مقالاتمقالات قضايا دولية

إلى الذين آمنوا بألسنتهم، وكفروا بأسلحتهم

إلى الذين آمنوا بألسنتهم، وكفروا بأسلحتهم


[المقال مهدى إلى العساكر ومستخدَمي الشرطة والمخابرات،
الذين يكسرون إرادة الشعوب ويحاربونها بالحديد والنار،
والذين يستحِـلُّون قتل المتظاهرين واغتيالَ المعارضين،
وإلى مجانين المجاهدين، الذين يقتلون ويقاتلون المسلمين
ويروعون الآمنين، من أفراد وخلايا ومليشيات]

أ.د أحمد الريسوني

مسلمون يقتتلون فيما بينهم باليمن.. ومسلمون يقتتلون فيما بينهم بأفغانستان.. وهكذا آخرون يقتتلون في ليبيا.. وآخرون يقتتلون في سوريا.. وآخرون يقتتلون في السودان وفي الصومال..
مسلمون يقتل بعضهم بعضا في العراق، وفي مصر، وفي نيجيريا..
نعم مسلمون كما يقولون، يصلون ويصومون، ويتمنَّون لو يحجون ويعتمرون، ويريدون زيارة نبيهم ولا يخجلون.. وبعضهم يقولون إنهم شباب مجاهدون، وبعضهم يقولون إنهم أنصار الله المخلصون، وبعضهم يقولون إنهم يجسِّدون دولة الإسلام والمسلمين، وآخرون يقيمون بزعمهم إمارة للمؤمنين وملاذا للمجاهدين، وآخرون يقتلون تحت شعار محاربة الإرهاب والتطرف.. وفعلهم هو عين الإرهاب والتطرف..
شعوبهم تغرق في فقرها وجهلها وأمراضها ودمائها وآلامها، وهم يشترون ويتلقون ويخزِّنون الأسلحة والذخائر للفتك بها، وتمزيق كياناتها، وتشريد نسائها، وتيتيم أطفالها، وتجنيد شبابها، للقتل والقتال والاقتتال..
مَن منهم تابع لأمريكا؟ ومن منهم تابع لروسيا؟ ومن منهم تابع لإسرائيل؟ ومن منهم تابع لأوروبا؟ ومن منهم تابع لإيران؟ ومن منهم تابع للسعودية أو الإمارات أو لغيرهما؟ وأي “أجندة” ينفذ هؤلاء وأولئك؟
هذا كله لا يهم، ما داموا جميعا تابعين للشيطان، وينفذون أجندات شيطانية، يحركها ويغذيها ويحتفي بها شياطين الإنس والجن..
هم جميعا يسفكون دماء المسلمين، ويشردون المسلمين، ويمزقون مجتمعات المسلمين، ويخربون ديار المسلمين.. يقتلون ويقاتلون إخوانهم في الدين والوطن والعشيرة والحارة..
وقد قيل لأحدهم يوما: فمتى ستقاتلون الصهاينة المحتلين؟ قال: حين يصبحون مسلمين!!
فما جدوى التفريق بين من يتْبع كذا، ومن يتْبع كذا؟ أو بين من يتبع، ومن لا يتبع؟ أو بين من يَـقتل وهو على طهارة، ومن يَـقتل وهو على جنابة؟
فإلى هؤلاء القتلة والمقاتلين والمقتتلين، وإلى شركائهم ومؤيديهم، ممن يَعُدُّون أنفسهم ما زالوا مسلمين.. إلى هؤلاء وهؤلاء، أسوق هذه النصوص الرهيبة، الساطعة القاطعة:

  1. قال الله عز وجل: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]،
    وهذا فيمن يقتل نفسا واحدة فقط.. وهكذا في بقية النصوص الآتية.. فكيف بمن اتخذوا قتل المسلمين بالجملة حرفة ومهنة يومية؟!
  2. {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].
  3. {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ… وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].
  4. {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 – 70].
  5. وفي الحديث النبوي الشريف: [لا يزالُ المؤمنُ في فُسحةٍ مِنْ دينِه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا].
  6. وفي الحديث الصحيح أيضا: [كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُه ومالُهُ وعِرْضُه],
  7. ومما جاء في خطبة حجة الوداع، كما في صحيح مسلم وغيره، قوله صلى الله عليه وسلم: [إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دمُ ابن ربيعةَ بنِ الحارث، كان مسترضَعا في بني سعد فقتلته هذيل…].
  8. وفي الصحيح أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عِمِّــيَّـةٍ يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقُتل، فقِتلته جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لِـذي عهد عهده، فليس منى ولست منه».
    والراية العِمِّــيَّـة: راية قتال أعمى، لا يُعرف فيه حق من باطل. قال الإمام أحمد بن حنبل: “هو الأمر الأعمى كالعصبية، لا يستبين ما وجهُهُ. وقال إسحاق: هذا في تهارج القوم، وقتلِ بعضِهم بعضًا، كأنَّه من التعمية، وهو التلبيس”.
  9. وفي الصحيحين: عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه].
  10. ومثله في سنن النسائي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إِذا أشار المسلم على أخيه المسلم بالسلاح فهما على جُرُفِ جهنمَ، فإِذا قَتَلَهُ خَرَّا جَمِيعًا فِيهَا]
    فيا أيها القتلة في مختلف بلاد المسلمين..
    يا من آمنتم بألسنتكم وكفرتم بأسلحتكم:
    إن كان بقي في قلوبكم شيء من الإيمان بالله واليوم الآخر،
    وإن كان بقي في قلوبكم شيء من تعظيم الله وخشيته والحياء منه،
    فتوبوا إلى ربكم، واقتلوا نزعة القتل في نفوسكم، وحطموا أسلحتكم أو حَـرِّقوها.
    فكل سلاح يُرصد لقتل المسلمين وقتالهم، فهو سلاح شيطاني شرير،
    وكل سلاح يُرفع في وجه مسلمين، فهو سلاحُ مجرمين ومخربين.
    طهروا أنفسكم وأيديَكم من كافة الأسلحة الشيطانية الإجرامية؛ فلَأَن يبقى المسلمون جميعا بدون أي قطعة سلاح، خير لهم من أن يمتلكوا أسلحة تقتل المسلمين.
    سيقول لكم تلاميذ الشيطان والناطقون باسمه:
    نحن إذا قتلنا مسلما فإنما نقتله بالحق، فقولوا لهم ولأنفسكم: إنَّ قتل مسلم بالحق لا يكون إلا بعد تحقيق قضائي مستقل، وحكم قضائي نزيه، وعادل لا شبهة فيه، فشريعة الإسلام تَدرأ الحدودَ والعقوباتِ بالشبهات، ولا تقتل الناس بالشبهات والشهوات، فكيف بمن يُقتلون عندكم بلا بيِّـنات ولا حتى شبهات؟!..
    وسيقول لكم بعضهم: نحن نقاتل لأجل الإسلام ولأجل تطبيق الشريعة.. فقولوا لهم ولأنفسكم: من يقتل المسلمين لا يكون إلا محارِبا للإسلام وهادما للشريعة، وما عهِدْنا دفاعا عن الإسلام يبدأ بقتل المسلمين، وينتهي بقتل المسلمين، ولا يتوقف عن قتل المسلمين..
    سيقول لكم آخرون: أنتم مأمورون من ولاة أموركم، وهم لهم صلاحيةُ القتل وصلاحية الأمر به.. فقولوا لهم ولأنفسكم: ليس لحاكمٍ – حتى لو كان عادلا راشدا – أن يأمر بقل الناس في الشوارع والساحات، وداخل السجون والمعتقلات. وليس لقاضٍ أن يقتل الناس بالشبهات وبالدعاوى الواهيات الكاذبات.. فمن فعل فهو قاتل مجرم، ومن ينفذ أوامره فهو قاتل مجرم، وسيقف ويحاسب كل واحد منهم حسابا عسيرا، ثم يصار به إلى ما يستحقه..
    سيقول لكم آخرون: أنتم تقتلون الإرهابيين وتحفظون أمن الآمنين، فقولوا لهم: الأمن يحفظ بالعدل وبالحق، وليس بالقتل والترهيب والتعذيب..
    وسيقول لكم آخرون: نحن نقاتل الطغاة الكفرة الفجرة، والعملاء والمرتدين والمنافقين، فقولوا لهم: لا نراكم تقتلون إلا الأبرياء، والمؤمنين والمؤمنات، الغافلين والغافلات، ولم تجلبوا للمسلمين سوى الدمار والبوار..
    فيا أيها القتلة الذين آمنوا بألسنتهم وكفروا بأسلحتهم:
    إذا كانت أسلحتكم قد جعلت أفعالكم أفعالَ كفر، وهذا معنى كونكم كفرتم بأسلحتكم.. فاكفروا الآن بأسلحتكم بمعنى آخر، وهو أن تكفروا بقيمتها وبصلاحيتها وفائدتها. فاكفروا بأسلحتكم بهذا المعنى الإيجابي والواجب، بعد أن كفرتم بالأفعال الكفرية التي اجتحتموها بواسطة أسلحتكم.
  • فأمتكم وبلدانكم وشعوبكم تخسر كل يوم بأفعالكم وجرائمكم خسائر كبيرة لا تحصى،
  • وأهالي القتلى من ضحاياكم يخسرون ويتألمون ويعانون ويشتكون من آثار جرائمكم،
  • ودينكم يخسر بما لحقه من تلويث وتشويه عالمي، بإساءاتكم وهمجيتكم التي تمارسونها باسمه،
  • ولكن الخاسر الأكبر والخاسر الحقيقي هم أنتم، لأن كل الخسائر والأضرار المذكورة، ستجدونها محصاة عليكم، مكتوبة في سجلاتكم وفي ذمتكم؛ {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى