أبحاثأبحاث فقهية

دُوَل ما بعد الثورة ومسألة تطبيق الشريعة

دُوَل ما بعد الثورة ومسألة تطبيق الشريعة

          بعد الثورات العربية، ودخول عدد من الشعوب العربية عهد الحرية والانعتاق، وبعد الدخول في عهد الانتخابات الحرة والنزيهة في أقطار الربيع العربي، ظهر بوضوح لا غبار عليه أن التنظيمات والتيارات الإسلامية هي صاحبة الحظوة والقبول والإقبال لدى تلك الشعوب. وتأكد الأمر في كل الانتخابات العربية التي أجريت خلال الشهور الأخيرة. ونتيجة لهذه الانتخابات هناك مشاركة إسلامية، أساسية وقيادية، على صعيد البرلمانات والحكومات في كل من تونس والمغرب ومصر. والأيام حبلى بمثل هذه التطورات. وهذا ما جعل النقاش يتزايد ويشتد حول مسألة تطبيق الشريعة…

الإسلاميون بين إرضاء الشرع وإرضاء الشعب

          معلوم أن وصول الإسلاميين إلى الحكم أصبح يأتي اليوم عن طريق صناديق الاقتراع، أي بأصوات الناخبين واختيارهم. وهذه الأصوات التي أتت بالإسلاميين اليوم، هي نفسها قد تذهب بهم وتأتي بغيرهم غدا. بمعنى أن بقاء الإسلاميين في الحكم أصبح في قبضة الناخبين وتحت رضاهم أو سخطهم. ولذلك يتساءل بعض الإسلاميين: هل علينا الآن أن نُرضيَ الجماهير التي صوتت علينا، ونعطي الأولوية لطلباتها ورغباتها ومصالحها، أم علينا أن نرضي الشرع ونعطي الأولوية والكلمة العليا لأحكامه وطلباته؟

          وطَرحُ الإشكال والتساؤلِ بهذه الصيغة، ينشأ عادة عن غفلة الصالحين وسذاجة المتدينين، من الجهلة بمقاصد الدين…

          وهناك من يطرحون هذا الموضوع بطريقة أخرى فيها مكر ودهاء، فيقولون: هل سيبقى الإسلاميون أوفياء لشعاراتهم ومواقفهم؛ فيمنعوا الخمر ومحلاته والربا وبنوكه؟ وهل سيمنعون الغناء والسينما والمسلسلات؟ وهل سيفرضون الحجاب على النساء، ويمنعون الاختلاط في المدارس والجامعات والحافلات…؟ أم أنهم سيسكتون عن هذه الأمور وينسونها، ويشتغلون – كسائر الأحزاب – بما يجلب الأصوات ويرضي المصوتين في الانتخابات؟

          والجواب عن هذه القضية على وجهين: إجمالي، وتفصيلي.

          أما الجواب الإجمالي: فمفاده أنْ نعلم أنَّ أحكام الشريعة هي عين المصلحة الحقيقية للناس أفرادا وجماعة، وأن المصلحة الحقيقية هي أيضا شريعة ويجب أن تُتخذ شريعة. وأنه لا تعارض بين الشريعة الحقيقية والمصلحة الحقيقية، ولا تضاد بين ما تريده شريعة الإسلام وما تريده شعوب الإسلام. ومنذ سنين طويلة كتبتُ في جانب من هذه المسألة، بعنوان (الشريعة مصلحة والمصلحة شريعة)، أنقل منه هذه الفقرات:

“أما كون الشريعة مصلحة، فهو أمر مسلَّم به لدى عامة المسلمين وخاصّتهم، مقول به عند جماهير العلماء من كل عصر ومن كل مصر ومن كل مذهب سوى الظاهرية، ولا اعتبار لهم، لا كمّاً ولا كيفاً.

ومن أقوال العلماء المعبرة عن هذا المعنى:

– الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد.

– الشريعة نفع ودفع.

– الشريعة جاءت لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها.

– الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً.

– الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها.

– حيثما كانت المصلحة فثَمّ شرع الله، وحيثما كان شرع الله فثَمّ المصلحة.

وحتى نجم الدين الطوفي الذي اشتهر بالقول بإمكان التعارض بين النصوص والمصلحة، نجده في الكتاب ذاته وفي السياق ذاته يقول: “… وبالجملة، فما من آية من كتاب الله عزّ وجلّ إلا وهي تشمل على مصلحة أو مصالح”[1] ثمّ ذكر أنّ شأن السنة كشأن القرآن كذلك “لأنّها بيان للقرآن، وقد بينّا اشتمال كل آية منه على مصلحة، والبيان على وفق المبيَّن”[2].

هذا عن كون الشريعة مصلحة، وهو كافٍ فيما أحسب.

أما كون المصلحة شريعة، فيتمثّل عند علمائنا في عدد كبير من الأصول والقواعد التشريعية التي ترجع إلى اعتبار المصلحة. وأصرحُها وأشهرها هو أصل (المصلحة المرسلة) الذي يعدُّ حجّة ومصدرا تشريعيا عند عامّة الفقهاء، خلافاً لما يشتهر من اختصاص المالكية بهذا الأصل. قال القرافي: “وأمّا المصلحة فغيرنا يصرّح بإنكارها، ولكنّهم عند التفريع تجدهم يعلّلون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفوارق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة”[3].

وهناك – سوى أصل المصلحة المرسلة – أصول أخرى أساسها جوهرها مراعاة المصلحة وبناء الأحكام عليها:

– فهناك الاستحسان، الذي يرجع في كثير من صوره وتطبيقاته إلى مراعاة المصلحة، كما قال ابن رشد: “ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال: هو الالتفات إلى المصلحة والعدل”[4].

ولذلك قيل في بعض تعريفات الاستحسان: هو ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.

– وهناك أصل سدّ الذرائع، الذي يرجع حاصله إلى درء المفاسد.

وتظهر مصلحيّة هذا الأصل بقوة في كونه يسمح بمنع ما هو مباح بالنص، درءا للمفسدة. وفي هذا مخالفة ظاهرية للنص، تحقيقاً للمصلحة وحفاظاً عليها.

– وهناك العرف، والاستدلال، وهما معاً متضمّنان لرعاية المصلحة وبناء الأحكام عليها.

– كما أن هناك قواعد فقهية كثيرة تؤسّس (التشريع المصلحي) وتضبطه، ومنها:

– الأصل في المنافع الحل وفي المضار المنع.

– لا ضرر ولا ضرار.

– الضرر يزال.

– الضرر لا يزال بمثله.

– يتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

– الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.

– التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.

وهكذا يظهر جلياً – من خلال ما ذكرته من أصول وقواعد تشريعية – مدى حجية المصلحة ومرجعيتها في التشريع الإسلامي. ولذلك حق لنا أن نقول: إن المصلحة شريعة، وهو مقصود قولهم: حيثما كانت المصلحة فثَمّ شرع الله، ولذلك قال الإمام الغزالي: “ونحن نجعل المصلحة تارة عَلَماً على الحكم، ونجعل الحكم أخرى علماً لَها”[5]…”[6]

          وعلى هذا الأساس وهذا النهج، لا يبقى مجال لتخويف الناس – ولو بعض الناس – على مصالحهم الحقيقية.

فالإسلام يتسع غاية السعة لكل الفنون الجميلة الممتعة البناءة، بما فيها فنون اللهو والترفيه. وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها (أنها زفَّتِ امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو). فهذا عن اللهو، فكيف إذا جعلنا من هذا اللهو – ومن الفن عموما – وسيلة للتثقيف والتربية والإصلاح؟

والإسلام يتسع للسياحة والتمتع بمباهج الأرض ومخلوقاتها (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [النحل : 6]

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون وَسَخَّرَ لَكمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ  وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)  [النحل : 10 – 14]

 والإسلام يتسع لتنمية الاقتصاد وربح الأموال وحفظها وتكثيرها، وله في ذلك من الطرق المشروعة الـمُشْرعة ما يسع كل طموحات الناس ومشاريعهم. فعلينا فقط أن نفتح أبواب الكسب الحلال ونوسعها ونُعَـبِّدها، كما علينا أو نوسع أبواب الترفيه واللهو ونرقيها.

وهكذا فنحن مع الإسلام لا نحتاج إلا إلى فهم مقاصده ومصلحية أحكامه، ومراعاةِ ذلك وحسنِ تنزيله. وسيفهم جميع الناس حينئذ – إلا من أبى – أن جميع أحكام الشريعة هي الأحفظ  لدنياهم وسعادتهم الدنيوية، فضلا عن دينهم وكرامتهم.

فشريعة الإسلام دين ودنيا معا، وحفظ المال هو أحد مقاصدها الضرورية الخمسة، وكذلك حفظ التحسينيات بكل أجناسها وأنواعها. فمن أراد حمل الناس على الالتزامات الدينية والخلقية من غير مصالح ومباهج دنيوية، أفسد على الناس دينهم ودنياهم. وعلى هذا فالإسلاميون إذا أرْضَوا جمهورهم ولَـبَّوْا حاجات شعوبهم، فقد طبقوا شريعتهم وأرضَوا ربهم، وإذا أحسنوا تطبيق شريعتهم، فقد خدموا بذلك جمهورهم وأرضوا شعوبهم.

          فهذا الجواب الإجمالي عن مسألة تطبيق الشريعة.

 وأما الجواب التفصيلي ففيه ما يلي:

          أولا: ما معنى الشريعة؟

          مادة ” ش ر ع “-  ومنها الشريعة والشرعة والشرع – يشمل استعمالُها في القرآن الكريم  كلَّ ما أنزله الله لعباده ، من معتقدات ، وعبادات ، وأخلاق ، وآداب ، وأحكامِ عادات ومعاملات . وتأتي العقائد والعبادات في طليعة ما شرعه الله وجعله شريعة للعباد، كما هو واضح في قوله تعالى )شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ( [الشورى/13]

)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ(  [الشورى/21]

“وعن السديّ، في قوله:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) قال: هو الدين كله”[7]

أما لفظ “شريعة”، فقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ، في قوله تعالى  )ثم جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( [الجاثية/18]

وورد شقيقه ، لفظ “شرعة”، في قوله تعالى )وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا( [المائدة/48]

قال الإمام الطبري : “والشِّرْعة: الشريعة بعينها، تُجمع الشِّرعة شِرَعًا، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد[8].

وقال القرطبي : والشِّرعة والشريعة : الطريقة التي يُتوصل بها إلى النجاة. والشريعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء. والشريعة ما شرَع الله لعباده من الدين، وقد شرع لهم يَشْرَعُ: أي سَنَّ. والشارع: الطريق الأعظم.[9]

فالشريعة في اللغة ، تعني الطريق العظيم والصراط المسقيم.

والشريعة في استعمال القرآن مساوية لمعنى الدين، الذي هو الصراط المستقيم .كل ما في الأمر أن التعبير بلفظ “الشريعة”، هو باعتبار واضعها وهو الله تعالى، فهو الذي )شَرَعَ لَكُمْ …(،  وأما التعبير بلفظ “الدين”، فباعتبار أن الإنسان يدين به.

وبهذا المعنى الواسع الجامع للشريعة ، ألَّف الإمام أبو بكر الآجُرِّي ( المتوفى سنة360هـ) كتابه الذي سماه ( الشريعة ) ، مع أن أكثر ما فيه مسائل عقدية وتربوية.

وبعده ألَّف الفيلسوف المسلم الراغب الإصفهاني ( المتوفى سنة 500 ، أو502 هـ) ، كتابه الشهير ( الذريعة إلى مكارم الشريعة ) ، وهو كتاب في فلسفة الأخلاق والتربية . فالراغب يعتبر – بحق – أن تهذيب النفوس والعقول والأخلاق من صميم الشريعة ومكارمها. وهو يُعرف مكارم الشريعة فيقول: “ومكارم الشريعة هي: الحكمة ، والقيام بالعدالة بين الناس ، والحِلم ، والإحسان ، والفضل. والقصد منها أن تبلغ إلى جنة المأوى , وجوار رب العزة تعالى.”[10]

وقبل الوصول إلى جنة المأوى ، فإن مكارم الشريعة –  كما يحددها الراغب – تتلخص في تحقيق الغايات الثلاث الكبرى للوجود الإنساني ، وهي : العمارة ، والعبادة ، والخلافة.[11] يقول : ” ومن لم يصلح لخلافة الله تعالى ، ولا لعبادته ، ولا لعمارة أرضه ، فالبهيمة خير منه”[12]

فهذه هي “الشريعة”، وهذا هو المفهوم الأصلي لها.

ومع التوسع العلمي وتشعب التخصصات العلمية ، ظهر استعمال لفظ “الشريعة” استعمالات اصطلاحية. والاستعمال الاصطلاحي عادة ما يضيق من مدلولات الألفاظ ويقصُرُها على بعض مدلولاتها اللغوية.

ومن المعاني الاصطلاحية الخاصة التي استُعمل بها لفظ الشريعة ، المعنى الذي يعنيه الصوفية عندما يقابلون بين “الشريعة والحقيقة “. فالشريعة هنا ، صُرف معناها إلى التكاليف والضوابط الشرعية الظاهرة ، الموجهة إلى”عامة” المكلفين . وأما الحقيقة – في هذا الاصطلاح – فهي الجواهر والبواطن والأسرار التي يدركها ويبلغها “الخاصة” من العباد والزهاد والعارفين …ومن هنا نشأ القول بعلوم الظاهر وعلوم الباطن ، وتم على هذا الأساس التفريق بين وظيفة الفقه ووظيفة التصوف. وهي كلها اصطلاحات وتقسيمات طارئة ، ينبغي ألا تحجب عنا المعاني والمفاهيم الشرعية الأصلية، كما هي في نصوص الشرع، وكما هي عند المتقدمين.

على أن أشهر استعمال اصطلاحي للفظ الشريعة ، هو استعمالها للدلالة – بصفة خاصة –  على الأحكام العملية في الدين، أي كل ما سوى العقائد ، لكن مع الاحتفاظ في هذه الدلالة بجميع المجالات التشريعية العملية الواردة في الدين ، ومنها العبادات الظاهرة والباطنة ، والأخلاق والآداب. فالشريعة بهذا المعنى تشمل الدين كله إلا العقيدة . ومن هنا جاء استعمال عبارة ” الإسلام عقيدة وشريعة.”[13]، على أساس أن العقيدة غير الشريعة.

ومنذ قرون طويلة ، أصبح هذا المعنى هو الأكثر شيوعا واستعمالا لدى العلماء، ولكنه لم يُلغِ المعنى الأول والأعم للشريعة والشرع ، كما أنه ظل واسعا وشاملا لكل المجالات التشريعية. فمجال الشريعة هنا أصبح تقريبا هو نفسه مجال “الفقه” ، بمعناه الاصطلاحي المعروف . ويبقى الفرق بينهما هو أن الشريعة تطلق على ما هو مُنَـزَّل ومنصوص وصريح ، من الأحكام ومن القواعد الشرعية ، بينما الفقه – أو علم الفقه – يراد به خاصة ما هو مستنبط ومجتهَد فيه.

وفي العصر الحديث اتجه استعمال اسم الشريعة نحو مزيد من التخصيص والتقليص، وخاصة حينما بدأ التعبير بلفظ ” التشريع الإسلامي” ، على غرار ” التشريع” بمعناه القانوني . وهكذا بدأ إطلاق الشريعة والتشريع الإسلامي على التشريعات المنظمة للحياة العامة . وهو اصطلاح العلامة ابن عاشور ، الذي يقول: ” فمصطلحي[14] إذا أطلقت لفظ التشريع أني أريد به ما هو قانون للأمة ، ولا أريد به مطلق الشيء المشروع. فالمندوب والمكروه ليسا بمرادَيْن لي، كما أرى أن أحكام العبادات جديرة بأن تسمى بالديانة.”[15]

 وبهذا أصبح معنى الشريعة مماثلا  أو مقابلا لمعنى القانون . ومن هنا بدأت تظهر  المقابلة والمقارنة بين (الشريعة الإسلامية) و(القوانين الوضعية) . وقد تعززت هذه المقابلة ، وتحولت إلى خصومة ومنافسة ، بسبب ما تعرضت له أحكام الشريعة – المدنيةُ والجنائية – من إزاحة قسرية ، لفائدة القوانين المستوردة من الغرب. وهذا ما جعل العلامة الأستاذ علال الفاسي يتحدث عن صراع بين ( الشريعة الإسلامية ) و(الشريعة الاستعمارية)، وذلك في كتابه القيم (دفاع عن الشريعة) .

والخلاصة: أن الاستعمال المضيق لمفهوم الشريعة إنما هو استعمال اصطلاحي، فلا ينبغي أن  يحجبنا أو يحجب عنا المعنى الأصلي والكامل للشريعة، الذي على أساسه ينبغي أن نتناول قضية تطبيق الشريعة .. 

فالقرآن الكريم ، وكل ما تضمنه ، من فاتحته إلى نهايته ، هو الشريعة الإسلامية . والسنة النبوية الصحيحة كلها ، وكل ما فيها ، هي الشريعة الإسلامية.

والإيمان بالله ، والخوف من الله ، والحياء من الله ، وتقوى الله ، كلها شريعة الله. وكل ما يتحقق من هذه الأمور فهو من تطبيق الشريعة.

وكذلك عبادة الله ، والتوكل عليه ، والإخلاص له ، وذكره وشكره ، كلها شريعة الله، وكلها تطبيق للشريعة.

والتخلق بمكارم الأخلاق والآداب ، من عدل وإحسان ، وصدق ووفاء ، ورفق وتواضع … كل هذا من شريعة الله . وكذلك التنزه والتخلص من سفاسف الأخلاق ورذائلها.

والتعفف عن الخبائث والمحرمات ، والوقوف عند المباحات الطيبات ، جزء من الشريعة ومن تطبيق الشريعة.

وطلب العلم – أيِّ علمٍ نافع –  وبذلُه ونشره والمساعدة عليه، شريعة وتطبيق للشريعة.

وكل ما يحقق ويخدم مقاصد الشريعة، في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، فهو من صميم الشريعة، ومن مصالح الشريعة ، كما قال الإمام الغزالي : “ومقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم ، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة ، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة.”[16]

والزواج ومساعدة الناس عليه، وحسن العشرة الزوجية فيه، وإنجاب الأولاد وتربيتهم وتعليمهم، كله  شريعة وعمل بالشريعة.

          وكل ما يجلب أو يحقق أو يعزز كرامة الإنسان وحريته وأمنه ورفعته ، ماديا ومعنويا، فهو من الشريعة ومن إقامة الشريعة.

وكل عمل أو مجهود يرفع عن الناس الظلم والغصب والقهر والتسلط والاستبداد، فهو من صميم الشريعة.

فأن تقوم أي حكومة أو برلمان أو وزير، بأي شيئ يحقق هذه الأمور أو يخدمها، فذلك من تطبيق الشريعة.

وفضلا عن شرف الحكم بين الناس بما أنزل الله، مما هو منصوص في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن  الحكم والعمل بكل ما فيه عدل وإحقاق للحق ورفع للظلم، هو جزء لا يتجزأ من شريعة الله ،كما قال العلامة ابن القيم : “فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ، ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق ، وقامت أدلة العقل ، وأسفر صبحه بأي طريق كان ، فثم شرع الله ودينه ورضاه.”[17]

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ركن من أركان الشريعة، فالقيام به، وتيسير القيام به للناس، والمساعدة على القيام به، تطبيق للشريعة. ومثله التعاون -كل تعاون – على البر والتقوى.

وكل إصلاح ونفع على وجه الأرض ، وكذلك كل إزالة أو إعاقة لأي فساد أو ضرر في الأرض، فهو من الشريعة، بما في ذلك إماطة الأذى عن الطريق. وقديما عَدَّ بعض شراح الحديث النبوي أن مما يدخل في إماطة الأذى عن الطريق[18]، رفعَ المكوس والجبايات الظالمة عن الناس. وعلى هذا فالرشاوى التي أصبحت متفشية ومفروضة في دولنا وإداراتنا وعلى طرقاتنا، هي من المكوس التي يُعَدُّ رفعها وتقليصها نوعا من إماطة الأذى عن الطريق وجزءا عظيما من تطبيق الشريعة.

وإسداء النفع والإحسان إلى الحيوان ، هو أيضا من تطبيق الشريعة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف :”بينما رجل يمشي بطريق ، اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا فنزل فيها ، فشرب ، ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي ، فنزل البئرَ ، فملأ خفه ماءً ، ثم أمسكه بفيه حتى رَقيَ ، فسقَى الكلب ، فشكر الله له ، فغفر له . فقالوا : يا رسول الله ، إن لنا في البهائم لأجراً ؟! ، فقال صلى الله عليه وسلم : «في كل ذات كبد رطبة أجر»[19]. أليس هذا – وأمثالُـه – إن فعلناه ونشرناه تطبيقا للشريعة؟

ولو ذهبنا نستعرض تشعبات الشريعة ومشمولاتها، لما بقي شيئ أو فعل، إلا وجدنا له مكانه فيها. وبعبارة جامعة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

          فكل مَن عمل بشيئ من هذا كله أو أعان عليه، فهو عامل بالشريعة ، وقائم بتطبيق الشريعة ، سواء كان فردا ، أو كان جماعة ، أو دولة أو حكومة ، أو وزيرا، أو رئيسا أو مرؤوسا.. وأيٌّ من هؤلاء خالف وخرق شيئا مما ذكر من الشريعة، أو ساعد على خرقه، فهو معطل للشريعة بقدر مخالفته وخرقه.

فالكذب تعطيل للشريعة ، مثلما أن الصدق تطبيق لها.

 والغش في الدراسة أو التدريس  أو أي وظيفة، أو في الصناعة أو التجارة ، أو في الخدمات أو في الانتخابات ، كله تعطيل للشريعة ، مثلما أن إتقان العمل ، وإكماله بنزاهة وإخلاص، هو تطبيق للشريعة.

 وإخلاف الوعود تعطيل للشريعة ، والوفاء بها عمل بالشريعة.

وهكذا حتى نمر على كل شُعَب الشريعة وكل مضامينها …

          تطبيق الشريعة مسؤولية جميع المسلمين

لقد اتضح مما تقدم من إشارات وعناوين، مدى اتساع الشريعة وامتدادها وتنوع مضامينها ، وأنها ليست بذلك الضيق الذي يتصوره أولئك الذين يرهنون الشريعة وتطبيقها بيد القضاة ومحاكمهم، وبيد الرؤساء وحكوماتهم، فإن هم طبقوها فقد طُبقت وارتفعت رايتها، وإن هم نبذوها وأعرضوا عنها، فقد عُطلت ونُكست رايتها!

          نعم للشريعة أحكام جنائية ومدنية وسياسية واقتصادية، قد يتوقف تطبيقها على الحكام ومؤسساتهم ووسائلهم، ولكن تلك الأحكام إنما هي جزء من الشريعة، وليست كلَّ الشريعة ولا أهمَّ ما في الشريعة. والولاة الذين تقع عليهم مسؤولية تطبيق تلك الأحكام، إنما هم أيضا جزء ممن يجب عليهم تطبيق الشريعة في المجتمعات الإسلامية.

          وأياً ما كانت أهمية السلطة والدولة في إقامة الدين وتطبيق شريعته ، فإنها تبقى – ويجب أن تبقى – دون أهمية الأمة والمجتمع. والجريمة الكبرى التي يرتكبها كثير من حكام المسلمين، ليست هي عدم تطبيقهم للشريعة في سياساتهم وقوانينهم، وإنما هي تكبيل الشعوب وما فيها من طاقات، وتخويف الناس وصرفهم ومنعهم من القيام بما يمكنهم القيام به من مصالحهم وواجبات دينهم.

وإذا كنا اليوم – بعد وصول بعض الإسلاميين إلى بعض مواقع الحكم في بلدانهم – نتساءل ونتحدث عن مدى وفاء هؤلاء لشعار تطبيق الشريعة، وعن مدى قدرتهم على ذلك، وعن أسلوبهم وطريقتهم في هذا الباب …، فإن أهم ما يجب علينا البدء به أولا: هو تصحيح مفهوم الشريعة، ومفهومِ تطبيق الشريعة.

          وبناء عليه وعلى كل ما سبق، فإن أهم خدمة وأكبر خدمة يمكنهم تقديمها للشريعة وتطبيقِ الشريعة هي – في نظري – إطلاقُ الطاقات الإسلامية المعطلة أو المعاقة، طاقات المجتمعات. يجب إطلاق طاقات الأمة ودعمُ مبادراتها وفاعليتها: بأفرادها وجماهيرها وهيئاتها وعلمائها ودعاتها ونسائها وشبابها وأغنيائها ومفكريها… فهذه الطاقات والفعاليات هي الـمُعَول عليها في تطبيق الجمهرة العظمى من الشريعة، وهي التي ستشكل الرافد والسند القوي الوفي، لكل المبادرات الحكومية والبرلمانية المندرجة في تطبيق الشريعة أو الرامية إلى ذلك.

          ويحضرني مثال قريب جدا من مصر الحرة فيما بعد الثورة؛ فبينَ يديَّ الآن دعوة لحضور حفل الإعلان عن “مؤسسة بناء”، يوم 8ربيع الأول1433هـ، الموافق 31يناير 2012م. وهي مؤسسة أهلية للتكوين العلمي والتأهيل القيادي، من خلال احتضان الطلاب النابغين علميا وماديا، ويشرف عليها الأستاذ الدكتور صلاح سلطان. لقد كان القائمون على هذا المشروع الإسلامي الجليل يفكرون فيه ويحومون حوله منذ سنين، وكانوا ينجزون بعض خطواته الصغيرة على خوف من فرعون وملئه أن يمنعهم ويفتنهم، لكنهم اليوم ينطلقون فيه بكل حرية وعلنية، وبكل أمان واطمئنان. إن هذا المشروع يعتبر الآن تطبيقا للشريعة، ثم هو بوابة لتطبيق الشريعة وخدمتها في المستقبل القريب والبعيد بإذن الله تعالى. وهو مشروع لا يحتاج من أي حكومة سوى أن تترك الناس يعملون، ولو شجعتهم بأي شكل لكان أحسن.

          ومن أمثلة المشاريع الأهلية، الممكنة والميسرة، لتطبيق الشريعة في هذا العصر: تفعيل مؤسسة الوقف، ومؤسسة الزكاة. فالوقف الإسلامي جزء من الشريعة ومن مكارمها، وأما الزكاة فركن معلوم من أركانها. وكل منهما يمكن إسناده إلى الحكومة، ومطالبتها بذلك، وانتظار مبادرتها فيه… ويمكن للدولة أو الحكومة فقط فسحُ المجال للمجتمع وعلمائه وخيِّـريه، وسيقوم الأمر على أحسن الوجوه، ويكون الجميع شركاء في هذا الإنجاز وهذا الخير.

          إن الوقف[20] والزكاة ، سيعززان ويُـمدان الخدمات والمرافق الاجتماعية والتعليمية، بأموال ضخمة متجددة ، تتدفق من إيمان الناس وقلوبهم ، قبل أن تتدفق من أيديهم وجيوبهم. وتستطيع أموال الوقف والزكاة، أن تمول ما لا يحصى حاجات المحتاجين، ومن المدارس والجامعات، ومِنَح الطلبة، ومشاريع البحث العلمي، ومن تشييد الأحياء السكنية الجامعية، وتجهيز المكتبات، وتشغيل الخريجين وذوي الخبرات …

          ولمصارف الزكاة ومشاريع الأوقاف – ونحوها من مشاريع الخير الإسلامية – آثار إيجابية مباشرة في تخفيض الجرائم والانحرافات الاجتماعية الناجمة عن الفقر والاحتياج، كالسرقة والقتل والدعارة، فضلا عما فيها من صون للكرامة البشرية.

          وقلْ مثل هذا فيما لا يحصى من وجوه تطبيق الشريعة وتحقيق مقاصدها؛ فإنها لا تحتاج إلى أكثر من رفع القيود والموانع، وبذلِ التيسير والتشجيع.

وجنبا إلى جنب مع ما تقدم، تأتي المجالات السياسية والتشريعية والإدارية، التي تدخل مباشرة في صلاحيات الحكومات والبرلمانات، وتقع تحت مسؤولياتها وتتوقف على إمكانياتها. وهذه الجوانب عادة هي محل الاهتمام والتساؤل والفضول في موضوع تطبيق الشريعة.

ولا شك أن تلك الجوانب – وقد وقع فيها من الإفساد والإبعاد عن الإسلام أكثر مما وقع في غيرها – يجب أن تأخذ مكانها من العناية والجهد، لكي يبنى فيها ما انهدم، ويُسدَّ منها ما انخرم، حتى تستقيم على وفق ما تقتضيه شريعة العدل والرحمة. مع العلم أن تصحيح الوضع في هذه الجوانب بالذات، يلقى من المقاومة العاتية والمعارضة الشرسة – في الداخل ومن الخارج – ما لا يلقاه أي جانب آخر من الإسلام وشريعته.

ومع ذلك لا بد من الدفع دوما، وشيئا فشيئا، نحو تصحيح التشريعات والسياسات، حتى لا يبقى فيها تعارض ولا تضاد مع الشريعة، بل حتى تصبح نابعة منها. وهذا يحتاج لا شك إلى تدافع حكيم وتدرج موزون. وهو ما لا يمكن تحديد خطواته إلا في حينه وسياقه، بحسَب كل بلد وما يمكن فيه وما لا يمكن، وما يمكن عاجلا، وما لا يمكن إلا آجلا. فليس لأحد أن يجازف ويصيح في لحظته، ومن فوق منبره، من دون أن يتحرى ويسمع ويفهم، ممن هم في الجبهة وفي الميدان.


[1]  انظر: مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، لعبد الوهاب خلاف، ص 116 – ط 3 (الكويت: دار القلم، 1392هـ/1972م).

[2]  المصدر نفسه.

[3]  – الذخيرة للقرافي ج 1، ص 152-  (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994).

[4]  – بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج 2، ص 154-  (دمشق: دار الفكر، [د. ت.].

[5]  – المنخول لأبي حامد الغزالي، ص 355- (دمشق: دار الفكر، 1980).

[6] – الاجتهاد: النص، الواقع، المصلحة – نشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

[7] تفسير الطبري 21 / 512

[8] – تفسير الطبري , 10 / 384  

[9] – الجامع لأحكام القرآن 8/83

[10] – الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 83

[11] – نفسه ص 82 ـ 83

[12]  – ص83

[13] – وهو عنوان كتاب للشيخ محمود شلتوت ، شيخ الأزهر الأسبق.

[14] – فهو ينبه على أن هذا اصطلاح خاص ، يستعمله  في هذا الكتاب ( أي : مقاصد الشريعة الإسلامية )

[15] – مقاصد الشريعة الإسلامية ص 129

[16] – المستصفى1 / 438

[17] أعلام الموقعين4/ 373

[18] – الإشارة هنا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً ؛ أَعْلَاهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَان”

[19]  صحيح ابن حبان 3/81

[20] – أعني هنا الوقف الاجتماعي خاصة، وليس الوقف المخصص للمساجد وغيرها من العبادات.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق