مقالات فقهية

الشورى من المجال الخاص إلى المجال العام..

الشورى من المجال الخاص إلى المجال العام..

إذا ثبتت الشورى ولزمت في القضايا الخاصة والحياة الخاصة، للفرد مع نفسه، وللفرد مع مثله من الأفراد، وثبتت ولزمت للزوج مع زوجه، وللأب مع أبنائه، فكيف تكون ضرورتها وأولويتها في الشؤون العامة والقضايا الكبرى؟!.

جواب ذلك وبيانه في آيتي الباب وعمدته: 

ـ الآية الأولى (وأمرهم شورى بينهم)

وهي في سياق قوله تعالى:  فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) ([1])

ـ الآية الثانية (وشاورهم في الأمر)

وقد وقعت خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلــم في سيــاق قــوله تعـالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ([2])

الآية الأولى ـ كما هو معلوم ـ تقع في سورة سميت باسمها، وهي سورة الشورى، وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم الشورى هو في حد ذاته تشريف لأمر الشورى وتنويه بأهميتها ومنزلتها.

جاءت الشورى في هذه الآية وصفا تقريريا، ضمن صفات أساسية لجماعة المؤمنين المسلمين. فهم بعد إيمانهم متوكلون على ربهم، مجتنبون لكبائر الآثام والفواحش، مستجيبون لأمر ربهم، مقيمون لصلاتهم، وأمرهم شورى بينهم، ويزكون أموالهم وينفقون منها في سبيل الله…

 فهذا هو موقع الآية الكريمة التي وصفت جماعة المسلمــين بوصف قائم ثابت âوأمرهم شورى بينهمá “والمراد تشاورهم في كل أمر يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي. ” ([3])

 وقد انتبه عدد من العلماء إلى وقوع هذه الصفة ضمن صفاتُ تَعدُّ من المقومات والأركان الأساسية في الدين، وهو ما يعني أنها واحدة من تلك الفرائض والأركان. قال الجصاص رحمه الله “وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)} يدل على جلالة موقع المشورة، لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدل على أنهم مأمورون بها.”  ([4])

أما الآية الثانية ـ آية آل عمران ـ فقد جاءت خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بصفته داعيا وهاديا، ومرشدا مربيا، وأميرا قائدا. وهذا ما يقتضيه أن يكون رفيقا بالناس، متلطفا معهم رحيما لهم، عفوا، عنهم متسامحا معهم، بل مستغفرا لهم في أخطائهم وذنوبهم، ومستشيرا لهم مراعيا لآرائهم.

وهذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه هو أمر لكل من يقوم مقامه من الدعاة والقادة والأمراء. بل إن العلماء والمفسرين يعتبرون أن هؤلاء مأمورون من باب أولى وأحرى. فهم الأحوج إلى هذا الأمر وبفارق كبير جداً عن رسول الله.

ومن هنا عُدَّت هذه الآيُة قاعدةً كبرى في الحكم والإمارة وعلاقة الحاكم بالمحكومين. وعند تفسيرها قال القاضي ابن عطية رحمه الله قولته البليغة المتداولة :  “والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام. ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه. ” ([5])

حكم الشورى

مسألة حكم الشورى، وهل هو الوجوب أو الندب، قد تبدو مسألة واضحة ومتجاوزة، وخاصة إذا نظرنا إلى القولين السابقين للجصاص وابن عطية. ولكن المسألة تحتاج إلى شيء من التمييز والتفصيل لكي نخرج من الخلط والتعميم.

فإذا تعلق الأمر بالحكام والرؤساء والأمراء، ممن يسري عليهم قوله تعالى:  (وشاروهم في الأمر)، فلا شك أن الحكم هو الوجوب. لأن الوجوب إذا كان قد قيل به في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكل خصائصه ومزاياه النبوية والشخصية، فهو في غيره أوضح وآكد.

وإذا كان حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: “ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم “ ([6])، فنحن نعرف أن لا أحد أكثر استغناء عن مشورة أصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن كل حاكم أو أمير أو مسؤول هو حتما أكثر حاجة وأشد افتقارا لمشورة أصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالمشاورة، حتى لو فرضناه على الندب، كما في بعض الآراء، لكان في حق غيره على الوجوب، ولو كان في حقه على الوجوب ـ وهو الصحيح ـ لكان في حق غيره أوجب وألزم. ومن هنا رأينا ابن عطية لا يكتفي بوجوب الشورى، بل يعدها “من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام” وحكى أن الواجب الذي لا خلاف فيه هو عزل من لا يستشير أهل العلم والدين.

وقد رام الفقيه التونسي الإمام أبو عبد الله بن عرفة إبطال القول بوجوب عزل من لا يستشير، معتبرا قول ابن عطية “غير صحيح، ولم يقله غيره ، ” وأن ما عليه العلماء هو أنه إذا صدر من الإمام حتى ما هو أشد من عدم مشاورة أهل العلم والدين، فإن ذلك لا يوجب عزله. ([7])

غير أن إماما تونسيا آخر ـ هو العلامة ابن عاشور ـ قد تصدى للرد على ابن عرفة وتصحيح قول ابن عطية، على أساس أن ابن عرفة قاس ترك الشورى على الأفعال الموجبة للفسق، مع أن فسق الإمام إن حصل لا يوجب عزله، فكيف بترك الشورى الذي لا يرقى إلى درجة الفسق. ولكن هذا القياس لا يستقيم ولا يصح.

قال ابن عاشور:  “إن القياس فيه فارق معتبر، فإن الفسق مضرته قاصرة على النفس، وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات. ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب، والأصل عندهم عدم الخصوصية في التشريع([8]) إلا لدليل.” ([9])

وكذلك قوله تعالى: و) أمرهم شورى بينهمá، فهو يفيد أن كل ما هو أمر مشترك بين الجماعة، فهو شورى بينهم، فلا يحق لأحد أن يغتصب الانفراد به والاستبداد بالتصرف فيه.

ومعنى هذا أن الشورى لازمة للجماعة في أمورها العامة، ولكل من يريد التصرف في شأن من شؤونها الجماعية المشتركة.

وأساس الوجوب هنا هو الاشتراك في الأمر، والاشتراك في الحق، والاشتراك في المصلحة أو المفسدة، والنفع أو الضرر. فكل ما هو مشترك، أو جماعي، فحق تدبيره أيضا مشترك، ولا يحق للأمير ولا لغيره التصرف فيه بغير مشورة ولا إذن من ذوي الشأن . قال القرطبي”…فإن كان أمر يشملهم نفعه وضره، جمعهم للتشاور في ذلك. “[10]

وقد رأينا ـ قبل قليل ـ أن الله تعالى ذكر التشاور مرتين فيما يخص إرضاع الطفل، لأن الطفل مشترك بين أبيه وأمه، وليس أحدهما أولى به من الآخر، فلزم الائتمار والتشاور والتراضي في شأنه. وكذلك الأمر في الزواج والتزويج، يتشاور فيه كل أطرافه، ويستشار فيه كل من له فيه حق وعليه تبعة.

أما حين يتعلق الأمر بالشؤون الشخصية والحقوق الفردية، فالشورى فيها متروكة لصاحب الشأن وصاحب الحق، فهو يقدر أن يستشير أو لا يستشير، ومع من يستشير، وهو يقدر أن استشارته في أمر معين واجبة أو مندوبة… وذلك بحسب كل أمر وكل نازلة، ومدى ما يكتنف ذلك من غموض أو وضوح، ومن نتائج وآثار، ومصالح وأضرار… ولكن في جميع الحالات تكون الشورى مسنونة ومشروعة وحميدة، أي أن حكمها لا ينزل عن درجة الندب والاستحباب. وهذا ما يدل عليه مجمل النصوص والآثار التي تمدح الشورى والمستشيرين وتنوه بحسن عاقبتها وجميل آثارها، من مثل ما تقدم، ومثل الحديث:  ” ما خاب من استخار ولا ندم من استشار.” ([11])


([1]) سورة الشورى، 36ـ 38

([2]) سورة آل عمران، 159

([3]) فتح البيان في مقاصد القرآن، لصديق بن حسن القنوجي12/311

([4]) أحكام القرآن 3/386

([5])  المحرر الوجيز3 في تفسير الكتاب العزيز 3/397

([6])  أخرجه الترمذي في أبواب الجهاد

([7])   نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، لأبي العباس البسيلي التونسي، مما اختصره من تقييده الكبير عن شيخه الإمام ابن عرفة، 2/111ـ 112

([8]) يقصد أن قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) عام لجميع الولاة وليس خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الوجوب.

([9])   التحرير والتنوير 4/148

[10] تفسيرالقرطبي 12/12

([11]) أخرجه الطبراني في الأوسط، وانظر الجامع الصغير للسيوطي 2/425

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى