أبحاثأبحاث فقهية

سرقة الثورات وسد الثغرات..

سرقة الثورات وسد الثغرات..

          مما كثر الحديث عنه في سياق الثورات العربية الجارية، مسألة “سرقة الثورة” أو “اختطاف الثورة” أو “الركوب على الثورة”…      

ويقصد عادة بسرقة الثورة أو اختطافها: أن تتمكن جهة ما، غيرُ التي أنجزت الثورة، من التحكم فيها وتحريف مسارها وأهدافها، وفق ما ترومه مخططات تلك الجهة.

  • وسرقة الثورة قد تكون عملية داخلية صرفة (أي من داخل البلد وأهله)، وقد تكون داخلية معززة  بدعم خارجي، وقد تكون خارجية بعناصر وأدوات داخلية.
  • وقد يكون الهدف من هذه “السرقة” هو فقط إحباط الأهداف التي قامت الثورة لأجلها، وإجهاضها قبل اكتمال تحققها.
  • وقد تأتي السرقة من جهة لها أطماعها وتطلعاتها (الفردية أو الحزبية أو الطائفية)، فتقفز هذه الجهة إلى طليعة الثورة وتُـمسك بمقودها، لتحقيق ما تصبو إليه من تطلعات وأهداف.
  • وقد يشارك في “سرقة الثورة” أو يساعد عليها، بعضُ من صنعوها أنفسهم، انتقاما من خصومهم، أو نكوصا على أعقابهم.

ومن الأساليب المعهودة في سرقة الثورات:

  1. تنظيم الانقلابات العسكرية. وقد يبدأ الانقلاب العسكري بتبني شعارات الثورة نفسها، ثم يسير إلى التملص منها شيئا فشيئا، كلما استتب له الوضع.
  2. تحريك الانقلابات السياسية المدنية، وذلك من خلال جماعات وتنظيمات موالية، يجري تدعيمها وتسمينها وتمكينها من البروز والتصدر وقلب مجريات الأحداث…
  3. استباق الثورة واستعجال سيرها قبل اكتمالها، بمبادرات وأنصاف حلول تأتي ببعض ثمارها، بدل تركها تمضي إلى نهايتها. وسرقة الثورة هنا عادة ما تكون من بعض قادتها، أو من بعض أطرافها، بغية الانفراد وإقصاء قيادات أو أطراف أخرى في الثورة.
  4. اختراق الجماعات والتنظيمات المؤثرة في صنع الثورة وقيادتها. وذلك أن الدول الغربية الكبرى، عادة ما تسعى إلى أن يكون لها “أصدقاء ومتعاونون”، داخل الأحزاب والتنظيمات المعارضة وغير المعارضة، سواء كانت سرية أو علنية. وسواء كان هؤلاء المتعاونون عبارة عن عملاء استخبارات يقومون بوظيفتهم ومتطلبات مهنتهم، أو كانوا من الذين يتم استدراجهم وكسب ودهم، واستمالتهم شيئا فشيئا إلى الحوار والتفاهم والتعاون…، فإنهم – كلهم أو بعضهم – يمكن أن يوجَّهوا ويدَعَّموا ويـُمَكَّنوا من تغيير المسار. وهذا الأمر صعب بعيد المنال، ولكنه يصبح أقرب في حالات الاضطراب والارتباك والخوف من المستقبل. وهو ما قد يقع في بعض الثورات. 

وفي جميع الحالات، فإن سرقة الثورات تحتاج غالبا إلى تأزيم الحالة، وتهييئ ظروف التوتر والفوضى والخوف، وتأجيجِ الخلاف والانقسام في المجتمع وقواه السياسية المؤثرة، بما فيها قوى الثورة. بعبارة أخرى: سرقة الثورة هي نوع من الاصطياد في الماء العكر، فلا بد إذاً من تعكير المياه قبل القيام بعملية السطو على أي ثورة واصطيادها …

ولعل أقرب الأمثلة التاريخية على هذا النوع من السرقات السياسية التاريخية، ما وقع في البلدان العربية والإسلامية التي كانت تحت الاحتلال الأوروبي لعشرات السنين من القرن الماضي، ثم كافحت شعوبها وحركاتها الجهادية، بقيادة العلماء والزعماء المخلصين. فلما نضجت ظروف الاستقلال وخروج المحتلين، بفضل المقاومة الجهادية الإسلامية، عملت الدول الاستعمارية على ترتيب الأمور، ليتم تسليم الحكم إلى من تريدهم وترضاهم من التنظيمات والشخصيات، والحيلولة دون توليه من قِبَلِ المجاهدين المخلصين، الذين لا تَقبل بتوجهاتِهم الإسلامية ومواقفهم القومية. وذلك ما تم فعلا…

فهل هذه الثورات والتحولات العربية الجارية اليوم، هي أيضا عرضة للاختلاس والإجهاض، والسلب والنهب؟

من حيث المبدأ نعم، هذا وارد، ولا بد من اليقظة والحيطة والحذر. ولا بد من سد الثغرات التي يتسلل منها سُرَّاق الثورات، وهي ثلاث:

الثغرة الأولى: غفلة الشعوب وعودتها إلى الاستقالة والاستكانة. وهذه كبرى الثغرات وأخطرها، حيث تحس الجماهير أنها قد أنجزت ثورتها وحققت بغيتها، فتعود إلى همومها اليومية الفردية والعائلية والمهنية. ومع تراجع اليقظة الشعبية وتراخي الروح الثورية الضاغطة، تنفتح من جديد أبواب الانحراف والاستبداد والانقلاب على إرادة الشعب وأهداف الثورة.

والضمانة الكبرى التي تسد هذه الثغرة  وتحمي الثورة من السرقة والتحريف والتلاعب، هي دوام يقظة الشعوب وفاعليتها. وهذه اليقظة لا تكتمل ولا تصمد إلا بأن تنخرط فيها وفي إذكائها طلائع المجتمع؛ من علماء ودعاة وإعلاميين ومفكرين.

وهذه الضمانة نراها – بحمد الله تعالى – متحققة في الحالة الراهنة، حيث يبدو واضحا أننا اليوم أمام درجة غير مسبوقة من الوعي واليقظة المتجددة للشعوب العربية في حَراكها وفاعليتها، وفي تعبئتها وشجاعتها. والأمة – بسوادها الأعظم – إن اجتمعت على أمر، فإنها لا تجتمع على ضلالة، بخلاف الأفراد والفئات، فإنهم عرضة للانحراف والخلل والزلل.

 ومن طريف ما سمعته وأنا أكتب هذه الصفحات، جوابُ مواطن مصري حين سئل عشية المرحلة الثالثة من الانتخابات البرلمانية[1]. فقد سأله مراسل إحدى القنوات: على من ستصوت غدا؟ فأجاب: على الذين نرى أنهم سيخدمون البلد، وإذا لم يفعلوا فالميدان ما زال موجودا. هذا مع العلم أن صاحب هذا الجواب لم يكن من أهل القاهرة، ولا يعني بالضرورة ميدان التحرير في القاهرة، وإنما ميدان التحرير صار كناية عن كل حراك شعبي وتعبئة شعبية ضد الظلم الفساد والاستبداد.

فما دام الناس على هذه اليقظة وهذا التأهب، فلن تسرق ثورتهم، ولن تُغلب إرادتهم.

الثغرة الثانية: التصارع والتصدع بين قوى الثورة وقياداتها. فكلما اشتد الخلاف وطال الصراع بين القوى والقيادات الشعبية، ولم يتوافقوا على ما يلزم من المبادئ والقواعد الخلقية والتنظيمية للتعايش والتعاون والتدبير السلمي المتحضر للخلاف، فإن ذلك يفتح الباب للمتربصين والمغامرين والمصطادين في الماء العكر، ويسهل لهم عملية الانقضاض…

الثغرة الثالثة: التغلغل والاختراق الأجنبي. والمقصود هنا بالاختراق الأجنبي، ما جاء في الحديث الشريف (… قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟). فليس هناك اليوم قطر عربي، إلا وفيه حضور أجنبي واختراق أجنبي، ظاهر وخفي معا. فهذا النفوذ الأجنبي لو ترك يتغلغل ويتضخم  ويتحرك بحرية في أي بلد، دون حصره وكبح جماحه، ودون فضحه وفضح المتعاونين المحليين معه، فإنه لن يرقب في البلد وأهله إِلاًّ ولا ذمة. وقد يصل إلى حد تدبير المؤامرات والانقلابات ضد الشعوب ومصالحها وإرادتها، ومن ذلك تدبير المؤامرات لسرقة ثوراتها وتضحياتها.

تنبيه لا بد منه..

     وهو أن مصطلح “سرقة الثورة” – ومثله مصطلح “الركوب على الثورة” – قد يستعمل أحيانا لمجرد الاتهام والتشكيك والتبخيس لبعض القوى الصاعدة التي انطلقت من عقالها، وذلك في سياق التنافس السياسي بين بعض الأحزاب والتيارات. فلا  ينبغي الاستسلام للاتهامات المتجنية، الرامية إلى إعادة نهج الاستئثار والإقصاء.

فالثورات إنما تأتي أساسا لتحرير الشعوب من التسلط والاستبداد، ولرفع المظالم وتكسير القيود عنها. فإذا نجحت هذه المرحلة الأولى من الثورة، فإنها لا بد أن تفتح الباب لجميع الفئات والأفراد للمشاركة في البناء والإصلاح والنهوض. فليس مِن سرقة الثورة – ولا من الركوب عليها – أن تتقدم فئات وشخصيات، لم تكن بارزة في تحريك الثورة، فيصبح لها – بعد الثورة – بلاء ومكانة وأثر في خريطة الوضع الجديد، بل هذا يكون من علامات نجاح للثورة، لكونها أبرزت طاقات جديدة وفتحت لها الأبواب. وثورة العدل على الظلم، لا بد أن تكون لمصلحة المجتمع كله وفئاته كلها، وأن تنصف الجميع، وتفسح المجال للجميع.


[1] – كان ذلك يوم الإثنين 8صفر1433- 2يناير2012

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى