أبحاثأبحاث دعوية

شد الرحال لمدافعة الاحتلال


أ.د أحمد الريسوني
(ورقة قدمت في ندوة (زيارة القدس بين الدعم والتطبيع)،
التي نظمتها الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي/إيفي،
بمدينة اسطمبول، يوم الأحد22 ربيع الأول ١٤٤٢ هـ // 8 نونبر2020)

ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى).
ووردَت عدة أحاديث تنص على مضاعفة أجر الصلاة في هذه المساجد الثلاثة بأضعاف كثيرة؛ في المسجد الحرام أولا، ثم في المسجد النبوي، ثم في المسجد الأقصى.
وهو ما عليه إجماع العلماء..
حديث شد الرحال إلى المساجد الثلاثة دون غيرها من مساجد المسلمين، وكذلك مضاعفةُ أجر الصلاة فيها، جعَلَ لهذه المساجد مزايا دينيةً ليست لأي مسجد آخر سواها. كما أن منع شد الرحال إلى أي مسجد آخر، مهما كانت مكانته الدينية والتاريخية، يجعل الهمم منحصرة ومتجهة خاصة إلى هذه المساجد الثلاثة. وهو ما يصب في تكثير الرحلة إليها وتكثيف الحضور فيها..
فالمقصود من هذه الفضائل والمزايا إذن هو تكثيرُ زوارها وعُمَّارها والمصلين فيها، وجعلُ المسلمين دائمي التعلق بها، والحرص على شرف زيارتها ونيل فضلها، من الأضعاف المضاعفة عما في غيرها من المساجد.
والنتيجة المقصودة في النهاية هي: أن تكون هذه المساجد الثلاثةُ دوما معمورةً مكتظة بالمتوافدين عليها، لتجسد بذلك تعلق المؤمنين بربهم وبدينهم، ولتكون رمزا من رموز عظمة الإسلام، ومحفلا عالميا للتَّلاقي بين المسلمين، على مدار الأيام والسنين..
وإذا كان شد الرحال إلى المساجد الثلاثة لعمارتها ونيل فضل الصلاة فيها، عملا مندوبا في حق الأفراد، أي مندوبا بالجزء، فإن المندوب بالجزء يكون واجبا بالكل، بمعنى أن ما يكون مندوبا لآحاد المسلمين، يكون واجبا على جماعتهم، لا سيما إذا كان هذا المندوب من شعائر الإسلام ورموزه العامة. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “إذا كان الفعل مندوبا بالجزء، كان واجبا بالكل؛ كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة، وصلاة العيدين…” – (الموافقات 1/ 132). فالأذان، وصلاة العيدين، والعمرة، وصلاة الجماعة، وعمارة المساجد الثلاثة، وأضحية العيد.. هي سنن ونوافلُ في حق الأفراد، ولكنها من حيث الجملة واجبات كفائية في حق جماعة المسلمين..
زيارة القدس في ظل الاحتلال؟
منذ الاحتلال “الإسرائيلي” لمدينة القدس، وفي ضمنها المسجد الأقصى، سنة 1967، ودخولِـها تحت حكم المحتلين الغاصبين، مع ما يتبع ذلك من عدم إمكانية الذهاب إلى المسجد الأقصى إلا بموافقتهم، وتحت شروطهم ورقابتهم، ارتأى عدد من علماء المسلمين وزعمائهم، وخاصة من العرب والفلسطينيين، أن زيارة القدس لم تعد جائزة في هذه الظروف وما تستتبعه من لوازم ومآلات، منها:

  1. كونها تتطلب تأشيرة من دولة الاحتلال.. وفي ذلك ما فيه من اعتراف ضمني وعملي بدولة العدو الغاصب. وهذا لو صح لكان ملايينُ الفلسطينيين الذي يعيشون ويتحركون ويسافرون بوثائق وتأشيرات وجوازات سفر إسرائيلية هم أول المطبعين والمعترفين بـ”إسرائيل”!
  2. زيارة القدس، تتضمن حتما التعامل مع العدو الصهيوني ومؤسساته وموظفيه ومَرافقه الضرورية.. وهذا هو عين التطبيع والاندماج، الذي يتمناه العدو ويسعى إليه بكل السبل..
  3. زيارة المسلمين للقدس الشريف ومسجده الأقصى، تمنح العدوَّ دعاية سياسية، يستغلها لتحسين صورته وسياسته، وجعلِها تبدو أكثر قبولا لدى عموم المسلمين، ولدى الرأي العام العالمي، الرسمي والشعبي..
  4. وهي توفر فرصا ومكاسب اقتصادية للعدو، من خلال استعمال طيرانه وفنادقه، وكثير من منتجاته وخدماته. فهي في النهاية تشكل دعما وتقوية للعدو المعتدي.
    فإذا أضفنا إلى هذه “الموانع” كونَ بعض المسلمين يعتبرون زيارتهم للقدس وفلسطين نوعا من السياحة، المتضمنة لأداء بعص الصلوات في المسجد الأقصى.. فإن الأمر على هذه الصورة يكون غير مستحق كلَّ هذه المجازفة وتقديمَ كل هذه الفرص والفوائد المذكورة للعدو، فيكون هذا العمل إثمه أكبر من نفعه، ومفاسده أكبر من مصالحه، فيلزم تحريمه لذلك..
    فهذا هو مجمل رأي المانعين لزيارة للقدس والمسجد الأقصى وحُججِهم، مع تفاصيل عندهم تتضمن بعض الاستثناءات من هذا المنع، في مقدمتها استثناء الفلسطينيين، سواء من داخل فلسطين، أو من خارجها..
    وكما هو معلوم، فبجانب هذا القول بعدم الجواز، يوجد قول آخر بالجواز والترغيب.. وله حججه وإجاباته على ما تقدم من “موانع”..
    رؤية أخرى للقضية ولحكمها الشرعي..
    أرى – وبالله تعالى التوفيق – أن المسألة تحتاج أولا إلى تصحيح تصورها وتكييفها، من بدايتها إلى نهايتها..
    فأنا لا أتحدث لا عن مجرد زيارة مندوبة، ولا عن سياحة جائزة، ولا عن تطبيع مقصود، أو غير مقصود. ولا أكيِّف القضية بهذا المعنى وبناء على واقع أو تصور معين، كأنه هو الحالة الوحيدة الممكنة..
    وثانيا: تكييف القضية والنظر إليها عندي، يأتي من ثلاثة أبواب:
  5. من باب عمارة المسجد الأقصى، باعتبارها مقصدا شرعيا وشعيرة من شعائر الإسلام ورموزه،
  6. من باب نصرة إخواننا في بيت المقدس وأكنافه، ماديا ومعنويا،
  7. من باب المدافعة مع الاحتلال.
    فأما مقصد عمارة المسجد الأقصى، فقد أوضحته قبل قليل.
    وأضيف الآن: أن هذا المقصد الشرعي ليس عملا محليا يتحقق بجيران المسجد ومصلِّيه الاعتياديين، بل المقصود هو العمارة العالمية، المعبَّـرُ عنها في الحديث بـ(شد الرحال)، وهي التي يغذيها المسلمون من جميع أنحاء العالم، مثلما يقع في المسجدين المكي والمدني، وإنْ بدرجة أقل في المسجد الأقصى. فعمارة المقدسيين وبعض الفلسطينيين المجاورين للمسجد الأقصى لا تحقق إلا وجودا رمزيا لهذه العمارة. فلا بد من الاستنفار العام والتوعية الدائمة للمسلمين بهذه السُّنة وهذه الشعيرة، خاصة بعد مضي زمن طويل على تعطيل بعض علماء المسلمين والزعماء الفلسطينيين لها، بحجة عدم جوازها، وهو ما جعلها منسية أو مجهولة، أو اعتبارها معلقة إلى أجل غير مسمى.. بل أصبح البعض يعتبرونها جريمة تطبيعية مشينة لا تجوز..!
    وأما نصرة أهل بيت المقدس،
    فهي أيضا تحتاج إلى توعية وتدريب وإرشاد لعامة المسلمين.. وهذا أمر ميسور متى ما تجندَ له الدعاة والعلماء والوعاظ والخطباء.. وهي تحتاج أيضا إلى ترتيب وإعداد وتنسيق مع المقدسيين، ومع المنظمات الفلسطينية المختصة، لكي يُـعِدّوا للقادمين ما يحتاجونه من استقبال وتوجيه، ومن بنيات وخدمات (فنادق وإقامات ومطاعم ومتاجر..)، وذلك حتى لا يذهبوا ولا تذهب أموالهم إلى الأعداء، إلا في أضيق الحالات وأشدها ضرورة..
    يجب إتاحة الفرصة الدائمة للمقدسيين، ولغيرهم من المسلمين، لكي يلتقوا ويندمجوا، بأجسادهم وأرواحهم، ولكي يتضامنوا ويتآزروا.. ثم البقية من المقاصد والفوائد تأتي..
    وأما المدافعة مع العدو،
    فهي اليومَ المصلحةُ الكبرى والغاية القصوى لشد الرحال إلى بيت المقدس.
    نعم بالنسبة لأفراد المسلمين، قد تكون نيات بعضهم ومقاصدُهم لا تتجاوز تلبية نداء الشوق، ونيل شرف الزيارة والأضعاف المضاعفةَ للصلوات.. وهذا مقبول منهم ولا إشكال فيه، ولكنَّ نظرة العلماء والقادة يجب أن تتجاوز ذلك إلى مقاصده وثماره العامة والبعيدة.
    إن جعل القدس في قلب المعركة وفي صفِّها الأول، يقتضي – أولا وعاجلا – رفعَ ذلك الحظر “الشرعي” المفروض على المسلمين، وفتحَ الأبواب لهم مبدئيا.. وأن نبث في نفوس المسلمين الحرج من عدم شد الرحال إلى المسجد الأقصى، بدل بث الحرج من القيام بذلك.. وأنا أعني كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بدون استثناء، وليس فقط مسلمي “الشرق الأوسط”، أي العرب وما جاورهم. فكل من يفكر في شد الرحال إلى الحرمين المكي والمدني، حاجا ومعتمرا وزائرا، عليه أن يفكر في المسجد الأقصى، وفي شد الرحال إلى المسجد الأقصى.. وهذا سيعيد القدس ومسجدَها إلى مكانهما ومكانتهما في قلوب المسلمين وفي انشغالاتهم وتطلعاتهم الفعلية..
    إن كل مسلم لا يفكر في المسجد الأقصى، ولا يحدِّث نفسَه بشد الرحال إليه، يشكل خسارة وفرصة ضائعة لقضية القدس وقضية فلسطين. والعكس بالعكس؛ فإيصال قضية المسجد الأقصى إلى عقول كافة المسلمين، وتشويقُهم جميعا إلى شد الرحال إليه، من استطاع إليه سبيلا، وجعلُهم ينشغلون بهذا الأمر، استعدادا له، أو تحسرا على عدم التمكن منه، وتشوفا إلى يوم الاستطاعة والتمكن.. هذه كلها مكاسب للقضية، وهي مكاسب حتى لكل مسلم هذه حاله. وفي الصحيح أن (النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزاة، فقال: إن أقواما بالمدينة خلْفَـنا، ما سلكنا شِعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر).
    فهذا أولا..
    وثانيا، فإن تحريك المسلمين وتحركهم في هذا الاتجاه، ستكون له في جميع الحالات نتائج إيجابية وآثار مفيدة للقضية..
  • فإنِ استطاع عدد منهم الوصول إلى بيت المقدس، فسينالون ويحققون ما ذكرتُه آنفا من عمارة للمسجد ونصرة لأهله..
  • ومن لم يستطيعوا، بحسب قدراتهم الذاتية، فإن إيقاظ تشوفهم وتشوقهم إلى المسجد الأقصى، هو مكسب كبير في حد ذاته.
  • وأما مَن منعتهم سلطات الاحتلال، في أي مرحلة من مراحل سعيهم، فتلك قضية أخرى ينبغي أن نكون مستعدين لاستثمارها – محليا وعالميا – وجعلها فضيحة للعدو ولسياسته ومزاعمه، فينقلب السحر على الساحر، وعنوانها: أن الاحتلال يمنع المسلمين من زيارة مقدساتهم والصلاة في مسجدهم المقدس..
    وهكذا، فبدلَ أن يظل المنع هدية مجانية مريحة، يقدمها علماء المسلمين وقادة المقاومة الفلسطينية إلى عدوهم، سيظهر المنع على حقيقته، وسيصبح – في نظر العالم – عملا عدوانيا يشكل مصدر إحراج وإدانة للعدو.
    ونتيجةُ هذا التوجه وهذا المسعى، هي ما يلي:
  • متى سمح العدو بوصول المسلمين إلى أقصاهم، فذلك ربح لنا ودعم لقضيتنا وأرضنا وأهلنا..
  • ومتى منعهم من ذلك، فتلك خسارة له، وهدمٌ لدعاياته وادعاءاته.
  • وفي جميع الحالات سيصبح عموم المسلمون – أكثر فأكثر – في حالة اشتباك وتدافع مع العدو، وفي حالة ضغط عليه وإرباك له..
  • وأما الخلط المقصود أو غير المقصود، بين هذه الزيارات المستقلة، الداعمة للقدس ومسجدها وأهلها، والمقاوِمة للاحتلال ومشاريعه، وبعض الزيارات الدعائية التطبيعية، التي ينظمها الاحتلال لبعض المتساقطين المتهافتين، فلا يليق ولا يجوز الوقوع فيه.. فشتان بين زيارات الصمود والنصرة وعمارةِ الأقصى، وزيارات السقوط والمذلة وإذاية الأقصى..
    وختاما،
    نحن اليوم إذا استعرضنا بلدان المسلمين، وأعدادهم الهائلة عبر العالم، نجد – للأسف – أن السواد الأعظم من المسلمين غائبون أو مغيبون، ومهملون ومستبعدون، عن القضية الفلسطينية وعن المعركة ومتطلباتها.. وليسوا حتى في مواقع المتفرجين والمتابعين. وهذه هي الحالة الذهبية المفضلة لدى كافة الأعداء والمخذِّلين..
    وبعض المسلمين قد يلتفتون ويتابعون أحيانا، وفي بعض المناسبات والأحداث، فيتعاطفون ثم ينصرفون إلى همومهم حتى إشعار آخر..
    وبعضهم قد يشاركون في بعض التظاهرات والاحتجاجات، بمعدل مرة أو مرتين في كل عام، مقررين في أنفسهم أن هذا هو كل ما يمكنهم فعله!
    وأحسنهم حالا من يستطيعون إيصال بعض المساعدات..
    ولذلك أغتنم هذه المناسبة لأعرض القضية بصورة أوسع وأعم:
    وذلك أن القادة الفلسطينيين، ونحن بجانبهم ومن ورائهم، عليهم أن يبتكروا من الأساليب والمداخل والوسائل المتجددة، وأن يفتحوا من المعارك والأبواب والمسالك المتعددة، ما يتيح ويسهِّل لكل مسلم ومسلمة الانخراط في شكل أو عدة أشكال، من المقاومة المستمرة والتدافع الدائم والاشتباك المتواصل، مع العدو الصهيوني ومشاريعه العدوانية، قديمها وما يجدُّ منها.. ومن ذلك قضية القدس بكل جوانبها وتشعباتها. وهي قضية شرعية تلقائية، لم يبتكرها أحد. فقط يلزمنا العملُ على تفعيلها، بدل العمل على تعطيلها أو تكبيلها.
    وأسأل الله تعالى التوفيق والسداد والرشاد، بمنه وكرمه.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق