ضيف الموقع

ليس دفاعاً عن الريسونيّ بل دفاعٌ عن حرية العالِم

ليس دفاعاً عن الريسونيّ بل دفاعٌ عن حرية العالِم

بقلم د. حذيفة عكاش

استنبول في 17/4/2022م

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه..

وبعد:

أرسل لي أحد الأفاضل مقالة للدكتور الفاضل عطيّة عدلان، يوجّهها إلى الاتحاد العالميّ لعلماء المسلمين، بعنوان: (رسالة إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) الذي تأسّس عام 2004م وكان يترأسّه فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، ثمّ خلفه عام 2018 فضيلة شيخنا الدكتور أحمد الريسوني حفظهما الله تعالى، وقد تولّى الدكتور الريسوني هذا المنصب بالانتخاب بما يشبه الإجماع، كما ذكر الدكتور عطيّة نفسه في مقاله المشار إليه.

 فقلت في نفسي: لا بدّ أنّ الدكتور عطيّة سيلفت النظر إلى قضيّة جليلة من قضايا الأمّة الدائرة على الساحة، كانتفاضة أهلنا في فلسطين المحتلّة في هذا الشهر الفضيل (رمضان)، أو لقضية أخرى من مستواها، كالإجرام الدائر ضدّ أهلنا في سوريّة، أو قضية المعتقلين في مصر، أو غيرها فما أكثر الجروح في جسد أمّتنا!

أو يهيب بعلماء الأمّة إلى التصدّي لقضيّة علميّة منهجيّة، كوجوب التصدّي لشبه الملحدين واللادينيّين، أو لزوم الردّ على شبهات منكري السنّة النبويّة الشريفة، أو شبهات العلمانيّين الذين يقطعون صلة الإسلام بالسياسة والحكم، فهو دين أخلاقيّ روحانيّ لا علاقة له بالشأن العام بزعمهم!

 أو غيرها من المسائل الجليلة التي -منَ المفروض أنْ- يهتمّ بها فضيلة الدكتور عطيّة عدلان، مدير مركز (مُحْكَمات) للبحوث والدراسات.

 لكنّ المفاجأة أن المقال عبارة عن تحريش وتجييش وتحريض ضدّ رئيس الاتحاد العالميّ لعلماء المسلمين فضيلة الدكتور أحمد الريسوني، حفظه الله وبارك الله في عمره.

وقبل أن أبدأ بمناقشة المسألتين اللتين ركّز عليهما الدكتور عطيّة، سأقف قليلاً على ما استفزّني في المقال، فقد كنت أعرف سابقاً أن الدكتور عطيّة حفظه الله يخالف الدكتور سعد العثمانيّ في آرائه حول شكل الدولة في الإسلام.

وفي هذا المقال عرفتُ أنّه يخالفه في مسألة تقسيم تصرّفات النبي صلّى الله عليه وسلّم -التي سنبيّنها لاحقاً إن شاء الله- وأعرف أنه ردّ عليه في عدّة بحوث..

ولعلّه لو سلك السلوك نفسه في هذا المقال ما فكّرتُ أصلاً بالردّ أو النقاش، فهذا دأب العلماء من قديم الزمان؛ يجتهدون ويختلفون، ويردّ بعضهم على بعض، وربما يقسو بعضهم في بعض العبارات.. ومكن اعتبار ردود الدكتور عطية على العثماني من هذا القبيل، إلى هنا الأمر طبيعيّ جداً..

لكن أن يصل الأمر للتحريض على رئيس الاتحاد العالميّ لعلماء المسلمين، ويُطلب أن يُحال بينه وبين بيان آرائه، ويطالب بمنع الريسوني من تأييد من يخالفه الدكتور عطيّة بالرأي (وهو هنا الدكتور سعد العثماني)، أو فليعتزل الريسوني عن رئاسة الاتحاد، وليفعل بعدها ما يشاء!!

هنا الأمر كان مستفزّاً جداً، وقد أثار عندي كوامن، وعارض مبادئ أعتقد أنّه يجدر ألا يتمّ المساس بها.. فقضيتنا مبادئ وليست اشخاصاً، وممّا زاد الأمر سوءاً أنّ المقال بدأ تداوله وتبنّيه من قِبَل بعض الفضلاء!

وقبل أن أبدأ دعونا نتّفق على ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: قد نتّفق وقد نختلف مع اجتهادات من سيرد ذِكرهم بهذا المقال، لكن الذي يهمّنا هو المبدأ، وأقصد بالمبدأ هنا أنّه يجوز لنا الاختلاف حول المسائل العلميّة الشرعيّة، بل والردّ على أصحابها، لكن لا يجوز لنا بحالٍ من الأحوال مصادرة حقّهم في إبداء آرائهم المدعّمة بالأدلّة من كتاب الله تعالى، وسنّة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وكلام أهل العلم الثقات.

النقطة الثانية: نحن هنا لا نناقش الأداء السياسيّ لمن يرد ذكرهم في المقال، فقد نتّفق أو نختلف، وبخاصة أنّ مجال الممارسة السياسيّة يَعْتَوِرها إكراهاتٌ واضطرارات سنختلف -لا محالة- بتقديرها، وسنختلف بالطريقة التي كان الأَوْلى مواجهتها بها، فكلّ هذا متاح وطبيعيّ.

 مع التنويه إلى أنّ كلّ من يدخل ميدان السياسة، ويكون فاعلاً فيها، ويمتدّ به الزمان، لا بدّ أن يختلف الناس بتقييم تجربته وسلوكه ومواقفه، فهذه طبيعة الحياة السياسيّة، وبخاصة في زماننا هذا، حيث الإكراهات التي يتعرّض لها الإسلاميّون من (ضغط الاستبداد الداخليّ أو التسلّط الخارجيّ).

 لذلك أكثرهم يبرعون حينما يكونون في صفوف المعارضة، فإذا دخلوا في الممارسة السياسيّة الفعليّة، والمشاركة في الحُكم وإدارة البلدان فشلوا أو أُفشلوا أو تصلّبوا وخرجوا أو أُخرجوا.. لذلك هنا نميّز بين الآراء العلميّة وبين الممارسة السياسيّة.

النقطة الثالثة: لا بدّ من بيان قاعدة منطقيّة تنطبق على مسائل الحياة النظريّة والعلميّة، وفي مجالات الحياة كلّها، وهي: (كلّما اتجهنا نحو الأصول نَدَر الاختلاف، وكلّما اتجهنا نحو الفروع نَدَر الاتفاق) وحول كلّ ثابت أو مُحْكَم أو أصل يقينيّ مجموعةٌ من المسائل أقلّ صلابةً، وأكثر مرونةً، وأقلّ يقينيّة وأكثر ظنّيّة من ذلك الأصل.

ففي الموضوعين الذين أثارهما المقال الأصل الثابت والمُحْكَم الأول هو (حجّيّة السنّة النبويّة الشريفة) من حيث المبدأ، وبطلان دعاوى من يسموّن بالقرآنيّين -زوراً وبهتاناً- فالقرآن الكريم هو من أرشدنا إلى حجّيّة السنّة النبويّة الشريفة.

والثابت الثاني: هو مشروعيّة الجهاد القتاليّ، خلافاً لدعوات (اللاعنف) الحالِمة! التي تتنكّر لواضحات القرآن الكريم وتتنكّر لبدهيّات العقل والواقع.

 أمّا ما يحيط بهاتين المسألتين الثابتتينِ، فكثير من المسائل المرنة التي يسوّغ بها الاختلاف، بل وقع فيها الخلاف قديماً وحديثاً.

 ففي موضوع الاحتجاج بالسنّة النبويّة الشريفة ومنهجيّة ذلك، فالثابت هنا هو (حجية السنة النبوية) أما إذا دخلنا بالاحتجاج التطبيقيّ على آحاد المسائل، تمّ الاختلاف الشديد، ووقع تراشق التهم -قديماً وحديثاً- بين مدرسة أهل الرأي، واتهامهم لغيرهم بالظاهريّة وعدم الفقه والسطحيّة والحشويّة، وغيرها ممّا لا يخفى على المختصّين.

وقابلهم الآخرون باتهامهم بالعداء للسنّة الكريمة، والجهل بالآثار، وتقديم الرأي على النصوص..

فهنا رأينا رغم الاتفاق على الأصل (حجية السنة النبوية) تم الاختلاف عندما دخلنا بالفروع التطبيقية ومنهجية التعامل مع المرويات.

وفي المسألة الثانية فالثابت فيها هو (مشروعية الجهاد القتالي) وإذا دخلنا في تفاصيل باب الجهاد ومسائله فلا تخفى الاختلافات على مختصّ.

نقد عبارات الدكتور التي تقمع الآراء العلميّة بطريقة غير علميّة:

سأنقل هنا عبارات الدكتور عطيّة حفظه الله، وسأضع لنقد كل فكرة عنواناً مستقلاً تسهيلاً على القارئ.

 ولْنلاحظ اللغةَ التي يستخدمها الدكتور الفاضل في نقد مخالفيه، والمنطق الذي يستخدمه، والمَطالِبُ التي ينادي بها!

سأشير إلى الدكتور عطية (بالدكتور الفاضل) وأقسم بالله لا أقصد بهذا اللقب السخريّة -لا قدّر الله- فأنا أحترم الدكتور وأحبّه في الله، بل أقصد العبارة ذاتها، ووصفه بالفضل من كلّ قلبي، فأعتقد أنّ الدكتور وأمثاله فعلاً من الفضلاء، وما دافعهم إلا الغيرة الدينيّة، والحرصُ على نَقاءِ الدين، وصوابِ الآراء والاجتهادات.

دعوى الإجماع على جهاد الطلب:

يقول الدكتور الفاضل:

“استمعت لندوة نظمها ما يسمى بـ “منتدى الريسوني للحوار العلميّ” لمحاضرة ألقاها الدكتور سعد الدين العثماني، تحدّث فيها عن آيات الجهاد؛ مفادها أنّ جهاد الطلب لا وجود له في الإسلام، وأنّ الجهاد إنّما شرّع فقط للدفع، وبرغم أنّ هذا الكلام مخالف لإجماع العلماء فلن نَعْتَدَّ بإقرار الشيخ له ضمناً؛ لا لشيء إلا لأنّ بعض العلماء المعاصرين قال بقريب ممّا قاله العثمانيّ، فبرغم بطلان هذا الطرح وبواره وخطره الكبير رأيت أن أتجاوز عن إقرار الشيخ له”

لن أقف هنا عند تعبيره (ما يسمى منتدى الريسوني للحوار العلميّ) وما توحيه كلمة (ما يسمّى) من ازدراء واستخفاف، فلعلّه لم يقصد ذلك!

 وكانت الندوة بعنوان: (لقاء مع د سعد الدين العثمانيّ حول آيات القتال في القرآن الكريم، نحو قراءة مقاصديّة) وهي متوفّرة على النت لمن أراد حضورها.

وقد نقل الدكتور الفاضل هنا (دعوى إجماع) على مشروعيّة (جهاد الطلب)، وأنّ العثمانيّ قد خالفها، وتبعه الريسونيّ، ثم عاد الدكتور عطية واعترف أنّ جمعاً من المعاصرين وافقهم، لذلك لن يقف عندها كثيراً.

 وقد نقض دعوى الإجماع الدكتور القرضاويّ في موسوعته (فقه الجهاد) وفنّد هذه الدعوى بما لا مزيد عليه، فليرجع للموسوعة من أراد، فهي متوفّرة على النت.

موافقة الريسوني لكلّ ما ذهب إليه العثماني:

قال الدكتور الفاضل:

“بعد أن أنهى الدكتور العثمانيّ محاضرته تلك قام معالي رئيس الاتحاد بالتصريح بأنّه يؤيّد ما تقدّم به المحاضر من آراء أدلى بها في كتبه ومحاضراته، بما في ذلك “تصنيفه للتصرفات النبويّة”.

أظنّ العبارة هنا خانت الدكتور عطيّة، فقد بيّن الدكتور الريسوني في بداية تعقيبه أنّه كان له تحفّظات على بعض آراء الدكتور العثمانيّ السابقة لكنّه وافقه بهذه المحاضرة جملة وتفصيلاً:

 فقال نصّاً: “أخي العزيز بل أخونا العزيز الأستاذ الدكتور سعد الدين، حفظه الله، تعاشرنا وتناقشنا وتحاورنا علميّاً منذ عشرات السنين، وكان دائماً يتميّز باجتهاداته العلميّة والواقعيّة، وكنت مراراً أتّفق معه في مبدأ ما يذهب إليه، ولكنّي كنت أجد نفسي أختلف معه في اندفاعه وبعض غلوّه فيما يذهب إليه (مثل) تصنيف التصرّفات النبويّة، وفي مسألة الأمراض النفسيّة والجنّ..، لكنّني هذه المرّة أجد نفسي متّفقاً معه جملة وتفصيلاً، ليس الآن فقط، فهذه الأفكار والاجتهادات وهذه التعليلات التي ذكرها اليوم سمعناها منه، وقرأناها له منذ سنين، وهي في غاية الدقّة والاعتدال والتوازن والالتزام بالنصوص الشرعيّة لفظاً ومعنى، لفظاً ومقصداً الآيات المتعلّقة بالقتال..”

جهاد الطلب:

 ثم أخذ الدكتور الريسوني يذكر سبب موافقته للدكتور العثماني في مسألة إنكار قتال المسالمين من غير المسلمين، بما يعرَف في أدبيّاتنا بـ (جهاد الطلب)، فهو يثبت القتال ضدّ المعتدين على المسلمين، وينكر قتال غير المعتدين علينا، ويستعرض في المحاضرة النصوص القرآنيّة والأحاديث الشريفة وأقوال أهل العلم الراسخين، ويناقشها مناقشة علميّة منطقيّة، وينقل عن السابقين ما يؤيّد مذهبه.

وقد كانت مداخلة علميّة محترمة -بتقييمي- فالرجل لم يكن يرتجل الكلام ارتجالاً، بل يقرأ بحثاً كتبه بإحكام، وعرضه سابقاً مرّات عدّة، كما أشار لذلك الدكتور الريسونيّ في بداية تعقيبه.

وهذه المسألة -أقصد جهاد الطلب أو الجهاد القتاليّ الهجوميّ كما يسمّيه الدكتور القرضاوي- مسألة خلافيّة قديمة، وتكاد تكون أصبحت قولاً شائعاً عند فقهاء عصرنا كما بيّن فضيلة أستاذنا الدكتور القرضاوي في موسوعته الجليلة (فقه الجهاد)، فضيّق جهاد الطلب في أضيق مجال، وردّ على أدلّة من أطلق القول بجهاد الطلب بحوالي 200 صفحة من موسوعته، بل تكاد تكون هذه المسألة أكثر مسألة أكّدها في موسوعته.

وقد أفردتُ هذه المسألة (مسألة جهاد الطلب) في حلقتين من برنامجي (بصراحة) وكانتا تحت عنوان: (جهاد الطلب في عصرنا 1-2) وهي متوفّرة على اليوتيوب، لمن أراد الوقوف على خلاصة المسألة.

المدرسة المغاربية:

يقول الدكتور الفاضل:

 “يحزنني أنّ رئيسها فضيلة الشيخ الدكتور الريسوني يبسط جناحه الخاصّ، ويظلّل بعنايته الخاصّة مدرسة مغاربيّة لا تفتأ تمخر في جسد الشريعة، بما تثيره من قضايا تنتهي في مجملها إلى علمنة الإسلام، وإرغامه على الدخول تحت هيمنة الفكر الغربيّ؛ وذلك كلّه باسم الدراسات المقاصديّة وباسم التجديد”.

دكتورنا الفاضل:

 هذه المدرسة المغاربيّة ليست وحيدة، بل لها أنصار وموافقون في المشرق، كذلك كلاهما أثّر في الآخر، من مثل مدرسة المنار، وجمع غفير من العلماء والمفكّرين الذين تنتشر كتاباتهم في العالم الإسلامي مثل الغزالي والقرضاوي والعوّا وعمارة والبشري وهويدي، وسيف عبد الفتاح والبكّار والغنّوشي ومحمّد مختار الشنقيطيّ… والقائمة تطول.. بل لعلّني أزعم أنّها المدرسة الأكثر انتشاراً في الآونة الأخيرة.. فهل تتّهم هؤلاء كلّهم بالعلمنة والانبهار بالغرب؟!

الانبهار بالغرب:

ثم إنّ الاستفادة من الغرب أو الشرق فيما توصّلوا إليه من حلول ووسائل وأفكار مفيدة تتوافق مع ديننا.. أمرٌ حسن.

-وأمر آخر.. وهو أنّ تراشق التهم غير علميّ ولا منصِف، وهو سلاح ضعيف، فمن ترميهم بالعَلْمَنَة يمكنهم رميك بالدّعْشَنة، أو التشدّد أو الجمود أو غيرها من التهم التي لا تنتهي..

طلب معرفة رأي الاتحاد:

يقول الدكتور الفاضل:

 “من حقّ فضيلة الدكتور أن يعتنق من الفكر ما شاء، وأن يناصر من المفكّرين من يريد، ومن حقّنا في المقابل -كأعضاء في هذا الاتحاد، أو حتّى  كمسلمين يمثّلهم هذا الاتحاد- أن نعرف موقف الاتحاد من مواقف رئيسه ومن الأفكار التي يروّجها”.

كنت أتمنى أن يقول الدكتور الفاضل:

“من حقّ فضيلة الدكتور أن يعتنق من الفكر ما شاء، وأن يناصر من المفكّرين من يريد، ومن حقّنا في المقابل -كأعضاء في هذا الاتحاد، أو حتّى كمسلمين يمثّلهم هذا الاتحاد- أن نناقشه ونحاوره ونناصحه وأن نردّ عليه..”

 لكان كلامه مقبولاً، بل لا يبعد أن نقول: إنّه مطلوبٌ، فمن واجب العالم أن يبديَ رأيَه ولا يكتمه، ولا يجامل أحداً في المسائل العلميّة..

أما أن يُطلب رأيُ الاتحاد في الآراء التي (يروّجها رئيس الاتحاد) فهذا أمر عُجاب، فالاتحاد هيئة علمائيّة، وظيفتها جمع كلمة علماء المسلمين في العالم في القضايا المصيريّة، لا أن يتطابق علماء الأمّة في مناهجهم وآرائهم كما يُفهم من رسالة الدكتور عطيّة!

ثم إنّ الريسوني لم ينشر آراءَه أو تأييدَه لغيره على منصّات الاتحاد، وإن كنت لا أرى منعه أو منع غيره من نشر تلك الآراء الخلافيّة على منصّات الاتحاد،

فهل يريدنا الدكتور الفاضل أن نتتبع كلّ صاحب منصِب في منظمةٍ ما، ونطالبه بالسكوت عمّا يخالف بقيّة الأعضاء؟!، إذن بئست المناصب العلميّة التي تمنع صاحبَها أن يجهر بآرائه العلميّة!

مكانة الريسوني:

ويلحّ الدكتور عطيّة طيلة المقال على طلب معرفة رأي الاتحاد.

يقول الدكتور الفاضل:

“لأنّ موقع رئيس الاتحاد يعطي لتصريحاته ومواقفه ثقلاً ووزناً، فإن كانت موافقة للشريعة كان أثرها عظيمًا في نصرتها، وإن كانت مخالفة للشريعة كان لها الأثر ذاته في خذلانها، فليس من تحديد الموقف وإعلانه مَهْرَب ولا مفرّ.

وأقول لدكتورنا الفاضل:

تصريحات الدكتور الريسونيّ ومواقفه لها وزن وثقل كبير في قلوب عامّة المسلمين، من قبل تبوّئه هذا المنصب، ولذلك استحقّ هذا المنصب، فأمثال الريسونيّ يَشرف المنصب بهم، وهم من يضيفون للمنصب وليس العكس، فيقال: فلانٌ (العَلَمُ المشهورُ) هو من يترأّس هذه المنظّمة.. فيثق الناس بالمنظمة لأنّ فلاناً هذا يترأّسها.. ولا نزكّي على الله أحداً..

ويصل به الأمر في نهاية المقال إلى قوله:

“وإمّا أن يكفّوا الشيخ الذي يترأّس الاتحاد عن تلك التصريحات المزعجة، ثمّ هو بعد ذلك له كامل الحقّ في أن يعتقد ما شاء، أو يتنحّى ليصرّح بما يحبّ ويهوى”!

(يكفّوا): من هؤلاء الذين تطلب إليهم أن يكفّوا؟ ويكفّوا مَنْ؟! وهل الدكتور الريسونيّ شابٌ طائش يحتاج من يكفّه ويسكته عن الأقوال التي تزعج الدكتور الفاضل عطيّة؟!! ليتك لم تكتب هذا يا دكتور عطيّة!

لَويُ يَدِ العالم ومحاولة إسكاته بطرق ملتوية:

 وهذا أمر هام ولعلّه أهمّ ما أُريد قوله بهذا الردّ:

متى سنكفّ عن محاولة إسكات من يخالفنا الرأي من المختصّين الراسخين؟ متى سنحترم فعلاً (أدب الخلاف)؟ أو (فقه الاختلاف)؟ أم أنّنا ننادي بذلك نظريّاً ونتجاهله عمليّاً؟ لن أقول أين حريّة الرأي والتعبير كيلا يقول قائل: هذا مبدأ عصريّ.

 سأقول: أين حريّة الاجتهاد العلميّ؟ بل أين حريّة إبداء الرأي العلميّ؟! كيف ستنمو العلوم وتتطوّر إذا قمعنا أصحاب الآراء التي تخالفنا؟! رحم الله أئمّتنا كم تعرّضوا للاضطهاد، وكم صبروا وتحمّلوا؟! فلا يكاد ينجو عالم صاحب بصمة علميّة، وإضافة معرفيّة حقيقيّة من اختبار وامتحان واضطهاد بسبب آرائه! حتّى قال بعض الفضلاء: اكتب على محرّك البحث (محنة الإمام) وانظر كم نتيجة مختلفة ستخرج لك قبل أن تضغط زر البدء بالبحث؟!

كتبتُ مقالاً مطوّلاً من سنوات بعنوان: (لماذا يخافون الجهر بآرائهم؟) ثم أتبعتها بثلاث حلقات في برنامجي (بصراحة) على اليوتيوب بالعنوان نفسِه.

وأحصيتُ فيها أساليب قَمْعِ الآراء، وكبتِ أصحابها، لكن لم يخطر ببالي هذا الأسلوب: (أسلوب الاستقواء بالمنظّمات على كتم آراء المنتسبينَ إليها؟!) يبدو أنني بحاجة لتحديثِ المقال!

دكتورنا الفاضل! الاستعانة بالناس في إسكات العالم ليست أقلّ سوءاً من الاستعانة بالحُكّام أو الظَلَمة، فالنتيجة واحدة! بل ربّما كانت ردّة فعل عموم الناس أقسى وأشدّ إيلاماً، وأكثر ظلماً من ردّة فعل الحُكّام، لأنّها صادرةٌ عن أشقّائنا وذوي أرحامنا!

دكتورنا الفاضل: هذه سُنّة سيئة فلا تسنّوها، ضع نفسَك مكان الدكتور الريسونيّ، ما شعورك لو تتبعك أحد الناس، وأمسك ببعض المسائل، ثمّ انطلق قائلاً:

(انظروا أيّها الاتحاد مَن وضعتم على كرسيّ رئاسة الاتحاد؟ رجلٌ داعشي متشدّد متعنّت متصلّب يقول كذا وكذا.. أو يؤيّد فلاناً القائل كذا وكذا.. أو غيرها من التهم؟!)

دكتورنا الفاضل: ما لا تحبّه لنفسِك لا ترضَه لغيرك!

يقول نبيّنا الكريم عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدُكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه).

بعض غير الإسلاميّين قال: إذا كان بعض الإسلاميّين يقمع من يخالفه من إخوانه من الإسلاميّين، وهذا قبل استلامهم لأيّ منصِب، فكيف سيصنعون بنا غداً إن استلموا الحكم؟!

انتهاك الثوابت والمحكمات:

يقول الدكتور الفاضل:

” وقد سبق للشيخ – حفظه الله – أن أدلى بتصريحات شرعيّة، وأخرى سياسيّة على درجة كبيرة من الخطورة، وقمت بالردّ عليه في حينها في مقالات مختلفة، لكنّها في النهاية مسائل – برغم خطورتها – يمكن سحبها ولو بصعوبة إلى دائرة المختلف فيه بين أهل السنّة، أمّا هذه المرّة فالأمر جِدُّ مختلف؛ لأنّه يمسّ ثوابت منهج أهل السنّة، ويمسّ كذلك ثوابت العمل الإسلاميّ، والصحوة الإسلاميّة التي ينتمي إليها أغلب المنتسبين لهذا الاتحاد المبارك، ويعدّ خرقاً واضحاً لثوابت الدين الإسلاميّ“ّ.

انظر إلى اللغة التضخيميّة والتهويليّة:

“درجة كبيرة من الخطورة..

يمسّ ثوابت منهج أهل السنّة..

ثوابت العمل الإسلاميّ والصحوة الإسلاميّة..

خرقاً واضحاً لثوابت الدين الإسلاميّ

العجيب أنّ الدكتور الفاضل يدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات..

والمفروض أنّه الخبير بالمحكمات والثوابت والأصول، والمفروض أنّه يتقن التفريق، ويجيد التمييز بين الثوابت التي لا يجوز الاختلاف فيها، وبين المسائل المحيطة بها التي انتشر الخلاف فيها وذاع..

كما أنّ اقتحام دائرة الثوابت والاختلاف فيها ممنوع ومحظور، كذلك توسيع دائرة الثوابت ليشمل ما اختلف فيه العلماء قديماً وحديثاً مشكِل علميّ جليل، وهو من منابع الغلوّ والتكفير والتفجير.. ونحن لا نتّهم الدكتور بالتكفير والتفجير، لا سمح الله، لكنّه -وفق ما طرحه في مقاله هذا- رسم خطّاً سيصل غالباً إلى الكفير والتفجير..

وإلا ما حكم من يقول أو يقرّ بأقوال كهذه الأقوال:

درجة كبيرة من الخطورة..

يمسّ ثوابت منهج أهل السنّة..

ثوابت العمل الإسلاميّ والصحوة الإسلاميّة..

خرقاً واضحاً لثوابت الدين الإسلاميّ“؟!

وإن كان الدكتور لا يقصد معاني هذه الكلمات بدقّة، فأرجوه أن يتوخّى في المرّة المقبلة الدقّة بكلامه، فهو ينتقد (مسائل فقهيّة أصوليّة)، ودقّة الفقهاء والأصوليّين معروفة مشهورة، فنرجوه ألّا يستخدم لغة صحفيّة عاطفيّة تعبويّة!

أعتقد أنّ من أهم المحكمات أن نحترم الخلاف العلميّ، ولا نحرّض الناس ضدّ قائله، وإن كنّا نخالفه فالفكر يُنقد بالفكر.

مسألة تقسيم مقامات النبي صلى الله عليه وسلم:

المسألة الأهمّ التي أنكرها الدكتور عطيّة تأييدُ الدكتور الريسونيّ لأطروحة العثمانيّ (المتضَمَّنَة) خلال بحثه عن آيات القتال.. وهي مسألة تقسيم أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمقامات النبوّة والرسالة والفتيا والإمامة (الحكم السياسيّ) والقضاء، وهي مسألة محلّ اتفاق بين جمهور علمائنا القدماء والمعاصرين، وقد يتفاوتون في التوسّع فيها، أو التضييق فيها، خلال تطبيقها على بعض المسائل، كما أشار إلى ذلك الإمام القرافيّ رحمه الله:

“اعلم أنَّ تصرُّفَه – عليه الصلاة والسلام – ينقسمُ إِلى أربعة أقسام:

قسمٍ اتّفق العلماء على أنّه تصرُّفٌ بالِإمامة، كالإِقطاع، وإِقامةِ الحدود، وإِرسالِ الجيوش، ونحوِها.

وقسمٍ اتّفق العلماء على أنّه تصرّف بالقضاء، كإِلزام أداء الديون، وتسليمِ السِّلَع، ونقدِ الأثمان، وفسخِ الأنكحة، ونحوِ ذلك.

وقسمٍ اتّفق العلماء على أنّه تصرّفٌ بالفتيا، كإِبلاغ الصلواتِ، وإِقامتِها، وإقامةِ المناسك، ونحوِها.

وقسمٍ وقع منه – صلّى الله عليه وسلّم – مُتردِّداً بين هذه الأقسام، اختَلَف العلماءُ فيه على أيّها يُحمَلُ؟” انتهى كلام القرافي.

– وثمرة الخلاف بين هذه المقامات أنّ (مقام الإفتاء وبيان الأحكام الشرعيّة): هذا مقام يبيّن فيه نبيّنا الكريم عليه الصلاة والسلام حكم الله تعالى في المسائل التي يتناولها، فهي أحكام مُحكمة ثابتة في القضايا الشبيهة بها إلى يوم القيامة، وأغلب حاله صلّى الله عليه وسلّم من هذا المقام، لأنّه الأصل في مهمّة الرسول الكريم عليه والصلاة والسلام (وما محمّدٌ إلا رسولٌ) أي مبلّغ عن الله تعالى، وتخضع هذه الأحكام التكليفيّة للأحكام الوضعيّة المعروفة من توافر الشروط والأسباب وانتفاء الموانع (وبين الفتاوى والأحكام فروق لا تخفى على أهل التخصّص).

أمّا (مقام القضاء): فهو يقضي بحسب ما يُعرض أمامه من حُجج وبيّنات، ولعلّ بعض الخصوم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فيقضي له بقطعة من نار، كما ثبت في الحديث الشريف، إذن ليس قضاؤه هنا حكماً شرعيّاً ثابتاً ملزِماً إلى يوم القيامة، بل المعوّل عليه هنا الحجج والأدلّة والبراهين والبيّنات التي تثبت لدى القاضي فيقضي وفقها.

أمّا مقام الإمامة: فالمقصود بها مقام الحاكم: فالأحاديث التي يصنّفها العلماء تحت هذا المقام (باجتهادهم) وربّما اختلفوا في هذا التصنيف -كما مرّ من كلام القرافيّ رحمه الله- فهذه الأحكام ليست أحكاماً شرعيّة دائمة وملزِمة لحُكّام المسلمين وعامّتهم، بل المعوّل عليه هنا هو بحث الحاكم عن مصلحة الإسلام والمسلمين، ويختلف تقدير ذلك بحسب الزمان والمكان والحال.

مثال توضيحي مسألة التنفيل:

نضرب لذلك مثالاً شهيراً وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: (مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبه).

 ولنشاهد كيف اختلف أهل الرأي من الفقهاء الباحثين عن علل ومقاصد النصوص، مع أهل الأثر من الفقهاء المتمسّكين بظواهر النصوص والآثار، وهذا في الأعمّ الأغلب، وإلّا ففي بعض الأحيان تجد المقاصديّ أصبح ظاهريّاً في بعض المسائل، والأثريّ أصبح مقاصديّاً في مسائل أخرى.

والمقصود بالرأي: (الرأي الشرعيّ) المبنيّ على فهم واستحضار المقاصد والكلّيّات القطعيّات للنصوص، وليس الرأي الشخصيّ المزاجيّ، وترجيح تلك الكلّيّات القطعيّات على الجزئيّات الظنّيّات إن تعارضت مع مراعاة الواقع ومصالح العباد، كما وضّح الدكتور مصطفى الزرقا في كتابه: (المدخل الفقهيّ العام).

فالإمام أبو حنيفة والإمام مالك رحمهما الله هما إماما المقاصدِ، وتعليلِ الأحكام، وإن كان أبو حنيفة أكثر مقاصديّة، حتّى سُمّي: (إمام أهل الرأي)، ولا ننسى أنّ شيخ الإمام مالك هو -ربيعة الرأي- سُمّي بذلك لجَودة رأيه وفقهه.

والإمام الشافعيّ والإمام أحمد رحمهما الله، هما إماما أهل الأثر، وإن كان الإمام أحمد أكثر أثريّة من الشافعيّ، لأنّ أصله محدّث، ويبقى الإمام الشافعي تلميذاً -سابقاً- للإمام مالك، والإمام محمّد صاحب أبي حنيفة رحم الله الجميع، وهنا اسمحولي أن أترحّم على شيخنا مفتي البقاع الشيخِ الفقيه الأصوليّ المقاصديّ خليل المَيْس رحمه الله، الذي كان لا يفتأ يشرح ملامح هاتين المدرستين، ويؤكّد على أثرهما في الاجتهاد ويكرّر ذلك ويؤكّده عند تقرير أيّ مسألة اجتهاديّة.

فلنتابع كيف ظهر منهجهم بالتعامل مع النصوص جليّاً في هذه المسألة:

وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلاً فله سلبه).

قال الإمام الشافعيّ والإمام أحمد رحمهما الله: قالا بظاهر الحديث وحملاه على مقام بيان الأحكام فقالا: هذا حكمٌ شرعيٌ ثابت، وبالتالي كلّ مقاتل قتل قتيلاً في الحرب المشروعة فله ما معه من لباس (ومنهم من حصرها بالسلاح واختلفوا في الدابّة..) ولا يحتاج لأخذ ذلك إلى إذن الإمام!

وقال الإمام أبو حنيفة والإمام مالك رحمهما الله: بل هذا الحديث من مقام الإمامة، وليس حُكماً شرعيّاً ثابتاً، فللإمام أن (يُنفّل) أي يعمل بهذا الحديث، وله أن (يُخمّس) أي يعمل بالآية الكريمة (آية الأنفال) وهو الأصل.

 وهنا (كونه تصرّف بالإمامة) مسألتان:

  1. ليس للمقاتل أن يأخذ سَلَب من قتله إذا لم يأذن الحاكم بذلك.
  2. للحاكم أو قائد الجيش الذي فوّضه الحاكم أن يعلن تشجيعاً للجنود أو مكافأة لهم (لأنّ هناك خلافاً حول: هل يجوز التنفيل قبل الحرب أم بعدها؟)، أنّ (من قتل قتيلاً فله سلبه)، وللحاكم ألّا يعمل بهذا الحديث، ولا يعلن أنّ (من قتل قتيلاً فله سلبه)، ولا يأذن لأحد بأخذ شيء قبل قسمة الغنائم، فمن أخذ شيئاً فهو غلول..

وهو بذلك لا يخالف السنّة النبويّة الشريفة، بل يعمل بها، لأنّ الحاكم يعمل بما يراه مصلحةً للمسلمين، كما هو فقه ومعقول ومقصود هذا النصّ، وعملاً بالقاعدة الأصليّة التي تتناول هذه المسألة؛ وهي عموم قوله تعالى: (واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خُمسَه..) فإنّه لم يستثنِ شيئاً.

(لسنا هنا بوارد استقصاء الأدلة والنقاشات، ولا الترجيح بين القولين، وإنما بيان المعاني والتمثيل لها فقط)

وهذه النقطة الثانية لم يبيّنها الدكتور الفاضل في مقاله، وأعتقد أنّها بيت القصيد في موضوعنا، وتجاهل هذه المسألة التي هي لبّ القضيّة ليس من النزاهة العلميّة!

بل ركّز على المسألة الأولى فقط، وهي مسألة اتّفق عليها جمهور العلماء، وهي ما يُعرف بجريمة (الافتئات) على دور الدولة، والقيام بدور الدولة دون إذنها مثل: “إقامة الحدود، وترتيب الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الأقطاعات في القرى والمعادن، ونحو ذلك، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر” [الإمام القرافيّ].

أهمية قاعدة التمييز بين مقامات النبي صلى الله عليه وسلم:

إنّ بيان وشرح وترسيخ قاعدة التمييز بين مقامات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم باب نفيس ومهمّ من أبواب أصول الفقه، في التعامل مع الأحاديث النبويّة، وفي الفهم الدينيّ الذي يعين على إدراك عقليّات ومناهج مجتهدينا العظام، في التعامل مع نصوص الكتاب والسنّة، وليس مثل عقليّة بعض الناس يتعاملون بعقليّة ظاهريّة، ويحرّشون العامّة بخطاب شَعبَوي سطحيّ، ويقولون: (انظروا إلى هؤلاء! نقول لهم: قال رسول الله، ويقولون لنا: قال مالك وقال أبو حنيفة!)

يقول الإمام القرافيّ رحمه الله تعليقاً على هذه المسألة (سَلَب المقتول):

 “متى رأى الإِمامُ ذلك مصلحةَ قاله، ومتى لا تكون المصلحةُ تقتضي ذلك لا يقولُه، ولا نَعني بكونه تصرُّفاَ بالإِمامة إلا هذا القدْر.

فهذه الوجوهُ هي المُوجِبَةُ لمخالفةِ مالكِ أصلَهُ [قال حذيفة: يقصد أنّ الأصل أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مبلّغ عن الأحكام الشرعيّة الثابتة] وفي حَمْل تصرُّفِ رسولِ الله – صلّى الله عليه وسلّم – على الفُتيا حتى يَثْبُت غيرُها، لأنّها الغالب.

ونظائرُ هذه المسألة كثيرٌ في الشريعة، فتَفَقدْه تجده وتجد فيه عِلماً كثيراً ومُدْرَكاً حسناً للمجتهدين”

فليست القضيّة إنكاراً لحجيّة الأحاديث المتعلّقة بالسياسة جملة وتفصيلاً، كما أراد الدكتور الفاضل تصويره لنا، فالدكتور العثمانيّ ممّن تخصّص بهذه القضيّة، وكتب فيها وألّف الكثير، ويكاد يكون أكثر إنسان اشتهر في عصرنا بهذه القضيّة، لدرجة أنّها أصبحت تُعرَفُ به ويُعرَف بها.

فليس من الصواب اختزال رأيه بهذه الصورة المجحفة، فالرجل ألّف وفصّل، ومؤلّفاته متوفّرة متاحة على الإنترنت لمن أراد الوقوف على تفاصيل قوله فيها.

فهي زاخرة بالاستشهاد بنصوص الكتاب والسنّة، ونقولات عن العلماء المختصّين، وليس كما قال الدكتور عطيّة سامحه الله:

“وهكذا وبهذه الطريقة المريبة تعامل الدكتور العثمانيّ مع أقوال العلماء كالعزّ بن عبد السلام وابن تيميّة وابن القيّم وغيرهم”

السنة التشريعية وغير التشريعية:

وأمّا قضيّة السنّة التشريعيّة غير التشريعيّة، فليست من بدع الدكتور العثماني المنكرَة، وليست قولاً شاذّاً كما وصفه الكاتب -سامحه الله- بذلك، بل كلّ دارس لعلم أصول الفقه وعلوم الحديث يعرف أنّ هناك روايات لا يُؤخذ منها تشريع، وقد بسط القولَ فيها الدكتور القرضاويّ في كتابه (السنّة مصدراً للمعرفة والحضارة) بما يشفي العليل.

بين حرية الرأي والالتزام التنظيمي:

قبل أن أختم سأروي هذه الحادثة المهمة في موضوعنا:

استضفنا في (مؤسّسة رؤية للفكر) عدّة علماء ومفكّرين مغاربة كبار ومميّزين على مستوى العالم الإسلاميّ، وبعد التعرّف عليهم عن قرب اكتشفتُ أنّهم ينتمون لتنظيم واحد هو (حركة التوحيد والإصلاح) وكان بينهم اختلاف ليس باليسير في الرؤى والأفكار مثل د. أحمد الريسونيّ والمقرئ الإدريسيّ ود. محمّد الطلابي ولم نتشرف باستضافة د. سعد العثمانيّ لانشغاله بالمناصب السياسيّة، لكنّني متابع جيّد لنتاجه العلميّ والفكريّ، وتفاجأتُ أنهم كلّهم ينتمون إلى تنظيم واحد، رغم اختلافاتهم الفكريّة!

 فسألت شيخنا الريسونيّ عن سرّ ذلك؟ فالتنظيمات عادة تضيق بالمفكّرين الأحرار، فتُسكتهم عن الجهر بآرائهم، التي تخالف أفكار التنظيم أو تُخرجهم من التنظيم -بطريقة أو بأخرى-، أو يَخرجون بأنفسهم نتيجة الضبط والربط الذي يفرضه التنظيم على أعضائه -بشكل أو بآخر-

 فضحك الشيخ الريسوني حفظه الله، وقال:

“أنا أناضل من أجل الحفاظ على هذه الحال، وأسأل الله أن يبقى الوضع بعدي هكذا، لأنّ التنظيميّين مثل الضبّاط العسكريّين؛ أهمّ شيء عندهم الانضباط التنظيميّ، والسمع والطاعة، ونحن في حركة التوحيد والإصلاح وصلنا لحلّ نحافظ فيه على الانضباط، دون أن نحجّم عقولَ مفكّرينا، وهي بالتزام قاعدة: (الحرّيّة في الفكر، والالتزام بالقرار) فيلتزم الجميع بالقرارات التي يتّفق عليها الإخوة بعد الشورى والنقاش، ولكلّ شخص حرّيّة أن يجهر بآرائه التي تخالف القرار، مع التزامه بالقرار أو يتركون له حرية عدم الالتزام (قال حذيفة: لم أعد أذكر تماماً).

فينبغي أن نستفيد من التجارب كلّها، وبخاصّة من الحال المغاربيّة العلميّة، بدلاً من محاولة كتم آرائهم، والتحريش ضدّهم باسم الحفاظ على الثوابت ووحدة الصفّ والمنهج!

ختاماً أنا متأكّد أن هذا المقال لن يفسد الودّ والحبّ والاحترام مع فضيلة الدكتور عطيّة عدلان حفظه الله، وأرجوه أن يسامحني إنْ قسوتُ أو أخطأتُ في حقّه، وأطلب منه الدعاء في ظهر الغيب، واللهَ أسأل أن يجمعنا وكلّ من ذُكر في المقال في الدنيا على أحسن حال، وفي الآخرة في جنّات الخُلد، إنّه أكرم مسؤول.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى