ومضات

السعودية تحيي بدعة اللعن والتشهير فوق المنابر


أ.د أحمد الريسوني
منذ أيام أصدرت السلطات السعودية “المختصة” بيانا باسم “هيئة كبار العلماء”، وصفت فيه جماعة الإخوان المسلمين بكونها جماعة إرهابية. وحذر البيان من الانتماء إلى هذه الجماعة ومن التعاطف معها…
ومباشرة بعد هذه الكذبة التاريخية، أصدرت الجهات “المختصة” تعليماتها إلى خطباء الجمعة بالسعودية، بأن يخصصوا خطبة الجمعة، ليوم (27 ربيع الأول 1442هـ / 13 نوفمبر2020م)، لمهاجمة جماعة الإخوان والتشهير بها واتهامِها بالأباطيل، مع قراءة نص البيان المنسوب إلى “هيئة كبار العلماء”..
وتنفيذا لهذه التعليمات أكد عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للفتوى، الشيخ صالح بن فوزان الفوزان أن “امتثال الخطباء لتوجيه وزير الشؤون الإسلامية عن بيان هيئة كبار العلماء في فضح جماعة الإخوان أمر واجب، لأن في ذلك طاعة لولاة الأمر. وقال الفوزان: يجب الامتثال للتوجيهات، لأن هذا من طاعة ولي الأمر”.
وتنفيذا لذاتِ التعليمات أيضا، حذر خطيب الحرم المكي – أسامة عبد الله خياط – من الانضمام لجماعة الإخوان.. وقال في خطبته الأخيرة التي نشرتها وكالة الأنباء السعودية (واس): إن الانضمام إلى هذه الأحزاب “عاقبته هي الفشل وذهاب الريح، وسوء المصير والعذاب في الآخرة”!
ومن الواضح أن هذه الخطوات المحمومة، قد جاءت لنجدة فرنسا ورئيسها، ودعمهم في حربهم وحملاتهم ضد النشاط الإسلامي في فرنسا، وفي أوروبا عامة.
وقد بلغت هذه الخطوات السعودية درجة غير مسبوقة من السفاهة والطيش، وخاصة بتوريط المساجد ومنابر الجمعة في سياسة الشتم واللعن والافتراء والتشهير، من فوق المنابر المقدسة..!
هذا التصرف الشنيع يذكرنا بما سبق أن فعله بعض سفهاء بني أمية، حين فرضوا على خطباء الجمعة التابعين لهم أن يسبوا ويلعنوا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى رأسهم الصحابي المجاهد والخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. ولكن الله تعالى قيض الخليفة الصالح الراشد، عمرَ بنَ عبد العزيز، الذي قام بمنع هذه الجريمة وتطهير المنابر منها، فور توليه الخلافة.. وبدَلَ ذلك التشهيرِ الحقير، أخذ يقرأ في آخر الخطبة قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
قال الحافظ السيوطي: في (تاريخ الخلفاء): ” كان بنو أمية يسبون عليَّ بن أبي طالب في الخطبة، فلما وليَ عمرُ بن عبد العزيز أبطله، وكتب إلى نوابه بإبطاله، وقرأ مكانَـهُ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان} الآية، فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن”.
وقد قال الشاعر كُثَيِّرِ عَزَّة في مدحه وثنائه على ما فعله عمر بن عبد العزيز:
وَلِيتَ وَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ … بَرِيًّا وَلَمْ تَتْبَعْ مَقَالَةَ مُجْرِمِ
تَكَلَّمْتَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنَّمَا … تُبَيَّنُ آيَاتُ الْهُدَى بِالتَّكَلُّمِ
وقال العلامة مُلّا علي القاري في (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح): “وما أحسن فعلَ عمرَ بنِ عبد العزيز حيث جعل مكانَ سب أهل البيت الصادر من بني أمية فوق المنابر هذه الآيةَ الشريفةَ في آخر الخطبة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).
فبفضل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، تخلص المسلمون من بدعة بني أمية في تلطيخ المساجد والمنابر وخطب الجمعة، لمدة اثني عشر قرنا ونصف.. إلى أن قام بنو سعود بإعادة هذا المنكر الشنيع الذي يشكل عدوانا على حرمات عباد الله، وعلى حرمات بيوت الله. وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق