أصحاب و تلامذة الأستاذ الريسوني

حوار الأصحاب والتلاميذ(1) : مسألة سفر المرأة وسفر الرجل..

حوار الأصحاب والتلاميذ:

د. عادل رفوش :

نعم القول قولكم شيخنا الجليل:

{(وإذا فُهم هذا، فحالاتٌ من السفر تخرج من النهي، وحالاتُ من غير سفر تدخل في هذا النهي.)}

وقد حققه أئمة المالكية وأعلام قبلكم

من مختلف المذاهب : فقد ذكر ابن مفلح في (الفروع) عن شيخ الإسلام ابن تيمية: “وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة كذا قال ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع. وقال بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة ”  (الفروع 3/177).

قال الإمام الباجي رحمه الله في كلام نفيس بعد نقل أقوال الفقهاء في سفر المرأة للحج بدون محرم: “ولعل هذا الذي ذكره بعض أصحابنا إنما هو في حال الانفراد والعدد اليسير، فأما القوافل العظيمة والطرق المشتركة العامرة المأمونة فإنها عندي مثل البلاد التي يكون فيها الأسواق والتجار فإن الأمن يحصل لها دون محرم ولا امرأة، وقد روي هذا عن الأوزاعي” (المنتقى شرح الموطأ 3/17)…. الخ الخ الخ

أحسن الله إليكم أجمعين

أ.د/ أحمد الريسوني :

نعـمَ المَـدَـد، حاضرا جاهزا

د.البشير:

التعليل المستنير بالتقصيد روح تسري في استنباط الاستاذ الجليل. ولقد صدق السيوطي فيما نقله عن الغزالي في كتاب”  الرد على من أخلد إلى الارض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض” حين قال قولته المشهورة” المقاصد قِبلة المجتهدين من توجه إلى جهة منها أصاب الحق” نفع الله بكم

أ.سفيان أبوزيد:

تناول مقاصدي موفق جزاكم الله خيرا شيخنا..

ويظهر والله أعلم بأن نهي المرأة ليس نهيا شرعيا وإنما هو نهي إرشادي، لتجنيبها آفات السفر وللعلة الواضحة الجلية من ذلك النهي وهي انعدام الأمن..

وتوجيه الخطاب إلى المرأة دون المجتمع أو الولي عليها للدلالة الواضحة على تكليفها وأنها مسؤولة وأهل لتوجيه الخطاب لها، وإنما بغض النظر عن وجود الأمن أو عدمه فهي المسؤول الاول عن سلامتها..

وتحديد المرأة بالخطاب رغم أن هناك عنصرا أضعف منها في المجتمع وهو الطفل مثلا، لأن الطفل غير مؤهل ليوجه له خطاب وغير مكلف، وفي الغالب يكون محميا محروسا من طرف والديه..

وللتفاعل مع الفطرة المتجهة تجاه المراة بالحماية أو الاستضعاف..

وللتفاعل مع الواقع إذاك حيث كان سفر المرأة لوحدها مذموما لخطورة عواقبه..

ومن هنا يفهم بأن المقصود هو إرشاد الأفراد وحمايتهم من كل سوء وأذى قد يصيبهم أو يفاجئهم في حلهم وترحالهم، وعلى رأس المرْشَدين المراة لخصوصيتها المشار إليها آنفا..

وتحديد السفر في الخطاب لأنه في الغالب ميدان المخاطر والأهوال والملمات، وعلى هذا التعليل الذي ذكره شيخنا هنا تنسحب العلة على كل حركة يخشى منها أذى في أجواء غير آمنة، والسفر على رأسها..

وما تفضلتم به شيخنا بخصوص “الشيطان” يؤكد هذا النهي الإرشادي الموجه إلى أفراد المجتمع، في مسؤوليتهم على أنفسهم وعدم المغامرة بها في المهالك، والتعبير بالشيطان الذي له معنيان، معنى يطلق على أصل الشر والغواية الداعي إلى الفساد والهلاك وهو إبليس وأعوانه، خاصة في أجواء الخلوة والانفراد وهذا قد يؤذي المسافر في دينه أصالة وبدنه تبعا..

وبالمعنى اللغوي للشيطان الدال على الاضطراب وعدم الانتظام، والذي يترتب عليه مفاسد جسيمة على مستوى الوقت والغاية من السفر والبدن والزاد وغير ذلك مما يعطل الغاية من ذلك السفر ومن كل تحرك ترجى من مصلحة..

والله أعلم..

أ.عبد الرحمن زحل [٠٠:٥٨، ٢٠٢٠/٣/٧]:

شكر الله لشيخنا مقالته وفتواه حول سفر المرأة، ولكل من تفاعل معها من الإخوة الأفاضل. فقد شحذت الهمم للعودة لمذاكرة المسألة والرجوع إلى خلاف المتقدمين والمتأخرين فيها.

نوافق شيخنا الكريم في قوله البديع: (فحالات من السفر تخرج من النهي، وحالات من غير سفر تدخل في النهي)، وسؤالي له سؤال مستفسر متعلم: هل الحالات التي يُفتى فيها استثناء بالجواز بحسب كل امرأة وسفر والمقصد منه ودرجة الحاجة إليه، أي أن القاعدة هي المنع ويرخص بحسب الضرورة أو الحاجة إلى السفر؟ أم تعمم الفتوى بضوابطها المذكورة ويحال تحقيق مناطها على النساء أو أوليائهن فينظرون تحقق تلك الضوابط فيهن وفي أسفارهن من عدمه؟

ثم استفسار آخر لشيخنا حول حديث ابن عباس الذي فيه إطلاق السفر دون تقييد، ألا يُرجح على روايات التقييد بسبب اضطرابها؟ وضمنيا هل هذا من مسالك الترجيح المعتمدة مطلقا، أقصد: هل الرواية المضطربة دائما مرجوحة أمام السالمة من الاضطراب عند عدم إمكان الجمع؟

ثم لأستاذنا الدكتور رفوش أقول: لعل الخلاف المذكور مقيد بالسفر الواجب من حج أو عمرة (عند من يوجبها). أقصد ما ذكر عن الشافعية وكذا ما يُفهم من كلام الباجي رحمهم الله، لتخصيص الحج بالنص عند من استثناه. ولذلك نعتوا قول من جعله في كل سفر بالشذوذ والغرابة ومخالفة النص، كما قال ابن حجر عند ذكره مذهب الشافعية في المسألة: (والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات، وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة، وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب: تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا، وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة ، وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها واستحسنه الروياني، قال: إلا أنه خلاف النص ) الفتح: ج4/ص557.

فإن وقفتم رحمكم الله على من يعممه على جميع الأسفار غير القفال فأفيدوني يرحمكم الله.

أ.د/ أحمد الريسوني [١٥:١٠، ٢٠٢٠/٣/٧]: تفاعلا مع الأخ العزيز الأستاذ أبي عبد الله، وجدت عندي في (نظرية المقاصد عند الإمامة الشاطبي) ما يلي:

“تطرق القاضي أبو بكر بن العربي لشرح الأحاديث النبوية الناهية عن أن تسافر المرأة -سفرًا بعيدًا- إلا مع أحد محارمها(في عارضة الأحوذي). وبعد أن بين الحكمة في هذا النهي، وهي صيانة المرأة وتحصينها من أي امتهان لكرامتها أو تعدّ على عرضها. قال:

 “ولما ثبت هذا الأصل، وفهم العلماء العلة، قالوا: إنها يجوز لها السفر في الرفقة المأمونة الكثيرة الخلق الفضلاء الرجال. وقال أبو حنيفة: بل عين المحرم شرط. واعجب له يعلل العبادة، ويقول إن معنى المحرمية التعظيم، والغرض من عبادة الزكاة: سد خلة الفقراء، فتجزئ فيها القيمة، ثم يأتي إلى هذه المسألة ولا يعللها، ويدعي أن المحرم عين معينة فيها! وإن هذا الشيء عجاب”.

ثم استدل على جواز سفر المرأة بدون محرم -إضافة إلى ما سبق- بما جاء في بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، من أن المسلمين سيأتي عليهم من الأمن، حتى تخرج المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله عز وجل. ثم قال مقررًا مدار المسألة على حكمتها ومقصودها: “والأصل في ذلك ما نبهْنا عليه من وجود الأمن بأي وجه كان”.

ففي ضوء هذا، يقدر كل واحد أمره، ويحفظ دينه وعرضه، دون إحراج ولا إضرار. والمؤمن فقيه نفسه وأهله. فليس كلام القاضي مدعاة للتحلل والتراخي في صيانة الأعراض، ولكنه الإنصاف والفقه المقاصدي السديد، من غير إفراط ولا تفريط.

أ.سمية نجمي [١٥:١٥، ٢٠٢٠/٣/٧]:

من فضلكم أستاذي الجليل : هل هناك معيار مضبوط لتفسير خطاب التكليف ؟ من حيث تصنيفه : هل هو خطاب تعبدي ام فهمه يرتبط بالسياق والقرائن؟ فيختلف تنزيله باختلاف الظروف.

أ.د/ أحمد الريسوني [١٥:٢١، ٢٠٢٠/٣/٧]:

منه ما هو واضح بنصه أو باجمةع العلماء عليه.

ومنه ما فيه مجال للنظر والاجتهاد، بحسب موضوعه، أن بالنظر في صيغته وسياقه، او بالنظر فيما يترابط معه من معاني الشرع واحكامه…

أ.سمية نجمي [١٥:٢٢، ٢٠٢٠/٣/٧]:

حفظكم الله

أ.عبد الرحمن زحل[١٧:٢١، ٢٠٢٠/٣/٧] :

جزاكم الله خيرا على تفاعلكم وسعة صدركم. فقد فهمت منكم أن علة النهي عن السفر “البعيد” دون محرم للمرأة هو الخوف عليها، فمتى تحقق أمنها بيقين أو غلبة ظن سقطت الحرمة. ومتى غلب على الظن فقدان الأمن عليها ثبتت الحرمة في السفر أو غيره. مما يجعل الفتوى مرتبطة بعلة الحكم تدور معها اطرادا وعكسا، لا ترخيصا لأهل الحاجة والضرورة كما يظهر من الإفتاء بها مجردة عن دليلها.

فأحببت بيان ذلك منكم، لأن كثيرا ممن يتوسعون في التعليل المقاصدي بتفريطهم في الأصول يُخرِّجون على فتاوى بعينها فتاوى أخرى مبتعدين عن مستند الفتاوى الأصلية بعد السماء عن الأرض. فشكر الله لكم هذا البيان المفصل.

د. محمد بولوز [٠٧:٢٥، ٢٠٢٠/٣/٩]:

اخي سفيان، لم افهم فقرتك الاخيرة: “وبالمعنى اللغوي للشيطان الدال على الاضطراب وعدم الانتظام، والذي يترتب عليه مفاسد جسيمة على مستوى الوقت والغاية من السفر والبدن والزاد وغير ذلك مما يعطل الغاية من ذلك السفر ومن كل تحرك ترجى من مصلحة..”

فهل اسم الشيطان عندما يرد في نص شرعي يحيل على معنى اخر غير الشيطان المعروف من الجن او الانس!؟

أ.سفيان أبوزيد [٠٩:٢٠، ٢٠٢٠/٣/٩]:

أستاذي الكريم..

لكل لفظ إطلاقان لغوي واصطلاحي شرعي فالأصل في خطاب الشرع أن يكون الاطلاق شرعيا إلا أنه أحيانا من خلال السياق وبعض القرائن، قد يبقى اللفظ على لغويته، كما ورد في تشبيه الكلب الأسود بالشيطان، كما شرح الوضوء في بعض الأوضاع بغسل اليدين أو مطلق النظافة كما في حديث أكل لحم الإبل.. وهنا كذلك كما ذكر الشيخ الريسوني، في إنه ليس بشيطان وإنما شبه بالشيطان، وجامع التشبيه مفسدة الاضطراب، والقرب من المعصية…

حفظكم الله

سفيان أبوزيد

د. محمد أحمين:

معاملة المرأة مقياسٌ للتحضر والتخلق

 الأستاذ أحمد الريسوني

روى الإمامان البخاري ومسلم في حديث طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:”كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدِمنا المدينةَ وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم … فتغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرتُ أن تراجعني. فقالت ما تنكر أن أراجعك؟! فوالله إن أزواج النبي — صلى الله عليه وسلم– ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فانطلقت فدخلت على حفصة (ابنته)، فقلت أتراجعين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟! فقالت نعم. فقلتُ: أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟! قالت نعم. قلت قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله — صلى الله عليه وسلم– فإذا هى قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله — صلى الله عليه وسلم– ولا تسأليه شيئا، وسلينى ما بدا لك…”

وقد دل هذا الحديث على أمور عديدة منها:

1 – أن العلاقة الزوجية لدى أهل مكة القرشيين، كانت قائمة على غلبة أساس الرجال للنساء. فالكلمة كلمة الرجل، والشأن شأنه، والصوت صوته، ولا صوت للمرأة يعلو مع صوته، ولا شأن لها فيما يفعله وفيما يتركه.

2 – أن الأمر عند أهل المدينة كان على خلاف هذا، فالأنصار قوم تغلبهم نساؤهم، أو نقول: كان الأنصار يتركون الغلبة لنسائهم؛ فلهن شأن مرفوع، ولهن رأي مسموع، ولهن نفوذ مع أزواجهن. وهذا هو السلوك الذي وصفه عمر بأنه “أدب نساء الأنصار”، كما في رواية للبخاري. وبفضل هذه المكانة المحترمة للمرأة المدنية الأنصارية، تميز نساء الأنصار بشجاعتهن في البحث والسؤال عن أحكام دينهن الجديد، حتى فيما يشوبه الحياء والخجل والتحرج. وها هي القرشية أم المؤمنين رضي الله عنها تشهد للأنصاريات بذلك، حيث قالت: “نِعْمَ النساءُ نساءُ الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه”

3 – أن النساء القرشيات المهاجرات إلى المدينة بدأن يتأثرن ويقتدين بنساء الأنصار، في ممارسة نوع من الغلبة أو المغالبة، وذلك بمزاحمة أزواجهن في الرأي والقرار والمعاملة.

4 – أن معاملة رسول الله وعلاقته بنسائه كانت على نحو ما عند الأنصار وعلى وفق”أدب نساء الأنصار”. أو بعبارة أصح، كان أدب الأنصار ونساء الأنصار على وفق الهدي والأدب الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يسمح ويتحمل أن تناقشه أي واحدة من زوجاته وأن تراجعه في رأيه وتصرفه، وأن تهجره طيلة النهار، تعبيرا عن مغاضبة ومعاتبة، أو لأجل طلب لم يستجب لها فيه …

5 – أن زوجة عمر رضي الله عنها وعنه، بدأت تتأسى بالنموذج النبوي وبالنموذج المدني، وسندها في ذلك ما كانت تسمعه من ابنتها حفصة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلذلك تشجعت وأقدمت على مراجعة عمر في شأن من شؤونه، رغم شدته المعروفة، ورغم صخبه وغضبه عليها.

وعموما نستطيع أن نقول: إن هذا الهدي النبوي المتسم بالاحترام والتكريم والتسامح والإيثار في معاملة المرأة، وكذلك خُلق الأنصار مع نسائهم، المطابق للهدي النبوي… إن هذا قد أحدث نقلة نوعية في معاملة النساء في البيئة العربية التي كانت سمتها السائدة هي غلبة الرجال للنساء.

بل إن غلبة الرجال للنساء وسيطرتهم عليهن، هو الوضع السهل السائد لدى عامة الأمم والشعوب، قديما وحديثا. وليس في هذا أي فضل أو مزية أو رقي، بل الفضل والمزية والرقي هو ما يتحقق في عكس ذلك. فلهذا جاء الإسلام ينقل الناس ويدربهم على ما فيه الفضل والمزية والرقي. وهذه النقلة والترقية ليست بالشيء الميسور على من اعتاد خلافها فرديا وجماعيا، وهذا واضح في موقف عمر وما حكاه عن قومه وعن نفسه، رضي الله عنه. فهو حتى حينما تحقق من نمط المعامة السائدة بين رسول الله وزوجاته، وحتى حينما “غلبته” زوجته (عاتكة) بقوة حجتها، فإنه لم يستسغ الأمر ولم يرض من ابنته خاصة أن تتجرأ على رسول الله بالمراجعة والمغاضبة، حتى في حياتهما الزوجية .

وقد أخرج الإمام مالك في موطئه “عن عاتكة بنتِ زيد بن عمرو بن نفيل — امرأة عمر بن الخطاب — أنها كانت تستأذن عمر بن الخطاب إلى المسجد فيسكت، فتقول: والله لأخرجن إلا أن تمنعنى. فلا يمنعها”. إنه المنطق الجديد والسلوك الجديد بدأ يفرض نفسه، ويُعلِّم الناس الغلبة بالعدل والإحسان، بديلا عن الغلبة بالقوة والشدة.

وفي سبيل ترسيخ هذه النقلة وقِـيَمها وثقافتها، نجد أيضا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله — صلى الله عليه وسلم– «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

فمعيار الخيرية والأفضلية هو معاملة الإنسان لأهله، أي لزوجته وأهل بيته. فأفضل الناس دينا وخلقا هو أحسنهم معاملة لأهله، وأحسنهم خلقا مع أهله، والعكس بالعكس.

وهذا الحديث يشير إلى وضع اجتماعي فاسد، ولكنه سائد؛ وهو أننا نجد كثيرا من الناس على قدر مرموق من حسن الخلق ومن حسن المعاملة، في علاقاتهم مع أصدقائهم وزملائهم ورفقائهم، فتجد عندهم الكثير من الرقة والبشاشة والأدب والإيثار والتسامح … ولكنك تجدهم مع أهلهم وداخل بيوتهم على خلاف هذا، إن لم نقل على عكس هذا…!

وما زال كثير من الرجال يعتقدون أن من تمام رجولتهم وقوامتهم، أن يفرضوا إرادتهم واستبدادهم وغلبتهم وخشونتهم على نسائهم، ويعتقدون أن مراعاة آراء المرأة المخالفة لآرائهم، والتنازلَ عن رغباتهم لرغباتها، وخفض الجناح لها، هو نقصان وضعف لا يليقان برجولتهم ومكانتهم. فلأجل ذلك ولأجل هؤلاء قال عليه السلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

على أن من مواريثنا الخلقية الجميلة التي مازالت تحتفظ بشيئ من بقاياها في مجتمعاتنا الإسلامية، إيثار المرأة بالمساعدة والتقديم والنجدة، كما نجد — مثلا — في مواطن الازدحام والانتظار، وعند الحاجة إلى مقعد للجلوس في القطارات والحافلات ونحوها، أو عند التبضع في الدكاكين …

هذا السلوك الكريم أصله في سنن الأنبياء، كما حكى القرآن عن موسى عليه الصلاة والسلام: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص/​23، 24]

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى