أصحاب و تلامذة الأستاذ الريسونيضيف الموقع

التحرير الحبير لما في كتاب محاضرات في مقاصد الشريعة من التنوير

التحرير الحبير لما في كتاب محاضرات في مقاصد الشريعة من التنوير

بسم الله الرحمن الرحيم

التحرير الحبير لما في كتاب محاضرات في مقاصد الشريعة من التنوير

بقلم: د يوسف الحسين إفيكيز

يعتبر علم المقاصد من الأدوات المهمة لفهم الشريعة وتطوير الصناعة الفقهية، بحيث يعطينا الفقيه المفتي الذي يبحث عن العلل والمقاصد ولايتوقف فقط عند ظواهر النصوص مما يتسبب في تعطيل الكثير من النصوص بسبب عدم فهم مراد الشارع أو فهمه بطريقة تشوه النص وتجعله محصورا في زمان ومكان وبيئة، مما يتنافى وخلود الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

وقد تنبه العلماء إلى هذا العلم وسطروه في كتبهم منذ الجويني والغزالي مرورا بابن عبد السلام والقرافي إلى أن حط هذ العلم رحله ببلاد الغرب الإسلامي مع المؤسس الثاني للعلم وأول من حاول فصله عن علم أصول الفقه وأضاف إليه الكثير من الأسرار والغايات.

 وبقيت محطة هذا العلم رابضة ببلاد الغرب الإسلامي فانبعث العلم فيها من جديد على يد العلامة علال الفاسي، ومولانا الإمام الأكبر الطاهر بن عاشور رحمهم الله تعالى.

وبعد أن كاد العلم يندثر وينسى مع الحرفيين الجدد طهر نجم جديد من بلاد المغرب الأقصى فأعاد بعث هذ العلم وتبسيطه ونشره بين طلاب العلم ، ولعل كتاب ” نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي” كان هو المفتاح لطلاب العلم ليرجعوا إلى كتاب الموافقات للإمام الشاطبي فانتفع به خلق كثير وسار مرجعا في العديد من الكليات الشرعية.

ثم توالت كتب مولانا بن عبد السلام الريسوني إلى أن يسر الله خروج هذه المحاضرات التي تعد زبدة علم المقاصد كتبت بطريق السهل الممتنع فنفع الله بها البلاد والعباد، فاختصرت علم المقاصد ويسرته وجعلته في متناول طلاب العلم وجمعت أشتاته ويسرت تاريخه في شكل مدرسي ماتع.

وبالنسبة لي فقد سبق التعامل مع الكتاب في تأطير ملتقى الدعاة الشباب فكان نافع ممتعا.

ولعل صعوبة التعامل معه تتجلى في كيفية اختصاره والاستغناء عن بعض معلوماته لأن مولانا الريسوني أخرجه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، فكل معلوماته مهمة وكل تفاصيله دقيقة، وخصوصا أن باب الترتيب بين المصالح والترجيح بينها من الأبواب المهمة في الكتاب فلذلك كلما هممت أن أنقص لفظا أو تعبيرا إلا وظهرت لي أهميته وأنك إن أخللت به فإنك تخل البناء بأكمله، ولعل هذا من بركة مولانا الريسوني فكل كلمة لها وزنه ومكانتها المعتبرة.

ثم إنه من أهم لبنات مقاصد الشريعة تحقيق المصلحة للمكلف، فمبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها[1]، يقول العز بن عبد السلام:”من مارس الشريعة وفهم مقاصد الكتاب والسنة عَلِم أن جميع ما أمر به لجلب مصلحة أو مصالح، أو لدرء مفسدة أو مفاسد، أو للأمرين، وأن جميع ما نهي عنه إنما نهي عنه لدفع مفسدة أو مفاسد، أو جلب مصلحة أو مصالح، أو للأمرين، والشريعة طافحة بذلك”[2]]

المبحث الأول المصلحة وترتيبها

تعريف المصلحة.

المصلحة في اللغة: المصلحة ضد المفسدة، وهي واحدة المصالح[3]، “فالصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد”[4].

وفي الاصطلاح: عرفها الغزالي أنها :”المحافظة على مقصود الشرع …ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة”[5]

ثم بعد ذلك أتى الفخر الرازي بعد قرن من الغزالي فاستعمل تعريفا داع واشتهر وسار عليه كثير من الأصوليين من بعده، وهو في كتابه المحصول قال فيه: “المصلحة لا معنى لها إلا اللذة أو ما يكون وسيلة إليها، والمفسدة لا معنى إلا الم وما يكون وسيلة إليه”[6].

وقد علق شيحنا الريسوني حفظه الله تعالى على تعريف الإمام الرازي في كتابه محاضرات في مقاصد الشريعة بقوله حفظه الله تعالى: “هذا التعريف الواضح في ألفاظه المفهومة والمتداولة، ترد عليه عادة بعض التحفظات أو الاعتراضات أهمها:

  • كون اللذة في الاستعمال الشائع يراد بها اللذات الجسدية كالأكل والشرب والنوم والجماع واللمس والنظر… فهل المصلحة مجرد لذة جسدية؟
  • كون اللذة يدخل فيها كثير من اللذات المحرمة، فهل هذ أيضا مصلحة؟
  • تعريف المفسدة بالألم، يعارضه أن بعض الأمور المؤلمة قد تكون مشروعة أو واجبة كالصوم والجهاد ومتاعب الحج؟[7]

ثم جاء عز الدين ابن عبد السلام فأخذ بهذا التعريف لكنه أضفى عليه بعض الإضافات التي تجعله أوضح وأتم وأسلم من الاعتراض.[8]

قال رحمه الله تعالى:” الْمَصَالِحُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: اللَّذَّاتُ وَأَسْبَابُهَا، وَالْأَفْرَاحُ وَأَسْبَابُهَا. وَالْمَفَاسِدُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الْآلَامُ وَأَسْبَابُهَا، وَالْغُمُومُ وَأَسْبَابُهَا، وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى دُنْيَوِيَّةٍ وَأُخْرَوِيَّةٍ.[9]

هذا التعريف في الحقيقة لا يخرج عن التعريق السابق تعريف الفخر الرازي وإن كان أكثر وضوحا وأكثر تفصيلا.[10]

فتعريف الرازي مع ما أضافه ابن عبد السلام، قد استوعب كافة المصالح والمفاسد بما يمكن ماهيتها وحقيقتها ومعيارها، الذي هو اللذة والألم، سواء كانا نفسيين أو معنويين، وسواء كان الأمر في الدنيا أوالآخرة.[11]

مراتب المصالح:

ذكر فضيلة العلامة سيدي أحمد حفظه الله تعالى في بداية الحاضرة السادسة التي نحن بصدد تلخيصها مجموعة من التقسيمات المهم التي ذكرها في المحاضرة السالفة.

قال حفظه الله تعالى: تناولنا في الحصة الماضية قضية الضروريات الخمس باعتبارها أمهات المصالح، وباعتبارها الركائز التي تلتف حولها وتحوم حولها كافة المصالح التي جاءت الريعة برعايتها وحفظها.

وهي أيضا تمثل المصالح التي عليها مدار حياة واحتياجاتهم وسعادتهم.[12]

وقد ذكر حفظه الله ما مضى من تقسيمات للمصلحة وأنها متعددة وأن أخرما ذكره منها هو تقسيمها إلى: معتبرة-وملغاة-ومرسلة.

وفي هذه المحاضرة سيقسم حفظه الله المصالح باعتبار الأهمية والأولوية والقوة، ثم ننظر كيف حفظ الشارع هذه الأقسام بكل وجوه الحفظ وأساليبه.[13]

اشتهر تقسيم المصالح كلها إلى ثلاثة مراتب بحسب أهميتها:

  • ضروريات
  • وحاجيات
  • وتحسينيات

وهذا التقسيم اصطلاحي أو اجتهادي مثله مثل حصر الضروريات، فتسميتها وترتيبها إنما أتى عبر تأمل العلماء وتفقهم وتقلبهم في أبواب الشريعة وأحكامها.

فظهر لهم بعد التدبر والتأمل أن المصالح والأحكام متفاوتة وليست على نمط واحد أو درجة واحدة.[14]

قانون التفاضل :

في هذا الفصل يعلل حفظه الله لهذا التقسيم ويذكر مستنده عند المشرعة.

فهذا التقسيم يوم على فكرة واضحة ومعتادة في التقسيمات الرتبية أو الترتيبية، وهي أن هناك درجة عليا، ودرجة دنيا، ودرجة متوسطة بينهما.

فمبدأ التفاوت والتفاضل والتراتبية هو المنطلق الأساس الذي لابد أن نعيه لأن هذ التفاوت الذي نحن بصدده ليس سوى نتيجة ومظهر لمسألة أعم وهي قاعدة التفاوت، أو سنة التفاضل.[15]

نص العلماء على تفاوت المصالح:

هذا التقسيم نجد أصله عند الجويني ولعله أول ذاكر له بقوله في كتابه البرهان:

أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه… وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه فهو معلل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة والزجر عن التهجم عليه… وهذا ضرب من الضروب الخمسة.[16]

والضرب الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة وهذا مثل تصحيح الإجارة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ [الضرورة المفروضة في البيع وغيره ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ] ضرورة الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرار لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس…

 والضرب الثالث: ما لا يتعلق بضرورة [حاقة] ولا [حاجة] عامة ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وأزالة الخبث…

والضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحا ابتداء..

والضرب الخامس من الأصول: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة وهذا يندر تصويره…[17]

فها هو رحمه الله تعالى ينتهي إل ثلاثة مراتب لعلل الشريعة: الضرورة، والحاجة، والمكرمة.

ثم جاء بعه تلميذه الغزالي فتحدث بكل منتظم ومستقر عن المراتب الثلاثة دون زيادة أو نقصان من ذلك قوله: ”  الْمَصْلَحَةَ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهَا فِي ذَاتِهَا تَنْقَسِمُ إلَى مَا هِيَ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورَاتِ وَإِلَى مَا هِيَ فِي رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْسِينَاتِ وَالتَّزْيِينَاتِ وَتَتَقَاعَدُ أَيْضًا عَنْ رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ. وَيَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ الْأَقْسَامِ مَا يَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى التَّكْمِلَةِ وَالتَّتِمَّةِ لَهَا…[18]

ولابن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام) مزيد تفصيل وتمثيل لهذ المراتب يقول رحمه الله: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَمَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا فِي مَنَازِلَ مُتَفَاوِتَاتٍ. فَأَمَّا مَصَالِحُ الدُّنْيَا فَتَنْقَسِمُ إلَى الضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَاتِ وَالتَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِلَاتِ. فَالضَّرُورَاتُ: كَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكِحِ وَالْمَرَاكِبِ الْجَوَالِبِ لِلْأَقْوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَمَسُّ إلَيْهِ الضَّرُورَاتُ، وَأَقَلُّ الْمُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، وَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ فِي أَعَلَا الْمَرَاتِبِ كَالْمَآكِلِ الطَّيِّبَاتِ وَالْمَلَابِسِ النَّاعِمَاتِ، وَالْغُرَفِ الْعَالِيَاتِ، وَالْقُصُورِ الْوَاسِعَاتِ، وَالْمَرَاكِبِ النَّفِيسَاتِ وَنِكَاحِ الْحَسْنَاوَاتِ، وَالسَّرَارِي الْفَائِقَاتِ، فَهُوَ مِنْ التَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِلَاتِ، وَمَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مِنْ الْحَاجَاتِ.

وَأَمَّا مَصَالِحُ الْآخِرَةِ فَفِعْلُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَفِعْلُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ الْفَاضِلَاتِ مِنْ الْحَاجَاتِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ وَالْمُسْتَقِلَّات فَهِيَ مِنْ التَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِلَاتِ.

وَفَاضِلُ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْضُولِهِ، فَيُقَدَّمُ مَا اشْتَدَّتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَلَى مَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ.[19]

يقول مولانا العلامة الشريف سيدي أحمد الريسوني معلقا ومجيبا على سؤال متعلق بما سطره مولانا عزالدين بن عبد السلام: قضية الضرورات وعلاقتها بالترخيص وباستباحة بعض المحظورات، هذا وجه من وجوه التفقه والبناء على ما نحن فيه.

فالضرورات إذا فقدت وتعذر تحصيلها بالطريق المشروع المعهود يسوع للإنسان طلبها وتحصيلها بالطريق الممكن، ولو كان محرما في الأصل، وذلك في حدود الضرورة.[20]

وتقدير هذه المصالح يحدده المجتهد الفرد وكذلك في القضايا المعقدة والمتشعبة تحدده المجامع الفقهية والشرعية.

توضيحات للمراتب الثلاثة:

المصلحة الضرورية يقول الشاطبي: “فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.[21]

وقد عرفها ابن عاشور تعريفا شافيا وافيا استدرك فيه ما فات المتقدمين يقول رحمه الله تعالى: المصالح الضرورية، هي التي تكون الأمةُ بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظامُ باختلالها، بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش. ولست أعني باختلال نظام الأمة هلاكَها واضمحلالها… ولكنَّي أعني به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها. وقد يُفضي بعضُ ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها.[22]

الْحَاجِيَّاتُ: فَمَعْنَاهَا أَنَّهَا مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةِ وَرَفْعِ الضِّيقِ2 الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا لم تراع دخل علتى الْمُكَلَّفِينَ- عَلَى الْجُمْلَةِ3- الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْفَسَادِ الْعَادِيِّ الْمُتَوَقَّعِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.

وَهِيَ جَارِيَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْعَادَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالْجِنَايَاتِ.[23]

أما ابن عاشور فيقول: صنف الحاجي، وهو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاتُه لَمَا فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري.[24]

وقد ذكر شيخنا حفظه الله أن حاجيات عموم الناس تنزل وتساوي ضروريات الأفراد وهو المعنى المعبر عنه في قاعدة: “الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة
التحسينيات:  المصلحة التحسينية: وهي المصلحة التي تكون من قبيل التحسين والتزيين والتيسير لحياة الناس، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. يقول الغزالي رحمه الله تعالى: الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: مَا لَا يَرْجِعُ إلَى ضَرُورَةٍ وَلَا إلَى حَاجَةٍ وَلَكِنْ يَقَعُ مَوْقِعَ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ وَالتَّيْسِيرِ لِلْمَزَايَا وَالْمَزَائِدِ.[25]

وعرفها ابن عاشور: ” هي عندي ما كان بها كمال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجةُ منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبًا في الاندماج فيها أو التقرب منها”[26]

حفظ المصالح وجودا وعدما:

هذه قاعدة مهمة ختم بها شيخنا حفظه الله هذه المحاضرة الغنية. فنقل عن أبي المعالي الجويني تعبيره عن هذه القاعدة: ” الأغراض النفعية والدفعية” وقد فصل فيه الشاطبي ومثل لها كما في قوله: وَالْحِفْظُ لَهَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ.

وَالثَّانِي: مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الِاخْتِلَالَ الْوَاقِعَ أَوِ الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ.[27]

المبحث الثاني: الموازنة والترجيح بين المصالح:

 إن الناظر في هذا الكتاب الذي تضمن زبدة الكتب السابقة يجده حافلا بالأدلة على استعمال واسع للمصالح في عملية الفتوى والتأصيل الفقهي، وقد أبدع شيخنا حفظه الله في التأصيل للاستخدام الواسع للمصالح والترجيح بينها حال التعارض كغيرها من الأدلة.

يقول حفظه الله تعالى: وهذا النوع من العلم – معرفة التفاضل والتعارض والترجيح –هو من جنس القضايا المتشابهة أو المشتبهة[28]، كما في الحديث: “الحلال بين والحرام بين، وينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس. رواه البخاري ومسلم

فالترجيح والموازنة إنما نحتاجها عند تزاحم المصالح، وعدم إمكانية الجمع بينها، لأن الجمع بين الأدلة والمصالح هو الأصل ما وجدنا لذلك سبيلا.

وقد أورد شيخنا ما ذكره ابن عبد السلام وأصل به لهذه القاعدة:” الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ، وَالثَّانِي وَسَائِلُ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ

وَالثَّانِي: وَسَائِلُ، وَلِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ، فَالْوَسِيلَةُ إلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ هِيَ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ، وَالْوَسِيلَةُ إلَى أَرْذَلِ الْمَقَاصِدِ هِيَ أَرْذَلُ الْوَسَائِلِ، ثُمَّ تَتَرَتَّبُ الْوَسَائِلُ بِتَرَتُّبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْوُقُوفِ عَلَى تَرَتُّبِ الْمَصَالِحِ عَرَفَ فَاضِلَهَا مِنْ مَفْضُولِهَا، وَمُقَدَّمَهَا مِنْ مُؤَخَّرِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ فَيَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِمَعْرِفَةِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ أَعْظَمَهَا بِأَخَفِّهَا عِنْدَ تَزَاحُمِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا يُدْرَأُ مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ دَفْعِ جَمِيعِهَا، وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَسَنَذْكُرُ أَمْثِلَةَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى”[29].

وهذه قاعدة مهمة أوردها شيخنا ابن عبد السلام الريسوني متبعا فيها شيخه عز الدين بن عبد السلام رحمه الله وهي قاعدة مهمة في التفاوت وتقديم الأصلح فالأصلح، ودرء الأفسد فالأفسد وأن هذا الأمر مركوز في الجبلة والفطرة السليمة.

الترجيح بالنوع:

من المسائل المهمة التي أوردها شيخنا حفظه الله تعالى قضية الترجيح بالنوع، فالمصالح كما تتفاوت برتبها تتفاوت بأجناسها وأنواعها، فبجانب المصالح الدنيوية المالية هناك مصلحة الدين، ومصلحة النفس، ومصلحة النسل، ومصلحة العقل، فانتماء مصلحة ما، أو عمل ما إلى هذا الصنف، أو ذاك، يعتبر عنصر ترجيح بينه وبين غيره، مما يتزاحم معه أو يتعارض معه.[30]

من أمثلة ذلك :”  (وإثمهما أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ)[31]

ومن الأمثلة التي تستحق التي التدبر والمدارسة في هذا الباب، قصة هارون وموسى عليهما السلام مع قومهما، حين فتنهم السامري بالعجل الذهبي الذي بادروا لتأليهه وعبادته ضدا على موسى وهارون.[32]

قال تعالى:( وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ)[33]

وبعد هذا أورد شيخنا قاعدة ترجيحية أخرى:

مالا يقبل التدارك يقدم على ما يمكن ت

فما يمكن تداركه وإن كان مقدما في الأصل، إذا تعارض مع ما لا يمكن تداركه، فيقدم ما لا يمكن تداركه، أي أن فواته يكون نهائيا، عل أن نتدارك فيما بعد الأمر الأهم الذي فوتناه وأخرناه..

مثلا قد يكون الشخص في طريقه لأداء فريضة الحج، وحصل ما يدعوه ليعود ويحل مشكلة مالية أو عائلية، أو يقرض مال الحج لمريض شديد المرض. ففريضة الحج في الأصل أهم وأولى وأوجب، ولكن هذه المشكلة العارضة أمر يبل التأجيل والانتظار، بينما الحج يرجي تداركه في السنة المقبلة، وحسبه أن يعزم على ذلك ويبل العزم ….[34]

حرر بليدن هولندا

يوم الجمعة 24-12-2021


[1] مجموع الفتاوى، لابن تيمية 10/ 512.

[2] الفوائد في اختصار المقاصد. عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام . الناشر: دار الفكر المعاصر , دار الفكر – دمشق

الطبعة: الأولى، 1416.ص:53

[3] انظر: لسان العرب، لابن منظور2/ 517، مختار الصحاح، للرازي، ص187

[4] معجم مقاييس اللغة، لابن فارس 3/ 303.

[5] المستصفى. أبو حامد الغزالي. الناشر: دار الكتب العلمية. ط: الأولى، 1413هـ – 1993م. ص:174

[6] المحصول. أبو عبد الله محمد بن عمر الملقب بفخر الدين الرازي. تحقيق: الدكتور طه جابر فياض العلواني. الناشر: مؤسسة الرسالة

الطبعة: الثالثة، 1418 هـ – 1997م. ج:6 ص:179

[7] محاضرات في مقاصد الشريعة. العلامة أحمد الريسوني. ط: دار السلام عام: 2009. ص:123-124

[8] المصدر الساب.ص:127

[9] : قواعد الأحكام في مصالح الأنام. أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة. طبعة: جديدة مضبوطة منقحة، 1414 هـ – 1991م. ج:1 ص:12

[10] محاضرات في مقاصد الشريعة. ص:126

[11] المصدر السابق.ص:127

[12] المصدر السابق ص: 176

[13] المصدر السابق ص: 176

[14] المصدر السابق ص:176

[15] محاضرات في ماص الشريعة. ص:177

[16] البرهان في أصول الفقه. عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، إمام الحرمين: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان

الطبعة: الطبعة الأولى 1418 هـ – 1997 م ج: 2 ص: 79

[17] البرهان. للجويني. ج:2 ص:79-80

[18] المستصفى. ص: 174

[19] قواعد الأحكام في مصالح الأنام. ج:2 ص: 71

[20] محاضرات في مقاصد الشريعة ص:183

[21] الموافقات. إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي. تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. الناشر: دار ابن عفان الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م. ج:2 ص:18

[22] مقاصد الشريعة الإسلامية. محمد الطاهر بن عاشور. تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة. الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر

عام النشر: 1425 هـ – 2004م. ج:3 ص:232

[23] الموافقات. ج:2 ص:21

[24] مقاصد الشريعة الإسلامية. ج:3 ص:241

[25] المستصفىى. ص: 175

[26] مقاصد الشريعة الإسلامية. ج:3 ص243

[27] الموفقات. ج:2 ص:18

[28] محاضرات في مقاصد الشريعة الإسلامية.ص:197

[29] قواعد الأحكام في مصالح الأنام. ج:1 ص:53-54

[30] محاضرات في مقاصد الشريعة الإسلامية.ص:205

[31] البقرة. 219

[32] محاضرات في مقاصد الشريعة الإسلامية.ص:206

[33] الأعراف.148

[34] محاضرات في مقاصد الشريعة ص:210

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى