مقالاتمقالات فكرية

الإسلاميون وامتحان الحرية- بقلم أحمد الريسوني


نشر في التجديد يوم 02 – 08 – 2009

أنطلقُ في هذا التعليق من الوظيفة العلمية والمهنية التي مارستها وعايشتها منذ ربع قرن، وهي البحث والتقييم العلمي والإشراف على البحوث الجامعية. في هذا المجال أقول دائما لزملائي الأساتذة وللطلبة الباحثين: لا ينبغي أن نستكثر ونشدد في مطالبة الباحثين بفعل كذا، والإتيان بكذا ، وإضافة كذا، وقراءة كذا، والتوسع في كذا … وقد كنت ألاحظ أحيانا أن أعضاء لجنة المناقشة يطالب كل واحد منهم الباحثَ المناقَش بما يساوي أطروحة أخرى… لكني أقول: ينبغي أن نتشدد فيما أتى به الباحث وكتبه وقدمه لنا وللناس؛ هل أحسن فيه؟ هل تثبت منه؟ هل أتقنه؟ هل كان أمينا فيما نسبه ونقله؟ هل كان دقيقا فيما استنتجه؟…
ذلك أن ما يُطلب فعله، وما يمكن أن يطلب فعله وزيادته، لا نهاية له كما وكيفا. فلذلك تكون المحاسبة عليه بواقعية واعتدال، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
وأما ما يقدَّم بالفعل، فلا بد من إتقانه واستيفاء شروطه، ومن باب أولى اجتناب ما هو رديئ أوسيئ أو غير صحيح، فهذا لا عذر فيه، وها هنا تُشدد المحاسبة والمؤاخذة. والأمر شبيه بما في قوله صلى الله عليه وسلم: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم…
هكذا أنظر إلى قضية الحركات الإسلامية التي تتولى المسؤولية العامة أو تشارك فيها. ومعلوم أن الحالات المشار إليها تعد فلتات استثنائية زهقت من تحت السيطرة، أو خرجت من ثقب الباب، في لحظة غير محسوبة لدى حراس الهياكل. وما أن تقع إحدى هذه الفلتات حتى تعلَن حالة الاستنفار، ويبدأ التطويق والقصف برا وبحرا وجوا … كما وقع في إيران، وأفغانستان، والجزائر، والسودان، وفلسطين.
في مثل هذه الظروف لا ينبغي أن نُكَثِّر الطلبات والرغبات ونُعْليَ سقفها على هذه الحركات أو الحكومات، بل حسبنا من ذلك ما تسمح به الظروف والتحديات الصعبة التي تحاصرها من الداخل والخارج. لكن ما لا يَقبل التغاضي ولا التساهل، هو الوقوع في أخطاء وأفعال سيئة ومسيئة. ومن هذا الباب التضييق على الحريات الفكرية والسياسية والشخصية. والذي يبدو لي هو أن كل التجارب الإسلامية في الحكم واقعة في هذا المأزق، وأكثرها راسبة في هذا الامتحان…
في هذه الأيام ووجهت الاحتجاجات السلمية في إيران بكثير من القمع والمنع والاعتقالات والمحاكمات. وهذه – بدون شك – سياسة موجبة للسقوط في امتحان الحرية، رغم أن الحالة الإيرانية لا تقارن بما يقوم به الآن النظامُ الحاكم في اليمن، وبما تقوم به الأنظمة العربية الشقيقة في مثل هذه الحالات. كما يحسب للإيرانيين أيضا أن أقوى المناهضين للسياسة القمعية المضيقة للحريات، هم أيضا من الإسلاميين وعلماء الدين، بل حتى من الفريق الحاكم نفسه.
وفي هذه الأيام أيضا تعلن حركة حماس قرارها عدمَ السماح لأعضاء من حركة فتح بمغادرة قطاع غزة في اتجاه الضفة لحضور مؤتمرهم هناك ، وذلك في مقابل المعتقلين من حركة حماس في سجون عباس دايتون… وأنا ما زلت أتمنى أن يكون إعلان هذا القرار مجرد مزحة مؤقتة، وإن كنت لا أحب المزاح ولا أقبله في هذه الأمور. وكم تألمت وغضبت وأنا أسمع الدكتور محمود الزهار – الذي أحبه وأقدره- وهو يقول: نحن نقابل الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة!! وهذا من أسوإ ما سمعته من قيادي من درجة الزهار، ومن حركة من صنف حماس. ولو كان لي أن أجري امتحانا لهذا الموقف في مادة الحرية، لكان الرسوب حتما مقضيا.
إن اعتماد منطق المعاملة بالمثل للسلطة ولمن معها من حركة فتح، ثم تنزيل ذلك على ناس لا دخل لهم ولا ذنب لهم سوى الانتماء لحركة فتح، إن هذا الاتجاه لن يفضي إلا إلى النهاية المعنوية لحماس، وتحولِها إلى فتح أخرى وسلطة أخرى. وللتذكير، فالله تعالى يقول {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}، ويقول: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، فكيف بالذي بينك وبينه أخوة وخلاف، وليس عداوة وصراع؟
وفي هذه الأيام أيضا صدر في غزة قرار محسوب – بشكل أو بآخر – على حماس، ويتعلق بلباس المحاميات في المحاكم. وبغض النظر عن الصلاحيات القانونية والقضائية لصاحب هذا القرار، فإن القرار له جوانب فقهية وآثار سياسية…، فلا يصح اتخاذه بشكل انفرادي. وفي جميع الأحوال فهو امتحان آخر يعكس إيثار بعض الإسلاميين – كغيرهم من الحاكمين – اللجوءَ إلى الوازع السلطاني بدل التعويل على الوازع الإيماني، وإيثارَهم الاعتماد على تقليص الحرية لخدمة الإسلام، بدل الاعتماد وبالذات على مزيد من الحرية لخدمة الإسلام بشكل أرقى وأنجح.
ومثل هذا يقال عن المحاكمة الجارية في السودان لإحدى الصحافيات بسبب لباسها الفاضح المستفز في البيئة السودانية. والحال أن هناك وسائل أخرى للمعالجة، هي أليق وأنجع، غير وسيلة المحاكمة. ولكن للأسف فكثير من أصحاب السلطة يؤثرون الطريق السهل لديهم، وهو التعسف أو الإفراط في استعمال السلطة.
نحن لا نطالب حكومة حماس بأن تجعل غزة واحة متميزة في الرفاه والنماء، ولكننا نطالبها أن تجعل منها واحة متميزة للحرية والكرامة. ومثل هذا يقال للحالات المماثلة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق