ضيف الموقع

عناية الله سبحاني : نظرات جديدة في نظام الإرث. الحلقة الثانية

د/ عناية الله أسد سبحاني
قال الله تعالى في كتابه العزيز:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14). (سورة النساء)
تحقيق معنى الكلالة
قبل أن نخوض في تأويل الآيات نود أن نتأكد من معنى لفظ الكلالة، فإنه هو قطب الرحى في تلك الآيات، والخطأ في تأويله قد جرنا إلى أخطاء كثيرة في تأويل الآيات، كما جرنا إلى أخطاء فادحة في مسائل الميراث، فنقول وبالله التوفيق:
قال الشعبي: (الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة). (1)
وقال الطبري بعد سرد الأقوال الواردة في تأويل الكلالة:
” الصواب من القول في ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن”الكلالة” الذين يرثون الميت، من عَدا ولده ووالده، وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنه قال: قلت يا رسول الله؟ إنما يرثني كلالة، فكيف بالميراث؟ ….” (2)
وقال القرطبي:
ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين: آخر السورة وهنا، ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الاخوة. فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الاخوة فيها عني بها الاخوة للام، لقوله تعالى: (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث). وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ (وله أخ أو أخت من أمه).
ولا خلاف بين أهل العلم أن الاخوة للاب والام أو الاب ليس ميراثهم كهذا، فدل إجماعهم على أن الاخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لابيه وأمه أو لابيه، لقوله عزوجل (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين).
ولم يختلفوا أن ميراث الاخوة للام ليس هكذا، فدلت الآيتان أن الاخوة كلهم جميعا كلالة. (3)
هذا مما قاله القرطبي في تأويل لفظ الكلالة، ونحا الأزهري نفس المنحى في تأويل الكلالة حيث قال:
” ذكر الله الكلالة في سورةالنساء في موضعين: أحدهما قوله: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أوأخت فلكل واحد منهما السدس) والموضع الثاني في كتاب الله قوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) الآية فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم، والإخوة للأب والأم، فجعل للأخت الواحدة نصف ما ترك الميت، وللأختين الثلثين، وللإخوة والأخوات جميع المال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأخ والأخت من الأم في الآية الأولى، الثلث، لكل واحد منهما السدس، فبين بسياق الآيتين أن الكلالة تشتمل على الإخوة للأم مرة، ومرة على الإخوة والأخوات للأم والأب، ودل قول الشاعر أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولدكلالة، وهو قوله:
فإن أبا المرء أحمى له * ومولى الكلالة لايغضب
أراد: أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة، وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب.” (4)
ولانريد أن نتنفس في سرد الأقوال، فقد ذكرنا من ذكرنا، والذين لم نذكرهم يحومون كلهم حول هذا الرأي، ولا يعدونه إلا قليلا.
والذي نلاحظه فيماكتبوا، أنهم لايعتمدون في تحقيق معنى الكلالة إلا على أقوال وآثار، رويت لهم، وهم اعتمدوا عليها على الرغم من أنها مارويت إلا بأسانيد ضعيفة واهية!
وهي لا تصلح أبدا لأن يعتمد عليها في تحقيق معنى الكلالة، ولا تصلح لأن يبني عليها أي حكم من أحكام الشرع، أو أي أمر من أمور العلم.
وستكون لنا وقفة عند بعضها، حتى نكون على بينة من أمرها، ونعرف ما فيها من علات وأسقام.
وكان أولى بالناس أن يرجعوا في هذا الأمر إلى كتاب الله، قبل أن يرجعوا إلى تلك الآثار، أو يرجعوا إلى أي شيئ آخر، ولقد وصف لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام ذلك، حيث روى: عن البراء بن عازب قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله يستفتونك في الكلالة فما الكلالة؟ قال تجزيك آية الصيف. (5)
إي والله، كانت تجزيهم آية الصيف، لوأنهم أقاموا عليها، وأنعموا النظر فيها. ولكنهم ما فعلوا ذلك، وتهافتوا على آثار وروايات، لم يتأكدوا من صحتها، ولقفوها قبل أن يعرفوا أمرها، وتهاونوا فيها، وكان الأمر جدا!
وكان القرطبي موفّقا جدا، حينما رجع إلى الآيات، وكان أولى بأن يتوصل في معنى الكلالة إلى شيئ محكم يوافق سياق القرآن، ولكنه لم يزد على أن ألقى نظرة خاطفة على الآيات، ثم رجع عنها قبل أن يملأ يديه بحقائقها!
والذي حدث مع الأزهري كان شبيها بذلك، حيث رجع إلى الآيات ولم ينعم النظر فيها، وإنما رأى أن القرآن ذكر الكلالة مرتين، وفي كلا الموضعين ذكر الإخوة، فظن، كما ظن القرطبي، أن الإخوة كلهم من الكلالة، سواء كانوا إخوة لأب وأم، أو إخوة لأب، أو إخوة لأم.
والنظرة المتأنية في الآيات تذهب بنا في معنى الكلالة، إلى غير ما ذهبا إليه. وحديث البراء يوصينا بأن نرجع في معنى الكلالة إلى آية الصيف، لا إلى أختها التي وردت في أول السورة، والتي جاء فيها لفظ الكلالة.
فنرى من واجبنا في تحقيق معنى الكلالة، أن نرجع إلى آية الصيف، وها هي ذي:
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
معنى الكلالة، في ضوء الآية
فإذا رجعنا إلى تلك الآية، ومكثنا عليها، وتأملنا فيها، وجدنا فيها في أمر الكلالة ما يقنعنا ويشفي أنفسنا.
إذا أنعمنا النظر فيها، وجدنا أن الكلالة ليس معنى مفردا، وإنما هي صورة من صور التوريث، أو حالة من حالات التوريث، فالإخوة لا يسمون كلالة في مصطلح القرآن، ولا غيرهم من الأقارب والأولياء، وإنما الكلالة: أن يموت شخص، وليس له ولد، وإنما له أخت، أو أخوات، أو إخوة لأب وأم، أو لأب، فهذه الصورة المتكاملة من حالة التوريث، هي التي تسمى كلالة.
وإذا كانت هذه الحالة، أو هذه الصورة من التوريث، سدّت الأخت مسد البنت، وسدّ الأخ مسدّ الابن، وسدّت الإخوة مسد الأبناء، وسدّت الأخوات مسد البنات. وإذا كانوا إخوة، رجالا ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين، مثل ما يكون مع الأولاد تماما، جمعا وتفريقا.
وأما الإخوة أو الأخوات لأم فهم لم يذكروا في تلك الآية، ولوكانوا من الكلالة، لذكروا فيها، ولم يذكروا منفصلين في آية أخرى حيث قال تعالى:
“وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ”
فقوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ وقع حالا مما قبله، كما ذكره أبوالسعود حيث قال:
“والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير يورَث أو من رجلٌ على تقدير كونِ { يُورَثُ} صفةً.” (6)
فإذاكانت الجملة: “وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ” في موضع الحال، فلابد أن يكون هذا الأخ أو الأخت مغايرا لصاحب الحال. ويكون تأويل الآية كما يلي:
“إن كان رجل يورث كلالة أو امرأة، بحيث مات وليس له ولد وإنما له أخت أو أخوات، أو إخوة لأب وأم، أولأب، والحال أن له أخا أو أختا كذلك، فهذا الأخ أو تلك الأخت، له أولها السدس. وإن كانوا أكثرمن واحد، فهم شركاء في الثلث.
ويفهم من السياق أن هذا الأخ أو الأخت، لا يكون غير أخ لأم، أوأخت لأم فإن الأخ لأب وأم، أو الأخ لأب داخل في معنى الكلالة، فلم يبق بعد الكلالة غير أخ لأم أو أخت لأم.
والذي ورد في الروايات من أن ” أن سعدا كان يقرؤها: وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم” (7)
فهذا من قلة فهم الراوي، فإنها ما كانت قراءة، وإنما كان من قبيل الاستنباط من نظم الآية.
ويفهم من السياق أن الأخ لأم والأخت لأم ليسا من الكلالة، خلافا لما ذهب إليه الأزهري أو القرطبي أو غيرهما من أهل اللغة والتفسير.
حكم الإخوة لأم
ويفهم من السياق أن الإخوة لأم لا يرثون إلا في صورة الكلالة، أى: لايرثون إلا إذا كان يرث الإخوة لأب وأم، أو الإخوة لأب، وهم لا يرثون إلا تبعا لهم.
وإذا كانوا لا يرثون إلا تبعا لهم، فلا يمكن أبدا أن يتقدموهم في الميراث. حيث يغنم الإخوة لأم، ويحرم الإخوة لأب وأم، أو الإخوة لأب.
حتى ولا يمكن أن تتساوى أقدامهم في الميراث، فكل يأخذ نصيبه حسب قرابته من المورث. فإن صح أن الإخوة لأب وأم، أو الإخوة لأب أقرب إلى المورث من الإخوة لأم، فلا بد أن يكون لهم النصيب الأكبر في الميراث في جميع الأحوال.
وأما ما قاله الشوكاني، فهو كلام يعوزه الدليل، يقول الشوكاني:
“ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأمّ، وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا حديث: ” ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فلأولي رجل ذكر” وهو في الصحيحين، و غيرهما”. ( 8)
نقول: لقد تملينا الآية مليا، وأقمنا عليها طويلا، ولكن لم يظهر لنا كيف تدل الآية على أن الإخوة لأم أقدم من الإخوة لأبوين. وكيف يمكن ذلك وهو خلاف الأصل، وخلاف العقل؟ فالآية من القرآن لا تدل أبدا على أمر لا يقبله العقل، ويكون مخالفا للأصل.
وإذا كان الأصل في توزيع الميراث أن يكون على أساس الأولوية والأقربية، فكيف يمكن أن يحرم الأقرب، ويغنم الأبعد؟ حتى يضطر شخص إلى أن يتفوه بتلك الكلمة السفيهة، التي روتها لنا الرواة: “هب أن أبي كان حمارا”! أو “هب أن أبي كان حجرا في اليمّ”!
فكتاب الله أجل وأرفع من مثل هذه الهزليات، وليست في شريعته “الحماريات” ولا “الحجريات”!
كيف التوزيع بين الإخوة؟
وتلك المشكلة التي ذكرها الشوكاني لاتحدث إلا نتيجة لخطء في طريقة التوزيع، فتوزيع الميراث بين الإخوة لا يكون كما ذكروه، وإنما طريقته أن يعطى كل ذي فريضة فريضته ما عدا الإخوة، ثم الباقي يوزع بين الإخوة حسب نصيبهم في كتاب الله، فإن كان أخ أو أخت لأم أخذ سدس الباقي، وإن كانوا أكثر من واحد: اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة فما فوق الأربعة، أخذوا ثلث الباقي، وهذا الثلث يوزع بينهم بالسوية، للذكر مثل حظ الأنثى، ومابقي بعد إفراز السدس أو الثلث، وزع بين الإخوة لأب وأم، والإخوة لأب حسب نصيبهم في كتاب الله.
حكم الإخوة لأب
ويفهم من سياق الآية أن الإخوة لأب وأم، والإخوة لأب يكونون في حكم واحد، وفي درجة واحدة، ويرثون مرة واحدة، إذا اجتمعوا، ولا يكون بعضهم حاجبا لبعضهم، على عكس ما قيل.
فالقرآن لم يصنف الإخوة إلا إلى صنفين، صنف ذكروا في آية الصيف، وهم الإخوة لأب وأم، والإخوة لأب، وصنف ذكروا في أول السورة في الآية رقم (12) وهم الإخوة لأم. فهذان صنفان للإخوة لا ثالث لهما.
فتصنيف الإخوة إلى ثلاثة أصناف، ليس عليه دليل، لا في القرآن، ولا في السنة.
رواية واهية نالت القبول عند أهل العلم!
وهناك رواية رويت عن سيدنا علي، ولعل هذه الرواية هي التي حملت على القول بحجب بعض الإخوة بعضهم الآخرين، وهي كما يلي:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِىٍّ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ أَعْيَانَ بَنِى الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِى الْعَلاَّتِ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِىٍّ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الْحَارِثِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (9)
وإذا كان بعض أهل العلم قد تكلموا في الحارث، فلننظر ما ذا قالوا؛ حتى نكون على بينة من أمره. فصاحبنا هذا هو الحارث بن عبدالله الاعور الهمداني الخارفي أبو زهير الكوفي.
قال مسلم في مقدمة صحيحه: ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي، قال حدثني الحارث الاعورالهمداني، وكان كذابا. (10)
وقال الجوزجاني سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث فقال مثلك يسأل عن ذا؟ الحارث كذاب.
وقال الدارقطني: الحارث ضعيف.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ.
وقال ابن حبان: كان الحارث غاليا في التشيع واهيا في الحديث. (11)
وروى أبو بكر بن عياش، عن مغيرة، قال: لم يكن الحارث يصدق عن علي في الحديث.
قال حصين عن الشعبي: ما كذب على أحد من هذه الامة، ما كذب على علي. (12)
هذا هو الحارث الذي قال عنه الترمذي: “وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الْحَارِثِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.” فمابال أهل العلم عملوا بحديث رجل لم تكن بضاعته إلا الكذب، والذي عرف بالكذب على عليّ، وهولم يكذب على أحد مثل ماكذب على عليّ!
وإذا رأينا في الموضوع من ناحية الفقه والدراية، فالرؤية الفقيهة الواعية لا تقرّ تلك الرواية، حيث لا يجوز أن يحجب أعيان بني الأم إخوانهم من بني العلات، وهم لا يحجبون الإخوة للأم؟ وكيف يجوز أن يحجبوا الأقرب، ولا يحجبوا الأبعد؟!
حكم الأب مع الإخوة
وشيئ آخر نلاحظه في آية الصيف، هو أنها لا تذكر في تعريف الكلالة، الأب نهائيا، وهذا لا يعني إلا أن الأب لا علاقة له بالموضوع، ولا يختلف الوضع إذا كان موجودا، أو غير موجود، ففي كلتا الحالتين ترث الأخت مثل ما ترث البنت، وترث الأخوات مثل ما ترث البنات، ويرث الإخوة مثل ما يرث البنون، وأما الأب فلا يكون له من الميراث في حالة وجود الأخ أو الأخت، إلا مثل ما يكون له في حالة وجود الابن، وهو السدس، خلافا لما درج عليه الفقهاء والمفسرون.
وأما ما قاله الزمخشري في تفسير الآية، حيث قال:
فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد، ووكَّل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السُّنة، وهو قوله عليه السلام:
«ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة. ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد لأن الولد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولأن الكلالة تتناول انتفاء الوالد والولد جميعاً، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالاً على انتفاء الآخر. (13)
وكذلك ما قاله ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: (ليس له ولد) حيث قال:
” يريد: ولا والِد: فاكتفى بذكر أحدهما، ويدلُ على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة، وهي مَن ليس له ولد ولا والد.” (14)
فهذه كلها تأويلات باردة. تأويلات لا تخلو من تكلف وتمحل، تأويلات ليس لها دليل من اللفظ أو من السياق، وإنما هي عبارة عن تطويع الآية لمعنى أجنبي عنها، أو هي من تحميل الآية ما لا تحتمله.
و هذا خلاف الأصل، فالأصل في الآية أن ندور معها حيثما دارت، ونسير معها حيثما سارت، ولا نلوي عنقها حتى نجعلها طبقا لهوانا، أوطبقا لمفاهيمنا الخاطئة، التي ورثناها ممن قبلنا، فكتاب الله فوق كل شيئ، وهو يَقضي ولا يُقضى عليه.
رواية عن أبي بكر، ودراستها
وهنا لا بد لنا من وقفة عند ما روي ابن جرير عن سيدنا أبي بكرالصديق:
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عاصم الأحول قال، حدثنا الشعبي: أن أبا بكر رحمه الله قال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله: هو ما دون الولد والوالد. قال: فلما كان عمر رحمه الله قال: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر. (15)
حينما ننظر فى هذه الرواية، نجد أنفسنا أمام إشكالات وتساؤلات، منها:
= لقد نزلت آية الكلالة في السنين الأوائل من العهد المدني، أى: بعد غزوة أحد على أصح القولين، وعاش رسول الله بعدها سنين عددا، وكان أبوبكر الصديق يلازمه في صباحه ومسائه، وغدوه ورواحه، وسفره وحضره، فما الذي منعه أن يسأل رسول الله معنى الكلالة، إن كان لا يعلمه؟
= الكلالة ليس لفظا دخيلا في لغة العرب، بل هو عربي بحت قديم، والعرب كانوا يعرفونه، وكانوا يستعملونه في كلامهم، في شعرهم ونثرهم، قال يزيد بن الحكم:
والمرء يبخل في الحقو …ق وللـكلالـة ما يسيـم
مـا بخل من هو للمنو … ن و ريبها غرض رجـيم (16)
فهل استعمل هذا الشاعر لفظ الكلالة بدون أن يستوعب معناه؟ ولعله ليس بعيدا عن المعنى الذي وردت به آية الصيف.
ثم هناك روايات عن أصحاب رسول الله، استعملوا فيها لفظ الكلالة في نفس المعنى الذي ورد به القرآن، حيث روى الإمام مسلم، قال:
حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ فَصَبُّوا عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِى كَلاَلَةٌ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ) قَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ. (17)
وروى الإمام أحمد قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْقَارِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ الْقَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ فَخَلَّفَ سَعْداً مَرِيضاً حَيْثُ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ فَلَمَّا قَدِمَ مِنْ جِعِرَّانَةَ مُعْتَمِراً دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَجِعٌ مَغْلُوبٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى مَالاً وَإِنِّى أُورَثُ كَلاَلَة.ً (18)
فإن كان لفظ الكلالة واضحا معلوما عند الشاعر العربي، وكان واضحا معلوما عند جابر بن عبدالله، وكان واضحا معلوما عند سعد، فما ظنك بأبي بكر؟ و أبوبكر هو أبوبكر! وهل يمكن أن يفوته هذا اللفظ، أويفلته معناه مع طول باعه، وعلوكعبه في لغة العرب؟
= ثم ما معنى قول عمر: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبابكر؟ لو حدث – مثلا – أن أبابكر وقع في خطء، فهل يتركه عمر حتى يتأصل ويتفاقم، أم يبادر إلى إصلاحه؟
وهل الاختلاف عيب على صاحبه، إن كان إسهاما في العلم، وتمكينا للحق؟ وكم اختلف عمر مع أبي بكر في حياة رسول الله وبعد وفاته، ولكن هذا الاختلاف لم يفسد للودّ قضية. وما جنت الأمة منه إلا الخير والبركة.

المراجع:

  1. الجامع لأحكام القرآن:5/78، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان. 1405-1985
  2. تفسيرالطبري، ضبط وتعليق: محمود شاكر، سورةالنساء: آية رقم 12، 4/355، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1421-2001
  3. الجامع لأحكام القرآن:5/78
  4. الزبيدي،تاج العروس :كلل
  5. السنن الكبرى للبيهقي:6/224، دارالفكر
  6. تفسيرأبي السعود، 2/152، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.
  7. سنن البيهقي الكبرى، باب فرض الإخوة والأخوات للأم: 6/ 231/12102
  8. فتح القدير: 1/475، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان. 1418- 1998
  9. سنن الترمذي، ص: 472، رقم الحديث: 2095، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى.
  10. مقدمة صحيح مسلم، باب الكشف عن معايب رواة الحديث، 1/19، دار الكتب العلمية بروت لبنان.
  11. تهذيب التهذيب:2/146، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة الأولى.
  12. سيرأعلام النبلاء:4/154، مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثالثة، 1405-1985
  13. الكشاف عن حقائق التنزيل، رتبه وضبطه وصححه: مصطفى حسين أحمد: 1/599، دارالكتاب العربي.
  14. زادالمسيرفي علم التفسير: 2/266، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى
  15. تفسيرالطبري،سورةالنساء: 4/352.
  16. ديوان الحماسة لأبي تمام، الجزء الأول، باب الأدب، ص: 613، إدارة الثقافة والنشر المملكة العربية السعودية 1401-1981
  17. صحيح مسلم،باب ميراث الكلالة:3/1235
  18. مسند أحمد:35/385/17035، مؤسسة الرسالة: 1420- 1999
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق