حواراتحوارات صحفية

تنمية الوقف العابر للقارات (حوار)

نشر في التجديد يوم 20 – 01 – 2004

حاوره: أبو محمد الأمين

محتاجون إلى تنمية الأحباس ذات الصلة بالخدمات الاجتماعية … وعلى المنظمات الإسلامية الرسمية تنمية الوقف العابر للقارات

على حكومات الدول الإسلامية ووزراء أوقافها اتخاذ مبادرات لوقف حملات التشويش المصوبة إلى العمل الخيري والإغاثي.

ضرورة فتح أبواب جديدة للوقف خاصة الوقف الاجتماعي وعدم الاكتفاء بتحسين الموجود منه والمتعلق بالوقف على المساجد، مع إشراك العلماء والجمعيات غير الرسمية للمساهمة في تفعيله

سؤال تمهيدي، ومن الناحية الشرعية، نريد أن نسأل الدكتور أحمد الريسوني ما الذي يميز الوقف عن باقي مصادر التمويل الإسلامي من زكاة وكفارات وصدقات؟

بسم الله الرحمان الرحيم، من أهم ما يميز الوقف هو أن بابه مفتوح وغير محدود ، فالزكاة محدودة، ونستطيع حسابها كما تحسب الضرائب، وغيرها محدود وضئيل مثل الكفارات والصدقات، لكن باب الوقف مفتوح على مصراعيه، وبما أنه ينصرف عادة بالدرجة الأولى إلى العقارات، (الأملاك)، وهذه العقارات هي الأملاك الحقيقية، فالأوقاف مع مرور الزمن تتراكم وتصبح ثروات خيالية، فلدى المسلمين أحباس تتراكم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم وعبر العصور حبس كثير من أثرياء المسلمين (نساء ورجال)، وحتى من له قدر متواضع من المال، فهو يرى أنه من غير المعقول أن يموت ولا يخلف شيئا وهو يجد ما يخلف، فكأنه قد انقطع ذكره ومدخوله إذا لم يترك شيئا، فكان كل واحد يحرص على تحبيس جزء من ماله، فهذا المال الذي يتراكم بلا حدود ليست له مقادير ونسب محددة، حتى إن كثيرا من الناس كانوا يحبسون جميع ممتلكاتهم إذا لم يكن لهم ورثة، فهذه هي الميزة الأولى.
أما الميزة الثانية، وهي الاستمرارية لمورد الوقف، بما هو صدقة جارية مستمرة، فالإنسان قد يتصدق وينفق مبالغ قليلة أوكثيرة، ولكن ينفقها في مناسبات معينة، يطعم ويكسو ويعلم وينقذ ويغيث المستغيثين، وينقضي ذلك في حينه، ويؤدي رسالته في وقته ومناسبته، لكن المحبسين يضعون موارد ونفقات ومرافق تستمر على مر الأجيال والقرون.

وهذه أهم ميزات الوقف على باقي موارد الدولة والمجتمع الإسلامي.


بعض الآثار في المجتمع المغربي تدل على معرفة المغاربة بالوقف والحبس، مثل قاعات الصلاة، دعاء للمحبسين بالرحمة دبر الصلوات، ولكن يلاحظ ضمور لحركة التوقيف والوقف، إلى ما ترجعون سبب هذا الضمور؟

ليكون الوقف معروفا لدى المغاربة أكثر، يجب أن يسمى بالاسم الذي اشتهر به في المغرب وهو الحبس فقد ساد في المشرق الإسلامي لفظ الوقف والأوقاف، وساد في المغرب استعمال لفظ الحبس والأحباس والمحبسين فإذا أردت أن تخاطب المغاربة يجب مخاطبتهم بالتحبيس والمحبسين والحبس.
أما الضمور في الوقف فعام وواسع، لأن الدولة الحديثة والثقافة الحديثة همشت الوقف، بل أكثر من هذا، هناك بعض الدول والمؤسسات والوزارات نافست الوقف، وبعضها حارب الوقف في بعض الدول الإسلامية، وفي المغرب في عصر الحماية حورب الوقف بقوة، كشف عنها بشكل جيد المرحوم المكي الناصري في كتيبه المعروف الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية، وبين السياسة الاستعمارية تجاه الوقف.

ومن جهة أخرى، فالوقف كأي عمل من أعمال الخير وأعمال المعروف، إذا لم يكن الأمر بها والحث عليها والتذكير بها والترغيب فيها متواصلا، فإنها تتناقص ثم تتوقف.
وأعرف عددا من وزارات الأوقاف ومؤسسات غيرها رسمية وشعبية في عدد من الدول، لا تفتأ في كل وقت وحين تنظم الندوات والمحاضرات، وتصدر المطبوعات، وتعقد الاجتماعات المرغبة في الوقف وإحيائه في نفوس الناس، وتبين أهميته وفضله وعظيم أجره، ووظائفه السامية. وعملية الترغيب والبيان والإقناع والحث، كل هذه الأشياء لا أراها في كثير من المجتمعات الإسلامية، وبذلك يتناقص التحبيس بتناقص الدعوة إليه والعناية به.
إضافة إلى هذا، هناك سبب ثالث في هذا الضمور، وهو التأميم الكامل وشبه الكامل للأحباس، وهذا يحد من مبادرة الناس، فالحبس يجب أن تبقى أبوابه كلها مفتوحة وممكنة وميسرة، ومن أراد أن يحبس ويسلم ذلك للمؤسسات فله ذلك، ومن أراد أن يسير بنفسه وبأية طريقة أخرى يبقى له ذلك.
أما إذا اقتصر الوقف على المؤسسات الرسمية والوصاية الرسمية والتيسير الرسمي فهذا يضيق من أبواب الوقف.
هذه عوامل كلها تسهم في تقليص تدفق الوقف في مجتمعنا.

هذا يطرح أستاذ السؤال عن دور المؤسسات الأهلية في تفعيل الأوقاف وتجاوز وضعية الضمور التي يعاني منها؟

الأصل في الأحباس كلها أن تخضع لشرط المحبس، فإذا كان من شرط المحبس أن حبسه يخضع للتسيير بطريقة معينة ويتبع هيئة معينة، ولإمرة معينة فيجب احترام ذلك.

ومن لم يكن له وصية بذلك، يمكن للدولة أن تشرف على هذا الحبس وتضمه إلى الأحباس التي تقع تحت رعايتها وتحت وصايتها، وحتى في حالة سكوت المحبس عن طريقة إدارة حبسه وتسييره يمكن للدولة من باب تشجيع المجتمع والاستعانة بطاقاته أن تلجأ هي بنفسها إلى تشجيع مؤسسات للأوقاف خاصة تلك التي ليست من الأجناس والأصناف التي تخضع للدولة (المساجد وما يرتبط بها)، فالأحباس من المفروض أن تتجه إلى كافة المرافق والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للدولة والمجتمع، ففي هذه الحالة إذا تنوعت هذه الاختصاصات يستحسن إسناد بعض الأوقاف إلى تعاونيات وجمعيات ومنظمات، بل حتى إذا كان المحبس حبس حبسا ذا طبيعة عائلية (بني فلان، وعائلة فلان، وآل فلان…) ويريد أن يكون التسيير منهم، ففي هذه الحالة يمكن المحافظة على هذا النوع من التسيير وتشجيعه ومساعدته ليكون منظما وكفؤا.
وكذلك الأحباس التي تكون على الجمعيات أو على طرق صوفية أو ما إلى ذلك كل هذا يجب احترامه وتشجيعه وتنويع أساليب تسييره من باب توسعة الأبواب على المحسنين وتشجيعهم.


هناك آراء ترى أن من أسباب تقلص الوقف هو التأميم، وهذا التأميم كان له أثره في الحد من حركة العلماء، إذ كانوا يتقاضون أجورهم من أوقاف مستقلة وبالتالي كانت حركتهم أوسع؟

هذا ليس له تأثير على حركة الوقف، ولكن له تأثير على حركة العلماء وعلى استقلاليتهم، وعلى مدى قدرتهم على المبادرة، فهذا شيء طبيعي ومعروف، إذا كانت معيشتهم بيد الدولة، ورواتبهم وأرزاقهم، فعادة يصبحون إلى حد كبير مرتبطين بإشارة الدولة وأمرها ونهيها وسياستها ومبادراتها أوعدم مبادرتها.
وهذا واقع لاشك فيه، لكن بطبيعة الحال إذا كان الوقف المستقل سابقا قد أعطى للعلماء استقلالية وحركية أكبر، فإن هؤلاء العلماء هم الذين يصنعون الوقف، وهم الذين يصنعون حركة المجتمع، والعلماء وليس كلهم مرتبطين بالوقف فهناك علماء مرتبطون بالدولة بأسباب أخرى كالوظائف ورغم ذلك يستطيعون أن يحافظوا على قدرتهم على المبادرة المستقلة، وهؤلاء هم المدعوون لإعادة الأمور إلى نصابها، ومن نصابها تصحيح هذا الاختلال.
وكما ذكرت سابقا لا بد أن تتعدد أوجه الوقف وأوجه تسييره وطرق الإشراف عليه حتى يكون ذلك للعلماء وللجمعيات والمجتمع بصفة عامة تمشيا مع سياسة اللاتمركز.


المشروع الجديد لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية جاء بتنمية الوقف واستثماره ليقوم بدوره، وهذا ولاشك أمر محمود، ولكن ألا يطرح هذا الاستثمار مثلا بعض الاختلالات الشرعية مثل استثمار الأوقاف في معاملات ربوية أو تغيير أصل الوقف؟

شخصيا أتصور وأفترض أن التدخل الشرعي قائم، ولاشك أنه هو الذي يحرك مثل هذه المبادرة التي تدفع بالوقف إلى أن يصبح أكثر حفظا وأمانة وفاعلية ونموا، لكن ما أظنه يغيب على وزارة الأوقاف بصفة خاصة هو أن الاستثمارات والمبادرات التي تتصرف في الوقف يجب مراعاة شروط الواقفين فيها ما أمكن وما كان لذلك وجه، أقول هذا، لأن هناك حالات لا يتردد العلماء في الإفتاء بتغيير ما فعله الواقف مثل توقيف أرض على مسجد، ثم تصبح تلك البلدة أو القرية مهجورة تماما، فيمكن أن نبيع ذلك الوقف أو نحوله أو ننقله إلى مكان آخر، وهناك حالات كثيرة خاصة مع تقادم الأزمان، فالمحبس نفسه لا يتصور الحالات والتغيرات التي ستطرأ أو تقع، فالعلماء بكل أمانة وبكل إخلاص يحلون محل هذا الواقف، ويستحضرون نيته وقصده ثم يجتهدون بما يناسب.
إذن، فما تقوم به وزارة الأوقاف لابد أن يكون برعاية العلماء ورقابتهم واجتهادهم، فإذا كان الأمر كذلك، فلاشك أنه إذا وقع نقل أو تحوير أو مبادلة فإن كل ذلك سيقع، إذا لم يكن بناء على نص المحبسين ولفظهم، فإنه سيكون عند الضرورة مستحضرا لمقاصدهم وغاياتهم ونياتهم من الناحية الشرعية.
أما أن يستثمر في شيء فيه حرام أو شبهة حرام، فإن هذا مستبعد على الأقل بالنسبة لوزارة الأوقاف، ولا يتصور أن تقع في شيء من مثل هذا.
لكن ما يلاحظ على هذه المبادرة الرامية إلى تنمية الوقف هو أني لم أر فيها أنها تفتح بابا للأوقاف الجديدة، لأن الأوقاف القديمة التي تراكمت عبر القرون، تسد ما نعرفه من جبهات عظيمة وجليلة وخاصة في المساجد وما يرتبط بها ويخدم وظائفها، وفي القرآن الكريم وما يتصل به.
ولكن هناك حاجات للمجتمع لأن يظل يحبس باستمرار عقارات جديدة، وأموالا جديدة، لأن هناك احتياجات جديدة استجدت في المجتمع، بل أكثر من هذا، وزارة الأوقاف وهي الوصية والتي يجب أن تكون رائدة في هذا المجال يجب أن تستعيد قطاعا كبيرا من الأوقاف اختفى وتلاشى، وهو الأوقاف الاجتماعية والأحباس الاجتماعية. الآن وزارة الأوقاف تتبع لها مثل الاهتمام بالمساجد واحتياجاتها والقيمين عليها، لكن الأحباس المغربية وفي غير المغرب، في العالم الإسلامي كله كانت في خدمة الطلبة و البحث العلمي والمستشفيات والمحتاجين والأرامل والعاطلين واليتامى وما إلى ذلك.
الشيخ محمد الغزالي رحمه الله يوم عين وكيلا لوزارة الأوقاف في مصر يحكي في بعض كتاباته، أنه قال وجدت دولة داخل دولة، إذ وجد أقساما مكلفة بالفلاحة والاستصلاح الزراعي وأقساما مكلفة بالمستشفيات والصحة وبطلبة العلم وأقساما مكلفة بالزمنى والأرامل والأيتام والمشردين… فهذه المصالح والمرافق اختفت، ونحن في حاجة إلى أوقاف جديدة لهذه الغايات بالضبط، فنحن نجد الناس الذين يحبسون للمساجد مازالوا مستمرين في ذلك ولله الحمد، ولو أن هناك نقصا، لكن التحبيس لأجل هذه الخدمات الاجتماعية انعدم تقريبا وانقطع، وعليه، فوزارة الأوقاف مدعوة بمساعدة الأطراف الأخرى من علماء وخطباء ووجهاء في كل المدن المغربية، بل حتى في القرى المغربية، مدعوة إلى أن تفتح الباب من جديد لمحبسين جدد ليحبسوا في المجالات الاجتماعية، وتضمن لهم سلامة أحباسهم وأمانة تسييرها.
فهذا الباب أكبر ولا بد من فتحه لتنمية الوقف، وبعده تأتي تنمية ماهو موجود وتحسينه.


المغاربة أوقفوا أوقافا في دول إسلامية غير المغرب مثل فلسطين والأندلس، كيف يمكن استثمار المشروع الجديد في ظل العولمة لتمتين وحدة الأمة؟

هذا في الحقيقة أصبح اليوم متوقفا على مبادرة الدول، لأن الأحباس التي يمكن تسميتها أحباسا عابرة للقارات وللأقطار وللحدود الجغرافية، أصبحت الآن عسيرة جدا، لأن نقل الأموال والمعاملات المالية، إذا لم تكن هناك تسهيلات حكومية وتشريعية من هذه الدول، فالأمر يتعذر.
وشخصيا أتصور، أنه في نطاق منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي نطاق منظمة الإيسيسكو ورابطة العالم الإسلامي وفي غيرها من المنظمات شبه الرسمية والرسمية يمكن القيام بمشاريع تدعو المحبسين إلى الإسهام فيها من العالم الإسلامي كله.
لكن بعد الاتفاق مع الدول لتسهيل نقل الأموال وتسهيل التوثيق، يمكن تنفيذ مشاريع وقفية مثل إنقاذ القدس، ودعم المؤسسات العلمية والتعليمية أو الطبية في فلسطين وفي غيرها من الأقطار الإسلامية، وإقامة مدارس وجامعات في إفريقيا ومشاريع خيرية للفقراء والأيتام في القوقاز… وما إلى ذلك.
ونحتاج لتحقيق ذلك إلى هيئات إسلامية دولية، لكن بطبيعة الحال بمساهمة الدول، ويستطيع مجلس وزراء أوقاف الدول الإسلامية أو العربية اتخاذ مبادرات من هذا القبيل.


ألا تعترض الحرب التي تشن على المؤسسات الخيرية والإغاثية نجاح هذه المبادرات، كيف يمكن التنسيق بين الأطراف المتدخلة في الوقف لتجاوز هذا الاعتراض؟

هذا التنسيق إذا كان تحت إشراف الحكومات ومراقبتها ومساعدتها ومساهمتها، فإنه سيقطع الطريق تماما أمام هذه الحرب، ولأن المشاريع الخيرية والحبسية والإحسانية يجب حقيقة وضرورةأن تكون شفافة لأسباب وغايات عديدة.
فالشفافية والقانونية وإشراك الدول في الرعاية أو المساهمة أو الإشراف، كل هذا يقطع الطريق على هؤلاء المشككين والمشوهين والمشوشين على حركات العمل الخيري الإسلامية.


كلمة توجيهية أخيرة في الموضوع؟

ونحن نتحدث عن الأحباس بالمغرب، لا يفوتنا أن نذكر القرويين أعظم حبس في تاريخ المغرب، ولا ننسى أن هذا الحبس أقدمت عليه فتاة مسلمة، فالقرويين التي كانت تعد في وقت من الأوقات: أغنى شخص في المغرب، شخص معنوي واعتباري، حتى إنه في وقت من الأوقات احترقت كل وثائق أحباس القرويين في فاس، فاعتبر ناظر الأحباس أن جميع أملاك فاس هي للقرويين إلى أن يثبت العكس، فمن أثبت ملكيته لدكانه أو منزله أو أرضه فذاك، وإلا فملكها للقرويين، إذ الأصل في أملاك فاس وما جاورها أنها للقرويين وتابعة للقرويين، فكان المغاربة يحبسون على القرويين في كافة أنحاء المغرب، وأنا أقول: إذا كان المؤرخون المصريون يقولون مصر هبة النيل، فأنا أقول المغرب هبة القرويين، والقرويين هبة الوقف وهبة امرأة مسلمة، وإلى هذا الحد يستطيع الوقف إذا كان خالصا لوجه الله أن يغير مجرى التاريخ ويصنع التاريخ والحضارة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى