أبحاثأبحاث فقهية

تولي المناصب المختلطة بالحرام في ضوء النظر المقاصدي

تولي المناصب المختلطة بالحرام في ضوء النظر المقاصدي


أجمد الريسوني نشر في التجديد يوم 27 – 06 – 2013

موضوع هذه الورقة هو: النظر المقاصدي في حكم تولي بعض الولايات العامة والمناصب المهمة، حين تكون ممتزجة وملوثة بالفساد والحرام، فيكون من يتولى عليها ملزما بالتعامل والتعايش مع ما تشتمل عليه أعمال المنصب وتوابعُه من محرمات ومفاسد ومنكرات.
وذلك أن بعض المتدينين وذوي الاستقامة والنزاهة، قد تسند إليهم، أو تعرض عليهم، أو تتاح أمامهم، مناصب ووظائف سياسية وإدارية ومالية من هذا القبيل – كوزير ووكيل وزارة ورئيس ومدير…- فيتحيرون: هل يتقدمون إليها، أو يفرون بدينهم ونظافة ذمتهم منها؟.


من أمثلة ذلك:
تسيير مؤسسات سياحية أو إعلامية أو فنية تعج بالمحرمات التي يلاقيها ويتعامل معها كل من يدخل هذا المجال؛ كالعري والتبرج الاستعراضي، وشرب الخمر في المجالس والحفلات، والاختلاط الماجن وما يتبعه من علاقات، وكترويج فكر إباحي أو لاديني.
إدارة أموال وممتلكات ومؤسسات عمومية يكثر فيها السلب والنهب والتبذير، وربما حتى الإنفاق في بعض المحرمات الأصلية.
المناصب القضائية، بما يجري فيها وتحتها من فساد عريض وظلم أكيد، وبما أصبح فيها من قوانين وضعية مخالفة للشريعة.
مناصب الإدارات الحكومية التي من بين صلاحياتها منحُ رخص بيع الخمر أو إنتاجِه أو استيراده، والقيامُ بالمراقبة القانونية للنشاط الصناعي والتجاري في هذا المجال.
ومثلها الإدارات المكلفة والمشرفة على إنتاج التبغ (الدخان) واستيراده وبيعه، مع العلم أن الإجماع الفقهي قد انعقد في هذا العصر على تحريم تعاطيه، ومن ثم تحريم كل ما يخدمه.
الإدارات المكلفة بالإشراف على فتح الفنادق وتسييرها، وفي معظم البلدان الإسلامية وغيرها، نجد أن الفنادق قد أصبحت ميدانا لرواج الخمور والمخدرات، والممارسات الجنسية المحرمة، وألعاب القمار، والمسابح المختلطة بين العراة نساء ورجالا.
المؤسسات المالية والاقتصادية، التي أصبحت مكبلة ومطوقة بالمعاملات الربوية (بنوك وشركات ومؤسسات مالية حكومية).


التفريق بين الدواعي الخاصة والدواعي العامة


تولي المناصب والوظائف في مثل هذه المؤسسات وفي مثل هذه الحالات، قد يكون اختيارا فرديا لغرض خاص، وقد يكون لهدف إصلاحي ومصلحة عامة. فأما الحالات الفردية الخاصة، فينظر الفقهاء في حكمها من ثلاث زوايا:


1. من زاوية التحريم الأصلي لكل ما فيه محرم، ومن خلال قاعدة «إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام»
2. من زاوية حجمِ الحرام ونسبتِه إلى ما هو مشروع ومباح، فيُتغاضى عن قليل الحرام ويُرجَّح حكم الإباحة، بناء على قاعدة «اليسير مغتفر»، وإلا فالحكم باقٍ على التحريم.
3. من زاوية الترخيص ورفع الحرج، إذا ما تحققت الضرورة أو الحاجة الملحة. فالضرورات تبيح المحظورات، والحاجة الملحة الممتدة، تُنَزَّلُ منزلة الضرورة.


وهذه الحالات الفردية الخاصة ليست هي موضوع هذا البحث، وإنما ذكرتها للتمييز بينها وبين ما نحن بصدده، بسبب اندراجها في عنوان البحث وصلتها به، وأيضا لاستحضار بعض القواعد المعتمدة فيها، لكونها جارية – من باب أولى – في موضوعنا
وأما موضوعنا فهو: تولي المناصب والوظائف المذكورة لغرض إصلاحي مصلحي.
وأعني بذلك الحالات التي يكون فيها الداعي لتولي هذه المناصب والوظائف، هو إصلاحها وخدمة المصلحة العامة من خلالها.
فأما داعي الإصلاح، فمعناه أن مَن يتولى المنصبَ يكون قاصدا إلى الإصلاح، وعازما على تغيير المنكر أو تقليصه ما أمكن، وتنمية الصلاح والنفع ما أمكن، وليس مجرد طالب للمنصب، لمصلحته ولحظوظ نفسه.
وهذا يعني أيضا: أن المنصب فيه مصلحة عامة في جملته، ولا يتعلق بما هو حرام من أصله ، وإنما يتعلق بما أصله المشروعية والصلاح والنفع، لكن واكَبَه أو دب إليه الفساد والحرام.
وأما المصلحة العامة، فالمراد بها المصلحة المطلوبة شرعا، العائدة بالنفع الديني أو الدنيوي على عموم الناس.


الإصلاح المنشود بين القابلية للتحقق والتحقيق الفعلي


على أن الدخول والاستمرار في تولي مثل هذه المناصب يتطلب – إلى ما سبق – مراعاة ثلاثة شروط أخرى، هي:
1. أن يكون من سيتولاها، يراه غيره – من ذوي الخبرة والصدق – مناسبا وأهلا لها، ويدعونه لتوليها أو البقاء فيها. أما إن كان وحده من رأى ذلك وقدره، فهذا لا عبرة به. وحتى على تحسين الظن بتقديره وقصده، فذلك غير كاف للدخول في عمل ممزوج بالمناكر محفوف بالمخاطر مفتوح على المزالق. قال الإمام مالك رحمه الله: «لا خير فيمن يرى نفسه أهلا لشيء لا يراه الناس له أهلا» .
2. أن يكون الإصلاح المنشود متوقعا قابلا للتحقق، بحسب شروط التولي وظروفه، وليس مجرد تمنيات وهواجس نفس. والنوايا الحسنة، إذا أعوزتها المؤشرات والضمانات، لا تسمح وحدها بالإقدام على مجازفات لا تبشر بخير متوقع بوضوح، ولا ينبغي إدخال ذوي الاستقامة إلى دوامة الفتنة وطاحونة الفساد، بدون ضمانات وتوقعات جدية تسمح بذلك.
3. بعد الدخول، لا بد – للاستمرار في المنصب – أن يظهر مع مرور الوقت تحقق فعلي لما كان مأمولا ومتوقعا من جلب للصلاح ودرء للفساد. لأن المتوقَّع، ولو بدا ممكن التحقق قبل الدخول فيه، قد يظهر بعد التجربة أنه متعذر أو بعيد المنال وغير مضمون. فلا بد إذاً – لأجل الاستمرار – أن يظهر ويتأكد أنَّ تحقق الغرض المنشود يمضي في طريقه، وأنه يقطع خطوة بعد أخرى، على منهج عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، الذي شرحه لولده عبد الملك بقوله: «يا بني… أوَ ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين؟». فهو رائد منهج التدرج والتأني في الإصلاح، ولكنه كان لا يمضي عليه يوم إلا وهو يخطو خطوة وينجز شيئا.


وبناء على ما تقدم:


فالذي أقول به في شأن تولي المناصب المذكورة، على هذه الأوصاف والشروط، هو المشروعية والجواز، بل إن ذلك قد يتعدى مستوى الترخيص والإباحة، إلى مستوى العزيمة والوجوب.


والأدلة على ذلك ما يلي:
1. أن رسالة الأنبياء كافة هي الإصلاح قدر المستطاع، كما قال شعيب عليه الصلاة والسلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. فمن تولى منصبا على نحو ما وصفتُ، وكانت غايته وحصيلته صلاحا للأحوال ظاهرا، ونفعا للعباد غالبا، فهو لم يَعْدُ منهجَ الأنبياء ولم يحد عنه.
2. اتفاق العلماء على أن مجمل مقاصد الشرائع المنزلة إنما هو: جلب المصالح وتكثيرُها، ودرءُ المفاسد وتقليلُها. وهو عين ما نحن فيه.
3. قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة…


منها أن عامة ما في الدنيا من مصالح ومفاسد متداخلة مختلطة؛ فما من مصلحة إلا وفي ثناياها أو أطرافها مفسدة ما، «والمصالح الخالصة عزيزة الوجود»، كما قال عز الدين بن عبد السلام . ومن أراد أن تصفو له المصالح المنشودة عنده، فما أطول ما سينتظر، وما أقل ما سيجني، إن جنى شيئا مما يريد.


ومنها: أن المصلحتين إذا تعارضتا ولم يمكن الجمع بينهما، وكذلك المفسدتان إذا لم يمكن درؤهما معا، وكذلك إذا تعارض جلب مصلحة مع درء مفسدة… فإن الاعتبار – في كل هذه الحالات – يكون لما هو أعظم وأخطر منها، ولو بتفويت المصلحة الأقل، أو ارتكاب المفسدة الأخف. قال الإمام عز الدين بن عبد السلام: «إذا اجتمعت مصالح ومفاسد: فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما، لقوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة… وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة» .


ومنها: أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، وهو ما نحن فيه، حيث يتقدم للمنصب من يتقدم خدمة للمصالح العامة وتضحية منه في سبيلها، لا لمصلحة نفسه. ثم إن المصلحة العامة، ولو لم تكن في مرتبة الضرورة، تُنَزَّل منزلة الضرورة الخاصة، ولذلك فهي تبيح المحظورات متى كانت أقلَّ منها وزنا وأثرا. قال ابن عبد السلام: «المصلحة العامة كالضرورة الخاصة» . فمن هذا الاعتبار أيضا، تُغتفر بعض المحرمات غير المقصودة، إذا كان لا بد منها للوصول إلى إقامة المصالح العامة. علما بأن هذه المحرمات العرضية، يجب أن تكون هدفا للتحاشي والتقليص ما أمكن.


4. إن الفساد المخالط للمباحات والمصالحِ العامة، إذا أصبح متمكنا مستشريا، فلا سبيل إلى إزالته إلا باقتحامه ومدافعته شيئا فشيئا، على قاعدة (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون). وبدون هذا لا يبقى إلا التسليم به وتركُه يتجذر ويتجبر.
5. معلوم أن المؤسساتِ والمرافقَ العامةَ إذا فسدت، لا يبقى فسادها منحصرا فيها، بل يتعداها، فتصبح مصدر إفساد لعموم المجتمع. والعكس بالعكس. ففسادها مُتعدٍّ وصلاحها متعد. ومن هنا تتضاعف أهمية العمل على انتشالها ومعالجتها واستئصال أورامها، ويصبح ذلك مطلبا شرعيا وشعبيا. وأما اجتناب الصالحين والمصلحين لتولي مثل هذه المناصب العامة، والإفتاءُ لهم بذلك، فيجعلان إصلاحها ميئوسا منه، ويجعلها لا تزداد – على مر الأيام – إلا فسادا. بينما توليهم لها يقلل من حجم الفساد ويردعه، وينمي فيها الصلاح ويشجع عليه.
6. إن مَن يتولى مَرفقا من هذا النوع ، ويقوم بما هو مستطاع له من تقليص مستمر لفساده وضرره، وتوسيعٍ متزايد لمنافعه وإيجابياته، يكون مصلحا ومحسنا. فهو مأجور على ما يقصده وما يحققه من ذلك. وأما ما يقع تحت يده وفي دائرة منصبه، من فساد لا يقصده هو ولا يرضاه، مما لم يستطع الوصول إلى تغييره، فهو في ذلك معذور. بل يكون أيضا مأجورا إذا كان منكرا له بقلبه، ولم يألُ جهدا في سبيل تغييره.
7. إن من يتسم بالصلاح والنزاهة والجدية، إذا ما تولى الرئاسة والقيادة في أي مؤسسة، فإن مجرد مكانته ورئاسته تلك، تشيع جوا مشجعا على الصلاح والاستقامة في سلوك العاملين تحت إمرته.


تولي القضاء والمناصب القضائية نموذجا


أخصص هذه الفقرة لمسألة تولي لقضاء والمناصب القضائية، لأن هذا المجال كان دوما هو الأكثر حرجا على المتدينين في دينهم. وأما في عصرنا هذا فقد أصبح الأمر فيه أعسر وأخطر، خاصة مع طروء «قضية القوانين الوضعية والحكم بغير ما أنزل الله». ولذلك فتمهيد الطريق لمعالجة مسألة الدخول في المناصب القضائية، يجعل غيرها من المناصب الحرجة أوضح للناظرين وأيسر على السالكين.
كثيرا ما نقف في تراجم علمائنا الأفاضل على تَمَنُّعهم وهروبهم من تولي المناصب المغرية للنفوس وشهواتها، وخاصة منها منصب القضاء. فكم من عالم اعتذر، وكم من عالم رفض حتى أوذي في ذلك، وكم من عالم حلف أنه لا يصلح ليتركوه، وكم من واحد تنصل وألقى بالمنصب لسواه، وكم من عالم اختفى أو هاجر لكي لا يُحرجوه ويُلزموه… وفي هذا يقول القاضي برهان الدين بن فرحون «قال بعض الأئمة: وشعار المتقين البعدُ عن هذا والهربُ منه. وقد ركب جماعة ممن يقتدى بهم من الأئمة المشاقَّ في التباعد عن هذا، وصبروا على الأذى في الامتناع منه.»
ولعل أول من سلك هذا المسلك من علماء الإسلام، هو التابعي الكبير أبو قلابة ، وهو القائل: «مثل القاضي العالم كالسابح في البحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق؟».
قال ابن فرحون: «وكان رحمه الله قد دعي للقضاء فهرب إلى مصر، فلقيه هناك أيوب ، فأشار عليه بالترغيب في العودة وتولي المنصب، قائلا له: لو ثبتَّ لنلت أجرا عظيما، فرد عليه أبو قلابة: الغريق في البحر إلى متى يسبح؟» .
وأما قوله : «وما وَلِيَ سحنون القضاءَ حتى تخوف على نفسه، ورأى أنه تعين عليه، فكلام أبي قلابة هذا ومن تقدمه وما أشبه ذلك من التهديد والتخويف، إنما هو في حق من علم من نفسه الضعف وعدمَ الاستقلال بما يجب عليه، وكذلك من رأى نفسه أهلا لذلك المنصب والناس لا يرونه أهلا لذلك، وقد قال مالك رحمه الله: لا خير فيمن يرى نفسه أهلا لشيء لا يراه الناس له أهلا، والمراد بالناس العلماء، فهروب من كان بهذه الصفة عن القضاء واجب وطلبه سلامةَ نفسه أمر لازم»، فليس على إطلاقه، بل ثبت الامتناع والتهرب والاستقالة، من علماءَ وقضاةٍ مشهودٍ لهم بالكفاءة والرسوخ والأفضلية في العلم والدين. وإنما كانوا يحتاطون لأنفسهم ويؤثرون السلامة في دينهم، ويتحاشون القيل والقال.
وقد جاء – على سبيل المثال – في ترجمة العلامة اليمني عبد الله بن أحمد با محزمه، أن «علي بن طاهر – أول ملوك اليمن من بني طاهر – كان «كثير التعظيم له والاغتباط به والامتثال لأمره والانقياد له والتأدب معه، ولم يزل به حتى ولاه القضاء على كره منه، بعد أن شرط عليه شروطا وفَّى له بها. فباشر الوظيفة بنزاهة تامة وصدْعٍ بالحق وإقامة للعدل واجتهادٍ في إيصال الحقوق وإغلاظٍ للظلمة من الأمراء والوزراء وغيرهم، وقمَعَهم عن الظلم، وتحكيم الشرع فيهم. فمكث على ذلك نحو سنتين أو سنة ونصف، ثم هرب من البلد على حين غفلة من أهلها، وركب البحر إلى الشحر، ثم إلى بلده الهجرين، فرارا من القضاء وحذرا من فتنته. فعفاه السلطان منه، وعول عليه في الرجوع مُكَرَّما من غير قضاء، فرجع» .
وحينما اضطر الفقيه المالكي الأندلسي الكبير محمد بن يبقى بن زرب إلى تولي القضاء، واجتمع إليه زملاؤه يهنئونه ويشكرونه، أخرج إليهم صندوقا به ثروة عظيمة من الذهب والفضة، وأشهدهم على غناه وما عنده من أموال ، حتى لا يتقول الناس عليه بعد أن يمارس القضاء. «قال ابن حيان: سمعت المشيخة رضي الله عنهم يقولون إنه لما وليَ القضاء احتبس خواص أصحابه المشاورين وقد جاءوه مهنئين، فأمر غلامه فكشف عن مال عظيم في صندوق وقال يا أصحابنا قد عرفتم ما امتحن به من تولى القضاء قديماً من سوء الظنة، وأخشى أن أطرق الناس على عرضي. وهذا حاصلي ورزقي هذا من الصندوق، وفي مخازني ما يفي بقيمته، وحظي من التجارة ما عرفتم، فإن فشى من مالي ما يناسب هذه الجملة فلا لوم، وإن تباعد ذلك فقد وجب مقتي. فاسألوا الله تخليصي مما نشبت فيه» .
وإذا كانت مواقف التمنع والتهرب من المناصب المغرية تبعث على الإعجاب والإجلال لأصحابها، من زاوية الزهد الورع والتعفف، فإنها تبعث على الحسرة والشفقة بالنظر إلى حاجة الأمة ومصالحها العامة. فكم خسرت الأمة بتهرب هؤلاء الأمناء الأقوياء وانسلالهم من مواقع الأمانة ومناصب المسؤولية؟ وهل يكون إيثار السلامة الشخصية أثقل في الميزان عند الله من حفظ مصالح الأمة والذود عنها؟
ولقد أنصف إمام الحرمين بمعالجته الدقيقة المتوازنة لهذه المسألة، مع العلم بأن ما يقال في مناصب القضاء يقال مثله في نظائره من المناصب والولايات.
لقد قرر الإمام الجويني أن «القيام بالقضاء بين المسلمين والانتصاف للمظلومين من الظالمين، وقطع الخصومة الناشبة بين المتلازِمَيْن من أركان الدين، والقيامُ به من أهم الفروض المنعوتة بالكفاية. ثم روى الأئمة أخباراً في الترغيب في القيام بفصل القضاء وما فيه من مصلحة المسلمين» .
ثم بين الحالات التي يجب فيها على ذوي الأهلية والصلاحية أن يتقدموا ولا يتأخروا، وأن يتحملوا ولا يعتذروا، وأن يؤثروا حاجة الأمة ومصالحها على حساباتهم التحوطية الخاصة بأنفسهم.
قال رحمه الله تعالى:»التصدي للقضاء من فروض الكفايات، ولو فُرض القيام به على حقه، كان في مرتبة الجهاد في سبيل الله؛ فإن الجهاد دعوة قهرية لتأسيس الإسلام بدءاً في أقوام، والقيامُ بمصالح المسلمين ضبطٌ لما تحصّل. والأمرُ الذي يُطلب ازدياده، فضبط الحاصل منه إذا قيس بالازدياد أعظمُ الركنين، والأجرُ على قدر النَّصَب، والدرجات العلا لا تنال بالهوينات. هذا كذلك.
وموجب ما ذكرناه التعرض لهذا المنصب، ولكن يعارضه أن الاستمكان من مناصب الولايات يورط النفوس الزكية في الورطات، ويستخرج منها خفايا البليات، حتى كأنها على سكونها في الطيِّ ما لم تُنْشَر، ومن العصمة ما لا يُقْدَر، وهي تنطوي على الأموال والحُكم في تصاريف الأحوال، والميلِ للصديق على العدوّ، والتشوفِ إلى أغراض الانتقام في أدراج الأحكام. والسلامةُ عن جميع هذه الخلال مُعوزةٌ، وواحدة منها تزعزع أركان الدين.
فإذا تعارض هذان الأمران كما وصفنا، فسبيل الكلام بعد ذلك: أن الرجل إذا كان لا يصلح للأمر غيره، فإذا ولاّه الإمام ابتداءً، لم يحلّ له الامتناع، بل تعيّن عليه التقلُّد.
ولو كان كذلك، ولم يولّه الإمام، لم يخل: إما أن يكون مشهوراً عند الإمام، وإما أن يكون خاملَ الذكر، فإن كان خاملَ الذكر، ولم يصلح للأمر غيره، فحق عليه أن يُشهر أمرَ نفسه، ويبيّن محِلَّه من الصلاح للأمر، ولو مست الحاجة إلى الطلب، تعيّن عليه الطلب؛ فإنه لا يصلح غيره، وقد تعين عليه، وفروض الأعيان لا تسقط باستشعارٍ يتعلق بالعواقب والمغيَّبات، بل حكم الله أن يتصدى لما تعين عليه، ثم حق عليه أن يراقب الله فيما لَه وعليه. وهذا كأحكام الإسلام، فالخَلق منها على خطر، ولكنهم مدعوّون إلى المراشد مزجورون عن نقائضها، وكلٌّ ميسّر لما خلق له» .


تولي القضاء في ظل قوانين مخالفة للشريعة


رأينا أن النفور والتملص من تولي المناصب القضائية قديم في تاريخنا، عريق في تراثنا، وخاصة في أوساط العلماء الصالحين الورعين. وكانت الأسباب التي تدفع هؤلاء العلماء إلى التهرب والتملص من القضاء، لا تعدو ثلاثة هي:
1. الخوف من الوقوع في الظلم، سواء بمحاباة أو تقصير أو خضوع لضغط من ذوي النفوذ والسلطان…
2. الخوف من فتنة الدنيا والانجرار وراءها.
3. الخوف من التهم وتقولات الناس.
أما في عصرنا هذا فقد دخل في المجال القضائي عنصر جديد زاده تعقيدا وسوءا وتنفيرا، وهو أن معظم الدول الإسلامية، ومنذ الغزو الاستعماري الأوروبي لها، أصبحت تعمل بقوانين مأخوذة أو مقتبسة من قوانين المستعمِر. وهي قوانين فيها من المخالفات للشريعة ما لا يخفى. وأصبح القضاة ملزمين بالحكم بها، أي الحكم بغير ما أنزل الله. وهي طامة من الطوام عند المسلم.
فلهذا السبب أساسا، صار عامة المتدينين اليوم يُعرضون عن الذهاب إلى القضاء ومناصبه، ويعتبرون حرمة ذلك من القواطع البدهية، لما في ذلك من آيات بينة وفتاوٍ صريحة.


فهل الأمر بهذا العموم والإطلاق والإغلاق؟
وهل العمل بالقوانين الوضعية لا وجه له ولا مكان له، وليس له من حكم في الشريعة سوى كونه كفرا أو ظلما أو فسقا أهل لغير الله به؛ أي التحريم على كل حال؟
أولا: كاتب هذه السطور يؤمن ويعتقد أن تشريعاتِنا وقوانينَنا كلها يجب أن تستمد وتبنى على مصادرنا وقواعدنا الشرعية، التي ترجع كلها إلى الكتاب والسنة ومقاصدهما. وفي ضوء هذه المصادر والقواعد والمقاصد، تتم الاستفادة من الأنظمة والقوانين والتجارب التشريعية عند الأمم الأخرى.
ثانيا: القوانين المعمول بها اليوم، في المحاكم وغيرها، قد اتسعت وتشعبت وتخصصت بدرجة كبيرة جدا. وأصبحت فروع القانون وأصناف القوانين تعد بالعشرات، أذكر منها على سبيل المثال الفروع والمجالات الآتية: القوانين المدنية، القوانين الجنائية، القانون الدستوري، قوانين الإدارة، قوانين الانتخابات، الأسرة، المالية العامة، الضرائب والجمارك، التجارة والشركات، البنوك والبورصات، التأمين، الاستثمارات، العقار والتعمير والسكن، الملكية الفكرية والصناعية، النقل والسير برا وبحرا وجوا، الجنسية، الصحافة والإعلام، الشغل، الحريات العامة، حفظ البيئة والثروات الطبيعية، الصيد البري والبحري…
ثالثا: هذه القوانين المعمول بها اليوم في الأقطار الإسلامية، يدخل معظمُ مجالاتها وموادها في نطاق ما لا نص فيه من الشريعة، ولو عرضنا تلك القوانين على أصول الشريعة وقواعدها لوجدنا أكثرها مما يمكن اعتباره بمثابة اجتهاداتٍ من الاجتهادات الممكنة في الفقه الإسلامي.
رابعا: كثير من الفروع القانونية قائمة برمتها ومن أساسها على مجرد تحري العدل والمصلحة. ولا شك أن العدل والمصلحة من أكبر الأصول التشريعية الإسلامية.
خامسا: التعارض والتنافي بين أحكام هذه القوانين وأحكام الشريعة، ليس تاما ولا كبيرا، بل هو محدود معدود. وأهمه يتركز في المجال الجنائي.
وحتى في هذا المجال (الجنائي)، نجد أن العقوبات الشرعية المنصوصة قليلة جدا، وتعد على أصابع اليد. وما سواها يدخل في باب التعازير التي يرجع تقديرها إلى الولاة والقضاة. وبناء عليه فمئات العقوبات الواردة في القوانين الجنائية وغيرها، تعتبر من باب العقوبات التعزيرية التي لا إشكال فيها.
ومعلوم أيضا أن العقوبات الشرعية المنصوصة إذا لم تستوف شروطها الموضوعية والإثباتية، قد تتحول إلى عقوبات تعزيرية، يمكن أن يُقضى فيها بما هو منصوص في القانون ولا حرج. لأننا ندرأ الحدود بالشبهات ولا نقيم الحدود بالشبهات، والشارع متشوف إلى درء الحدود ما وُجِد إلى ذلك سبيل. فمثلا: السرقة بين الشركاء، والسرقة غير المكتملة، والسرقة التي في ثبوتها شبهة وتردد، وكذلك تهمة الزنا المشهود عليها بشاهدين، أو ثلاثة شهود عدول، أو حتى أربعة شهود ممن لم يطمئن القاضي لشهادتهم ولم تعطه الجزم بالتهمة، وكذلك تهمة الزنا التي لم يثبت منها الخلوة إلا والمضاجعة من دون ثبوت وطء… فهذه الحالات وأمثالها تؤول إلى التعزير والتقدير القضائي، وفق القوانين المعتمدة في شأنها. ولا يكون في ذلك أي مخالفة للشريعة.
سادسا: المناصب القضائية اليوم أصبحت متعددة متنوعة متخصصة، فالقضاة متخصصون كل في مجاله: قضايا الأسرة، القضايا المدنية، المخالفات والحوادث المتعلقة بالسير، نزاعات الشغل والتشغيل… بل هناك اليوم حتى المحاكم المتخصصة على هذا النحو.
ثم هناك قضاة النيابة العامة والتحقيق والادعاء. وهؤلاء لا يصدرون أحكاما، بل يقومون بأعمال تمهيدية مساعدة لقضاة الحكم. وهناك رئاسة المحاكم وأقسام النيابة العامة، وهي مناصب إدارية بالدرجة الأولى.
ومن هذا الباب أيضا منصب وزير العدل، ذو الاختصاصات السياسية والإدارية والمالية لقطاع العدل، ومعه كل المناصب المركزية في وزارة العدل.
ولكل هؤلاء – من قضاة وغيرهم – أثر كبير في خدمة العدل وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، متى كانوا حريصين على ذلك مستمسكين به.
فليس من الحكمة ولا من الفقه تعميم القول بالتحريم على كل هذه الوظائف والمناصب، بحجة ما فيها من «الحكم بغير ما أنزل الله». فقد رأينا أن الحالات التي قد يجد الإنسان نفسه فيها أمام هذا الحرج، بلا مهرب ولا مخرج، تعد ضئيلة إذا قيست بما ليس كذلك. فإذا كان متولي شيء من هذه المناصب هدفه الإصلاح، وتكثير العدل والنفع، وتقليل الظلم والأذى، وكان فعلا قادرا على ذلك، فإن له أو عليه أن يتقدم مشكورا مأجورا. والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى