذا وقع ذلك واستتب الأمر للمستولي، اختلفت الحسابات والموازنات…

فمن جهة: هناك ما لَه من أنصار ومؤيدين يعطونه شعبية ما وشرعية ما، وهناك نجاحه في الغلبة وحسمِ النزاع، وهناك الحياة الطبيعية التي انتظمت في ظل حكمه، وهناك ما قد يكون له من مزايا وإيجابيات أعانته على التمكن وأغْرَتِ الناس بتأييده أو السكوت عليه.

وبالمقابل: لو لم يسلَّم الأمر للمتغلب ولم يُعترف به، فسيبقى الباب مفتوحا على مزيد من النزاع والقتال والفوضى، وهناك احتمال أن يأتي – أو يعود – في النهاية من هو مثله أو أسوأ منه.

فهذا هو منطق الفقهاء وهذه هي موازناتهم المصلحية في قضية إمامة المتغلب وسبب اعترافهم بشرعيتها إذا استتبت وسلم الناس بها.

ولكن إذا آل حكم المتغلب نفسه إلى فساد وظلم، وقام الناس عليه، سقط ما له من شرعية، فوجب انعزاله أو عزله. لأن العزل يمكن أن يقع حتى لمن ولي الأمر بحقه وأتاه من بابه، فكيف بمن تولى بالغلبة والقهر، ثم آل أمره إلى الفساد والبغي؟

قال القرطبي: “الإمام إذا نُصب ثم فَسَق بعد انبرام العقد، فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويُخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره. وما فيه من الفسق يُقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها.

فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يُعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله”[4].

          على أننا اليوم في زمن يتيح لنا – بتجاربه وتطوراته ووسائله – الخروجَ بصفة كاملة ونهائية من عهود الحكام المتغلبين. فالشائع الآن في معظم دول العالم ودساتيره أن الحاكم يُنتخب بطريقة ما من الطرق المتعارف عليها، ويكون انتخابه من بين عدة مرشحين، ويتولى الحكم لفترة معينة، وعلى أساس التزامات دستورية وسياسية معينة. ثم يمكن أن يعاد انتخابه مرة أخرى وألا يعاد. ويمكن لكل بلد أن يتبنى الاختيار الذي يضع حدا أقصى لفترة الرئاسة لأي رئيس ينتخب (كولايتين من عشر سنوات، أو اثنتي عشرة سنة مثلا).

 ومما تتضمنه الدساتير أيضا: التنصيص على طريقة إقالة الحاكم ونقل سلطته سلميا إلى غيره، في حالات العجز أو الانحراف أو ارتكاب الأخطاء الجسيمة… وهكذا تمكَّن الشعوب ومؤسساتها من حق إخراج الحاكم من منصبه، بدل الخروج عليه. يخرج الحاكم بسلام له ولشعبه. ننحن للأسف ما زالت معظم دولنا لا يأتي حكامها إلا بواسطة القتل، ولا يبقَوْن إلا بالقتل، ولا يذهبون بالقتل أو الموت. وما زال عندنا حكام شعارهم: أحكمكم أو أقتلكم.


[1] – نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم لبن عاشور، ص 5-6 – ملحق بكتاب (الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق – سلسلة كتاب الدوحة – نشر وزارة الثقافة القطرية.

[2] – الغياثي ص58

[3] – انظر في ذلك  كتاب: تحرير الإنسان وتجريد الطغيان، للدكتور حاكم المطيري، ص637 – ط1/2009 

[4] – تفسير القرطبي (1 / 271)

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى