ضيف الموقع

مع الحلقة الثالثة من “نظرات جديدة في نظام الإرث” للعلامة عناية الله سبحاني

د.عناية الله أسد سبحاني

الفحص عن السند
ثم إذا فحصنا الرواية من ناحية السند، تأكد عندنا ضعفها وركاكتها؛ فإن من رواتها عاصم الأحول، وهو عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري مولى بني تميم، وقد تكلم فيه عدد من أئمة الرجال، قال ابن حجر:
كان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه، وقال ابن إدريس: رأيته أتى السوق فقال اضربوا هذا، أقيموا هذا، فلا أروي عنه شيئا، وتركه وهيب؛ لأنه أنكر بعض سيرته. (1)
وقال الذهبي: قال ابن معين: كان ابن القطان لا يحدث عن عاصم الأحول، يستضعفه. وقال يحيى القطان: لم يكن بالحافظ. وقال عبدالرحمن بن المبارك: قال ابن علية: كل من اسمه عاصم في حفظه شئ. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء حفظه. (2)
وبالجملة فالرواية التي رويت عن أبي بكر في تفسير الكلالة رواية واهية ساقطة، وهي لا تصلح أبدا لأن يعتمد عليها في تفسير الكلالة.
إذاً فالعمدة في تفسير الكلالة هي آية الصيف، كما روي عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وآية الصيف تفيد أن الرجل إذا مات ولم يترك من خلفه ولدا، وإنما ترك إخوة، فالإخوة الأشقاء أو الإخوة لأبيه، أو هم جميعا ينزلون منزلة الولد، وهم يرثون مايرثه الولد، حتى ولوكان الأب على قيد الحياة. والأب لا يكون حاجبا للإخوة، وإنما يرث مع الإخوة، ما يرثه مع الولد، وهو السدس مما تركه المورث.
رواية سبب النزول
ومما يساعدنا في استيعاب الموضوع، التأكد من سبب نزول آية الصيف، فما سبب نزولها؟
ذهب المفسرون عموما إلى أن سبب نزولها ما رواه مسلم وغيره، قال:
حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ فَصَبُّوا عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِى كَلاَلَةٌ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ) قَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ. (3)
وهنا لا بد لنا من وقفة، حتى نستحضر في أذهاننا حقيقة ما روي لنا في أسباب نزول الآيات. قال الزركشي:
“وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: “نزلت هذه الآية في كذا” فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند… وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند، وكذلك مسلم وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال، وبالتأويل، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع.” (4)
وقال ولي الله الدهلوي:
“وقد تحقق لدى الفقير أن الصحابة والتابعين كثيرا ما يقولون: “نزلت الآية في كذا” و لا يكون غرضهم إلا تصوير ما تصدق عليه الآية من الأحداث والمعاني، وذكر بعض القصص والوقائع، التي تشملها الآية الكريمة لعموم لفظها، سواء كانت القصة متقدمة على نزول الآية أومتأخرة عنها، إسرائيلية كانت أو جاهلية، أو إسلامية، تنطبق على جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم.” (5)
وعلى هذا فلا مانع من القول إذا قلنا: إن قصة جابر ليست هي السبب الحقيقي لنزول آية الصيف، وإنما هي مما تصدق عليه الآية بعمومها وشمولها.
سبب نزول آية الصيف
وأما السبب الحقيقي لنزول آية الصيف، فهو يرجع إلى آيات الميراث، التي سبق نزولها ووضعها في أول السورة. وبيانه أن الآيات التي جاءت في بيان الميراث قبل آية الصيف، ذكرت أنصبة الإخوة للأم بلفظ صريح واضح، وقد بينا ذلك، وفصلناه فيما مضى.
وأما أنصبة الإخوة لأب وأم، أو لأب فلم تذكر بلفظ صريح واضح، وإنما أومئ إليه إيماء في قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) فالآية بسياقها تدل على أن الإخوة، وهم غير الإخوة الذين ذكروا في الآية التالية، يسدون مسدّ الولد إذا لم يكن هناك ولد. فإن الأم لا تأخذ السدس إلا في حالة وجود الولد.
فلما قيل: إن الأم ترجع من الثلث إلى السدس في حالة وجود الإخوة، فكأنه قيل: إن الإخوة في حالة عدم الولد يكونون مثل الولد، وهم يأخذون مثل ما يأخذ الولد، وبالتالي يرجع الأب أيضا إلى السدس،كما يكون في حالة وجود الولد.
يبدو أن هذا الإيماء لم يكن واضحا للجميع، فإن ظهر لناس، فقد خفي والتبس على آخرين، فكان هناك خلاف ونقاش، وسؤال واستفسار في الموضوع، ومن هنا جاء الاستفتاء، فجاءت الفتوى:
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
وكانت هذه الآية بيانا واضحا شاملا في الموضوع. وظهر أمر الكلالة بعدها ظهور الشمس في ريعة الضحى.
وكم كان الأمر عجيبا حينما قيل، بعد هذا الوضوح والظهور، إن أبابكر، وعمر، و الصحابة كلهم، كانوا في حيرة من أمر الكلالة! بل وكأنهم في ليلة كفر النجوم غمامها! انظر معي تلك الروايات:
رواية عمر في الكلالة
حدثنا أحمد بن داود بن موسى قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا أبو عوانة، عن جابر، عن الحسن، عن مسروق، عن أبيه قال: «سألت عمر بن الخطاب، عن قرابة لي ورث كلالة، فقال: الكلالة؟ الكلالة؟ الكلالة؟ ثلاثا، ثم أخذ بلحيته، فقال: والله لأن أعلمها، أحب إلي مما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:» ألم تكن تسمع إلى الآية التي أنزلت في الصيف؟ « مرتين. (6)
تلك الرواية جاءت عن طريق جابر وهو جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي أبو عبد الله. قال يحيى بن يعلى قيل لزائدة: ثلاثة لم لا تروي عنهم: ابن أبي ليلى، وجابر الجعفي، والكلبي قال: اما الجعفي فكان والله كذابا يؤمن بالرجعة. وقال أبويحيى الحماني: عن أبي حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشئ من رأيي إلا جاءني فيه باثر! وقال يحيى بن يعلى سمعت زائدة يقول: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن سعد كان يدلس، وكان ضعيفا جدا، في رأيه وروايته وقال العقيلي في الضعفاء: كذبه سعيد بن جبير. وقال العجلي: كان ضعيفا يغلو في التشيع وكان يدلس. (7)
ثم الذي رواها عن جابر هو أبوعوانة، وهو وضاح بن عبدالله أبو عوانة الواسطي، صاحب قتادة. قال أبو حاتم: ثقة يغلط كثيرا إذا حدث من حفظه. (8)
وروى عن أبي عوانة سهل بن بكار، قال عنه ابن حبان: ربما وهم وأخطأ. (9)
وهكذا نرى الرواية جاءت عن طريق سلسلة واهية من الرواة!
رواية أخرى عن عمر في الكلالة
وهناك رواية أخرى، رواها مسلم، وغيره من أصحاب السنن، قال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ…… وكان فيما قال:
ثُمَّ إِنِّى لاَ أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِى مِنَ الْكَلاَلَةِ مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- فِى شَىْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِى الْكَلاَلَةِ وَمَا أَغْلَظَ لِى فِى شَىْءٍ مَا أَغْلَظَ لِى فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى فَقَالَ « يَا عُمَرُ أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِى فِى آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ».
وَإِنِّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. (10)
تلك الرواية جاءت عن طريق قتادة، وهو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز أبوالخطاب السدوسي البصري، ولد أكمه. قال حنظلة بن أبي سفيان كان طاووس يفر من قتادة، وكان قتادة يرمى بالقدر. وقال علي بن المديني: قلت ليحى بن سعيد: إن عبدالرحمن يقول: اترك كل من كان رأسا في بدعة يدعو إليها قال: كيف تصنع بقتادة ؟ وقال معتمر بن سليمان عن أبي عمرو بن العلاء: كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يغثّ عليهما شئ، يأخذان عن كل أحد! وقال جرير عن مغيرة عن الشعبي: قتادة حاطب ليل! وقال أبو داود حدث قتادة عن ثلاثين رجلا لم يسمع منهم. (11)
هذا، والذي روى عن قتادة هو هشام، وهو هشام الدستوائي، مولى بني سدوس، وكان يرمى بالقدرمثل شيخه قتادة، وكان يأتي بالمناكير، ذكر ابن حبان حديثا رواه بشر بن عبدالله القصير، شيخ من أهل البصرة، منكر الحديث جدا، ثم قال: رواه عنه هشام الدستوائي وهذا خبر باطل لا أصل له. (12)
وذكر يونس بن أبي الفرات الإسكاف مولى لقريش، ثم قال: روى عنه هشام الدستوائي ومخرمة بن بكير، منكر الحديث على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به لغلبة المناكير في حديثه. (13)
هذا هشام، وذاك قتادة، راويا هذه الرواية، فكأنه اجتمع الظلام بالغمام، ظلمات بعضها فوق بعض!
وأما متن الرواية، فلعله في غنىً عن أي تعليق، وماذا يقال عن شيء يشهد على نفسه، بما فيه من نكارة وكذب!
أنزل الله آية الصيف، وختمها بقوله تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا) فإن صحت رواية قتادة وهشام، فما فائدة هذا البيان؟ وهل مثل هذا البيان ينقذ الإنسان من الضلال؟!
وأين ذكاء عمر، وألمعيته، إذا لم ينفعه البيان من الله، ولا البيان من الرسول، حتى اضطر الرسول إلى أن يغلظ له، ولكن الغلظة أيضا لم تغن عنه شيئا؟!
رواية عقبة بن عامر في الكلالة
وهناك رواية أخرى رواها أبوبكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا المقبري عن سعيد بن أبي أيوب قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنه قال: ما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة. (14)
هنا أيضا نقول مثلما قلنا من قبل: ما الذي منع أصحاب رسول الله من أن يرجعوا إلى رسولهم، إذا أعضلت بهم الكلالة؟
وهل يقال: رجعوا إليه، ولكن الرسول عجز عن كشف غمّتهم؟
أي الموقفين وقفنا، ففيه بلاء، وفيه داء عضال!
وهناك موقف ثالث، وليس أمامنا إلا أن نلجأ إليه، فإنه هو العلاج الوحيد لهذا الداء العضال، وهو أن هذا ليس كلام عقبة بن عامر، وإنما هوكلام المقبري، راوي هذه الرواية، فمن هو المقبري؟
هو عبدالله بن سعيد بن أبى سعيد كيسان المقبرى، مولى بني ليث، عن أبيه واه بمرة، يكنى أبا عباد.
قال ابن معين: ليس بشئ.
وقال مرة: ليس بثقة.
وقال الفلاس: منكر الحديث، متروك.
وقال يحيى بن سعيد: استبان لى كذبه في مجلس.
وقال الدارقطني: متروك ذاهب. (15)
ماذا وراء تلك الجهود؟
تلك روايات، وتلك رواتها، بعُجَرها وبُجَرها. ولعل فيها كفاية لمن أراد أن يقدّر الموقف. و أراد أن يقدّر تلك الجهود المشؤومة، التي بُذلت لصرف المؤمنين عن شريعة القرآن، حيث جعلوا الواضح البين من شرع الله غامضا عُضالا، وأشاعوا أنه لم يقدر على فهمه واستيعابه أصحاب رسول الله، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر!!
ولم يريدوا بذلك إلا أن يُفزعوا الأمة، ويخوفوهم من وعورة الطريق، وخطورة الموقف، فإنه إذا لم يفهمه، ولم يستوعبه هؤلاءالأعلام، فهيهات، هيهات أن نصل إليه نحن الأقزام؟ ثم جاؤوا بركام من الروايات، التي تفسر الكلالة تفسيرا، يخالف تفسير القرآن.
وما ينبغي أن ننسى أن من الرواة من كانوا من الموالي، الذين لم تبرأ قلوبهم من الضغن على الإسلام، والحقد على القرآن؛ لأن المسلمين فتحوا بلادهم، و أزالوا سلطانهم، وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
وإذا كان الكذب قد كثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأي غرابة في أن يكثر على جلّة أصحابه، وخيرة أصدقائه، ولا سيما على أبي بكر وعمر؟
ولفظ الكلالة هو قطب الرحى في نظام الميراث في الإسلام، فإن فاتنا المعنى الصحيح للكلالة، حدنا عن الطريق، وفاتنا شيئ كثير من شريعة القرآن.
نعود إلى الآيات فنقول: إن آية الصيف تفيد أن امرءا إذا هلك، وليس له ولد، وله إخوة لأب وأم، أو إخوة لأب، فهم ينزلون منزلة الولد، ويرثون كمايرث الولد، وإذا كان الأب موجودا، فهو لايرث إلا السدس. فضلا عن أن يكون حاجبا لهم.
هذا ما تفيده آية الصيف، وأما إذا قلنا: إن الأب يكون حاجبا للإخوة، فهذا شيء يخالف القرآن، ويوافق ما يوجد في شريعة اليهود؛ فإنه إذا توفي الابن عندهم، وليس له ابن ولا بنت، كان الميراث لأبيه، إن كان موجودا، وإلا فلإخوته الذكور، وإلا فلإخوته الإناث. (16)
مفهوم “إخوة” في الآية
وتفيد آية الصيف أن أخا واحدا يجعل الأبوين يأخذان السدس، مثل الابن تماما، كما أن الأخت الواحدة تجعل الأبوين يأخذان السدس، مثل البنت تماما، فإن الأخ أو الأخت نزلا منزلة الابن والبنت في حالة عدمهما، فيكون لهما حكمهما.
ولا نقول: إن القرآن جاء بلفظ الجمع المذكر: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) فلا بد أن يكونوا جماعة، وأقل الجمع ثلاثة، فإذا لم يكونوا ثلاثة، فلا أقل من أن يكونوا اثنين، ولا اعتبار لواحد، كما قيل.
ولانقول: (إخوة) جمع المذكر، فلا بد أن يكونوا ذكورا، وأما الإناث فلا يحسب لهن حساب في هذا الأمر،كما قيل.
لا نقول ذلك؛ لأن العرب في كثير من الأحيان يطلقون الجمع، ويريدون به الواحد وما فوق الواحد، ومنه قول امرئ القيس، وهو يصف فرسه:
يُزِلُّ الغُلامَ الخِفَّ عَنْ صَهَواتِهِ، … ويُلْوي بأَثوابِ العَنيفِ المُثَقَّلِ
قال الزوزني، شارح المعلقات:
“… وإنما عبر بصهواته، ولا يكون له إلا صهوة واحدة؛ لأنه لا لبس فيه، فجرى الجمع و التوحيد مجرى واحدا عند الاتساع؛ لأن إضافتها إلى ضمير الواحد تزيل اللبس، كما يقال: رجل عظيم المناكب، وغليظ المشافر، ولا يكون له إلا منكبان وشفتان، ورجل شديد مجامع الكتفين، ولا يكون له إلا مجمع واحد.” (17)
ومنه قول الأعشى في معلقته:
ذَاكَ شَبّهْتُ نَاقَتي عن يَمينِ الرَّع … نِ بَعْدَ الكَلاَلِ والإِعْمَـالِ
وَتَرَاهَـا تَشْكُو إليّ، وقد صَا … رَتْ طَلِيحاً تُحْذَى صُدورَ النِّعالِ
نَقَبَ الخُفُّ لِلسُّرَى، فَتَرَى الأنْ … ساعَ مِنْ حِلِّ سَاعَةٍ وارْتِحَالِ
أَثَّرَتْ في جَآجيءٍ كإرانِ المَيْ … تِ عُولينَ فَوْقَ عُوجٍ رِسَالِ
حيث نرى الأعشى استخدم لناقته كلمة “جآجئ” وهو جمع جؤجؤ، بمعنى: عظم الصدر، وقيل: وسطه، وقيل: مجتمع رؤوس عظام الصدر، ولا يكون لناقة أو أي حيوان إلا جؤجؤ واحد، كما قال امرؤ القيس عن فرسه:
له جؤجؤ حشر كأنّ لجامه … يعالي به رأس جذعٍ مشذّب
وقال تأبط شرا، وهو يعني نفسه:
فرشت لها صدري فزل عن الصفا … به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
فالأعشى أطلق في شعره لفظ الجمع، وعنى به المفرد. وشواهده كثيرة في كلام العرب، حيث يأتون بلفظ الجمع، ويقصدون به الجمع أحيانا، وأحيانا يقصدون به المفرد.
وكثر في القرآن هذا الأسلوب، كما ورد في نفس الآية: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء) فلفظ الإخوة، والرجال، والنساء جاء جمعا، والمراد به الواحد وما فوق الواحد، من التثنية والجمع، حسبما يقتضي المقام، فلو كان أخ واحد، وأخت واحدة، فهما يفعلان مثلما يفعل خمسة إخوة وأربع نساء – مثلا – حيث يقتسمون الميراث على قاعدة: للذكرمثل حظ الأنثيين.
وكذلك كثر استعمال جمع المذكر للأنثى، ولوكانت واحدة، مثلما جاء في قوله تعالى: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُاللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.) فالملائكة استعملوا ضمير الجمع المذكر (عليكم) لامرأة إبراهيم وهي واحدة فرد. فإنها هي التي تعجبت وصكّت وجهها، حينما جاءتها البشرى بالغلام، وماكان كلام الملائكة إلا ردا على تعجبها واستغرابها.
وله شاهد في آية الصيف نفسها، حيث جاء لفظ “إخوة” وجاء بعده تفسيره: “رجالا ونساء”. وهذا يعني بالبداهة، أن “إخوة” يشمل الذكور والإناث.
وعلى هذا، فلفظ الإخوة في قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)
يكون عاما شاملا للذكور والإناث، وللمفرد والجمع. فالأخ الفرد يكون له حكم جمع من الإخوة،كما أن الأخت والأخوات يكون لهن حكم الإخوة الذكور.
الإخوة لا يرثون مع البنات
وتفيد آية الصيف أن الإخوة والأخوات لايرثون إلا في حالة عدم الولد، والولد يشمل البنين والبنات، فهم لايرثون إذا وجد أيّ من البنين والبنات، خلافا لما ذهب إليه الزمخشري، حيث قال:
ومحل {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} الرفع على الصفة لا النصب على الحال. أي: إن هلك امرؤ غير ذي ولد. والمراد بالولد الابن، وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر، وعلى الأنثى؛ لأن الابن يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت. (18)
والطريقة التي لجأ إليها الزمخشري في الاستدلال على رأيه، لا تخلو من ضعف. فهل فتاوى الناس وآراؤهم تكون قاضية على كتاب الله؟ وهل يكون تحديد معاني الكلمات والآيات بما قاله الناس، أم نخضع كلام الناس وآراءهم لكتاب الله، ونقول:كتاب الله هو القاضي، والحاكم، والمهيمن على الجميع؟
وهناك روايات تحمل هذا المعنى، ولعل الناس ركنوا إلى هذا المعنى اعتمادا عليها، فلا بأس بأن تكون لنا وقفة عندها، حتى نعجم عودها، ونخبر خبرها.
قال ابن حبان: أخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير، بتستر، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن مسعر بن كدام، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة، وابنة ابن، وأخت، قال: «للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت» (19)
وقال أبوبكر البيهقي: أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، ثنا جعفر بن محمد القلانسي، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، ثنا أبو قيس، قال: سمعت هزيل بن شرحبيل، يقول: سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة، وابنة ابن، وأخت؟ فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف قال: وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل عنها ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى، قال: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت قال: فأتينا أبا موسى الأشعري فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم. (20)
جاءت هاتان الروايتان عن طريق أبي قيس، و هو عبدالرحمن بن ثروان، أبو قيس الاودى. قال عبدالله بن أحمد: سألت أبى عنه فقال: هو كذا وكذا، وحرك يده، وهو يخالف في أحاديث. وعن أحمد قال: لا يحتج به. (21)
وقال أبو حاتم ليس بقوي هو قليل الحديث وليس بحافظ.
وذكره العقيلي في الضعفاء. (22)
ومن رواة البيهقي جعفر بن محمد القلانسي، قال عنه الخطيب: يروي عنه محمد بن فارس العطشي، وهو رافضي بغيض. (23)
والذي روى عنه القلانسي، آدم بن أبي إياس، وهو عبد الرحمن بن محمد، ويقال ناهية بن شعيب الخراساني أبوالحسن العسقلاني، قال عنه ابن معين:
“ثقة، ربما حدث عن قوم ضعفاء.” (24)
وهيهات أن يكون الرجل ثقة، إذا حدث عن قوم ضعفاء؟!
وعلى أية حال، فالروايتان ليستا بحيث يحتجّ بهما، ويبنى عليهما حكم، وماذا بقي في الرواية، إذاكانت تخالف نص القرآن؟

المراجع:

  1. تهذيب التهذيب: 5/43
  2. ميزان الاعتدال:2/350، دار المعرفة بيروت لبنان
  3. صحيح مسلم،باب ميراث الكلالة:3/1235
  4. البرهان في علوم القرآن:1/31،32، دارالمعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان، الطبعة الثانية
  5. الفوز الكبيرفي أصول التفسيرللإمام ولي الله الدهلوي:162، كلية الشريعة وأصول الدين بدارالعلوم لندوة العلماء، لكناؤ، الهند، 1405- 1984
  6. مشكل الآثارللطحاوي:11/375/4546، المكتبة الشاملة، الإصدار الثاني
  7. تهذيب التهذيب:2/49
  8. ميزان الاعتدال:4/334
  9. ثقات ابن حبان:8/292، دائرة المعارف العثمانية الطبعة الاولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند 1393 – 1973
  10. صحيح مسلم،باب نهي من أكل ثوما:1/396
  11. تهذيب التهذيب:8/353
  12. كتاب المجروحين لابن حبان، تحقيق: محمود ابراهيم زائد:1/187،باب الباء، دارالمعرفة بيروت لبنان.
  13. كتاب المجروحين لابن حبان، تحقيق: محمود ابراهيم زائد:3/139،باب الياء.
  14. مصنف ابن أبي شيبة:7/403، مكتب الدراسات والبحوث في دار الفكر
  15. ميزان الاعتدال:2/429
  16. الأحكام الشرعية: 2/170،3/139، والمقارنات والمقابلات: 234، نقلا من كتاب: الميراث في الشريعةالإسلامية للدكتورياسين أحمد إبراهيم درادكه :36 مؤسسة الرسالة
  17. شرح المعلقات السبع للزوزني،ت:محمدعبدالقادرالفاضلي ص: 67، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت لبنان الطبعة الأولى 1983
  18. الكشاف عن حقائق التنزيل، 1/598
  19. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 7/610/6002، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1407- 1987
  20. السنن الصغرى:2/185/2389، المكتبة الشاملة، الإصدار الثاني
  21. ميزان الاعتدال:2/553
  22. تهذيب التهذيب:6/153
  23. ميزان الاعتدال:4/3
  24. تهذيب التهذيب:1/196
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق