حوارات صحفية

حوار قديم شامل أجراه موقع شهود نت

29/05/2006

حبذا لو تعطينا لمحة موجزة عن بداياتك الأولى في الحياة؟
– بسم الله الرحمن الرحيم، مرحلة الطفولة والصبا كانت عادية جدا، سوى أنها تميزت بصعوبات في العيش، وصعوبات في الدراسة، حيث انتقلت من القرية التي بها أسرتي ووالداي إلى مدينة العرائش أولا، ثم إلى مدينة القصر الكبير ثانيا، وكنت أتنقل بين الأقارب لأقيم عندهم في المدينتين، لذلك تميزت فترة دراستي الابتدائية والثانوية بكثير من هذه الصعوبات والتقلبات، ولم يكن هناك موجه أو محتضن، ولا رعاية، ولا ظروف مادية مساعدة. واستمر ذلك إلى أواخر المرحلة الثانوية حيث بدأ التحول الفكري نحو التوجه الإسلامي بعد سنوات من التردد والتقلب مع التيارات التي كانت سائدة آنئذ من مثل التيار الماركسي والتيار الوجودي والتيار القومي، وهناك أيضا تيار إلحادي لم يكن له من هدف سوى محاربة الفكر الديني والأسس الدينية والتشكيك في الدين، وأبرز ممثل لهذا التوجه كانت هي كتابات سلامة موسى التي قرأتها تقريبا بالكامل.. وفي هذه المرحلة بالذات، وقبيل التوجه الإسلامي كانت عندي اهتمامات أدبية، وقراءات وكتابات في المرحلة الثانوية للمسرح والقصة والرواية والنقد، وقرأت تقريبا كل روايات نجيب محفوظ، وأحمد علي باكثير، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وغيرهم، وقرأت أشعارا كثيرة للسياب ولنزار قباني، فكانت مرحلة أدبية أغنت خيالي وقدراتي التعبيرية، ثم جاء التحول نحو التوجه الإسلامي في سنة 1969، وطبعا سنة 1969 كما هو معروف مسبوقة بحرب 1967 وتفاعلاتها. وفي الحقيقة إن بذور التغيّر وبوادره بدأت بعد حرب 67، وكانت أول حدث أعيشه بقدر من الوعي والانفعال والمتابعة والاهتمام، وأدى هذا الحدث مع تفاعلات ثقافية أخرى إلى الانعطاف نحو التوجه الإسلامي الذي تأثر في البداية بمصدرين: المصدر الأول هو جماعة التبليغ التي كانت نشيطة في مدينتنا “مدينة القصر الكبير” التي درست فيها المرحلة الإعدادية والثانوية وكان بهذه المدينة أيضا مرشد الجماعة الحالي الأستاذ البشير اليونسي الذي درست عنده في المرحلة الإعدادية، إذن تأثرت واستفدت واقتربت من جماعة التبليغ، وبالموازاة مع ذلك، حيث إني كنت قارئا نهما، قرأت كتاب “معالم في الطريق” للشهيد سيد قطب رحمه الله، وكانت قراءتي لهذا الكتاب بمثابة زلزال فكري انتقلت به وبفضله انتقالا تاما من التأرجح والتردد والتمايل مع مختلف التيارات اليسارية والقومية والإلحادية.. انتقلت نقلة عميقة وجذرية إلى الاستقرار في الطريق الإسلامي، وفي طريق الفكرة الإسلامية، وانطلقت بعد ذلك إلى قراءات لكتابات أخرى لسيد قطب، وكتابات أخرى لمفكرين إسلاميين آخرين مثل المودودي وحسن البنا ومحمد قطب وفي وقت لاحق للقرضاوي وغيره، وفي نفس الوقت استمرت التجربة العملية مع جماعة التبليغ، ثم بدأت تستقل وتتميز شيئا فشيئا، حيث أسسنا سنة 1976 الجمعية الإسلامية بالقصر الكبير….

* إلى أي شيء تعزو تجذر الحركة الإسلامية في المغرب؟
– تجذر الحركة الإسلامية في المغرب، نتيجة وثمرة من ثمرات تجذر الإسلام نفسه في المغرب. والمغرب دخل في الإسلام دخولا تاما ونهائيا، ومن خصائص المغرب ـ وإن كان لا ينفرد بها وحده ـ أنه تمحض للإسلام، ثم تمحّض بعد ذلك للمذهب المالكي من الناحية الفقهية، ولهذا لا تجد في المغرب مذاهب، ولا فرقا، ـ صحيح أن تاريخه المبكر عرف تقريبا جميع الفرق خاصة الخوارج والمعتزلة وشيئا من التشيع في مراحل ـ لكن فيما بعد استتب الأمر للإسلام السني المالكي، والأشعري أيضا في وقت متأخر، ولذلك حتى يهود المغرب كانوا أقلية ضئيلة جدا، وكان أكثرهم وافدين على المغرب من أوروبا ومن الأندلس خاصة، بمعنى أن السكان الأصليين والسكان المندمجين عبر الهجرات المتعددة قبل الإسلام وبعده، والمتمثلين اليوم في العرب الأمازيغ أو الأمازيغ العرب، أسلموا عن بكرة أبيهم وأصبح الإسلام هو الكلّ في الكلّ في المغرب، وشيء طبيعي أن حركة إسلامية تدعو إلى الإسلام، وتجدد الإسلام، تدعو إلى المحافظة على الإسلام، تلقائيا هي حركة متجذرة، والإسلام في هذا البلد كما شبهه أحد الكتاب المغاربة، وأحد المفكرين المغاربة، وهو الدكتور محمد عابد الجابري قال: (الإسلام في المغرب مسح الطاولة) بمعنى أنه لم يُبقِ لا أقليات صابئية، ولا مسيحية، ولا وثنية، والإسلام السني مسح الطاولة في المغرب، فلذلك كل حركة تنطلق من هذه الأسس هي حركة تتحرك في أرضها وفي بيتها وبيئتها الطبيعية، ونحن لا ننكر اليوم أن النخبة المثقفة تم اختراقها بالفكر الفرنكوفوني والغربي واليساري بنسبة ما، ولكن هذا الاختراق يظل محدودا وسطحيا، ولذلك نرى كثيرا منهم سرعان ما يعودون إلى أصولهم وسرعان ما تنضج أفكارهم وعقولهم وتنبعث فيهم هويتهم العميقة المتجذرة.

* في هذا السياق دكتور الريسوني، أخيرا لا شك أنك اطلعت على حوار لأحد أنصار التيار الأمازيغي الذي (بشّر) بأن الإسلام سينسحب من المغرب، فكيف تقرأ هذا التصريح، وكيف ترى مستقبل الإسلام في المغرب؟
طبعا هذا كلام جنوني لا يستحق المناقشة العلمية، وهذه حالة مرضية يعبر عنها صاحبها وينفس عن حقده وغباوته وجهله، ولذلك من الناحية العلمية لا تستحق أي تعليق، والمغرب ـ بغض النظر عن كوني مسلما ـ حتى بنظر المحايد الذي ينظر من خارج الأمور نظرة الملاحظ والدارس التاريخي والاجتماعي، يرى أنه على الأقل في الأفق المنظور وإلى أجل غير مسمى ليس هناك سوى الإسلام في المغرب وهذا لا أقوله لأني أستند إلى النصوص وإلى التفاؤل الإيماني، وإلى الاعتزاز بالإسلام، بل إلى المعطيات التاريخية والاجتماعية ليس هناك في الأمد المنظور وفي الأمد حتى البعيد سوى الإسلام، ولا مستقبل للمغرب بغير الإسلام.

* صاحب هذا التصريح يقول إنه ارتكز على نظرة سماها بـ(التاريخية)؟
أولا، أريد أن أقول، بالأمس فقط، كنت أتحادث مع أحد أصدقائه وأخبرني أن عامة أصدقائه وعامة العاملين في التيار الأمازيغي يتبرأون من هذه الأقوال ويريدون أن لا تُحمل عليهم، وأن لا يُحمل عليهم هذا الشخص، فحتى أقرب الناس إليه وإلى تياره يسفهونه ويتبرأون منه، وينظرون إليه هذه النظرة على أساس أنه شخص شاذ. أما التاريخ الذي يستند إليه، فهو يستند في زعمه إلى أن اليهودية دخلت المغرب وخرجت، وأن المسيحية دخلت إلى المغرب وخرجت، وأنا أقول له إن الصهيونية دخلت إلى المغرب وستخرج، والفرنكوفونية دخلت إلى المغرب وستخرج، كل هؤلاء الدخلاء، كل هؤلاء الهامشيين، وكل هؤلاء الذين دخلوا بأساليب ملتوية ودخلوا من القنوات التحتية، وما إلى ذلك من الوسائل.. كل هؤلاء يخرجون، لكن الإسلام ملأ أرض المغرب وسماءه وفضاءه ووديانه وأمازيغه وعربه. فتصور إخراج الإسلام من المغرب هو كتصور إخراج جبال الأطلس وصحراء المغرب ووديان المغرب ومناخ المغرب من المغرب، يجب أن نفرق بين الظواهر العابرة والظواهر المحدودة والظواهر المهمشة وبين التجذر الذي يكتسح كل شيء. فالإسلام في المغرب ليس معزولا في جبل من جبال الأطلس أو على حدوده الشرقية وما إلى ذلك. فالإسلام هو كل شيء، والشواذ مثل هذا الشخص وأفكاره لابد أن يخرجوا بأي شكل من الأشكال، هذا شيء طبيعي، فالأفكار التي تظل زمنا وهي معزولة ومهمشة في أي مجتمع فإن مآلها إلى الانقراض هذا لا شك فيه، لكن وضع الإسلام في المغرب هو كهواء المغرب ومائه وأرضه تماما.

* الحركة الإسلامية تعيش مجموعة من التحديات، في نظرك ما هي أهم التحديات التي تعيشها الحركة الإسلامية اليوم؟
صحيح أن الحركة الإسلامية تعيش تحديات، وليس هذا جديدا، وليس خاصا بالمغرب، بطبيعة الحال، حتى الأنبياء المؤسسون، والآباء الأولون لكل الحركات الإسلامية، والحركات الدينية، كانت لهم تحدياتهم الكبيرة التي كانت لها نتائج مختلفة. والحركة الإسلامية في المغرب كما في غير المغرب لها تحدياتها الداخلية، ولها تحدياتها الخارجية.
فالتحديات الداخلية اليوم أهمها ـ في نظري ـ هو الجانب العلمي والفكري، لأن الحركة الإسلامية يُفترض فيها أولا وقبل كل شيء أنها حركة تجديدية، فما لم تمارس التجديد الحقيقي في صفوفها في أفكارها وفي عقول أبنائها، وفي تنظيمها، وفي عملها التربوي، وفي فهمها للدين وفي ممارستها للدين، وفي إبداعها لاجتهادات تشرف الإسلام، تُعادل متطلبات هذا الزمان وإشكالاته، فستظل الحركة الإسلامية متأرجحة بين النجاح والفشل والتقدم والتأخر والإقبال والإدبار. إذن هذا فيما يخص التحدي الداخلي، وهو بناء شامل وبناء تجديدي عصري بقدر ما هو إسلامي وأصيل، راسخ في أصالته بقدر ما هو أيضا راسخ في عصره ومتطلبات عصره.
وقد تكون هناك تحديات داخلية أقل من هذا، مثلا العلاقة بين مكونات الحركة الإسلامية التي يفترض أن ترتقي أكثر وتكون أكثر فاعلية وأكثر قربا وأكثر تطورا مع ما تفرضه التحديات الخارجية.
التحديات الخارجية يمكن تصنيفها إلى صنفين، هناك تحديات طبيعية، أي غير مفتعلة وغير مبرمجة وغير موجهة، في مقدمتها التخلف الموروث في المجتمع، ولابد للحركة الإسلامية أن تواجهه باعتبارها حركة إصلاحية، وباعتبارها حركة نهضوية، فمجتمعاتنا تجتر وتعاني من آفات كبيرة هي التي نختصرها عادة في عصور الانحطاط والتخلف والضعف والتمزق، إذن فمجتمعاتنا ليست مؤهلة وليست جاهزة للنهضة. يجب تأهيلها للنهضة. ومن يؤهلها إذا لم تؤهلها الحركات الإسلامية؟
فالآفات التي يعاني منها المجتمع والآفات التقليدية الموروثة تمثل تحديات في الفكر وفي الحياة وفي النظام وفي الفاعلية وفي احترام الوقت وفي النزعات المنحطة والمتخلفة، وفي الأمية التي ما زالت ضاربة: أمية القراءة والكتابة، والأمية الفكرية، والأمية الدينية أيضا، هذه كلها تحديات موجودة في المجتمع وهي طبيعية ولا بد من مواجهتها ومعالجتها تضاف إليها التحديات الحديثة والحداثية، وهي ما دخلنا خاصة في المغرب من تفسخ ومن انحلال خلقي يهدد الأسرة والأخلاق والثروة الشبابية، وهو تحدّ كبير، لكنه في جانب تطور عادي، لكن له ولتحديات أخرى مصدر آخر، هو الجهات المعادية التي تبرمج وتخطط وتعمل وتصنع التحديات أمام الحركة الإسلامية مثل بعض المهووسيين بالقضية الأمازيغية، فهؤلاء المهووسون هم أيضا أوجدوا قضية وهي الأمازيغية المعادية للإسلام وللعروبة. أما الأمازيغية المسلمة والشقيقة للعروبة المندمجة في الإسلام فليس فيها أي إشكال. وهي موجودة دائما ويمكن أن تتقوى وأن تضعف، وهذه أمور طبيعية، فلا فرق بين أمازيغ وعرب. لكن، أقصد أن هناك قضية أمازيغية مسكونة بروح العداء للإسلام وللعروبة، وهذه بمثابة قنبلة موقوتة يتم شحنها وإعدادها وبرمجتها للمغرب وللجزائر بصفة خاصة، فهذا من التحديات غير الطبيعية، بل المصنوعة.
ومن التحديات غير الطبيعية أيضا، التشويه الفكري الذي تمارسه جهات متعددة ضد الإسلام والثقافة الإسلامية والحركة الإسلامية. فهناك حملات متلاحقة من مؤسسات وأشخاص ووسائل إعلام، لهذا لابد أن تحدِث أثرا مهما يكن محدودا إذا أضيف إلى غيره من العوامل، فإنه يصبح تحديا أمام الحركة الإسلامية.
هناك أيضا الحصار أو التضييق السياسي الذي لا يزال موجودا ولو أنه عرف بعض الانفراج بالنسبة للمغرب في السنين الأخيرة، خاصة منذ 1996 و1997 إلى الآن، فعرف بعض التحسن، لكن، سرعان ما ينتكس هذا التحسن، وهذا التحسن نفسه يظل مسكونا بهاجس الخوف من الإسلام ومن الإسلاميين.. فالحقوق القانونية والحقوق السياسية للحركة الإسلامية ما زالت منقوصة ومضيقة، ولكن هذا الجانب قد يكون أضعف وأخف تحدي باعتباره آخذا في التحسن بفضل حكمة الحركة الإسلامية أو بعض مكوناتها على الأقل، وبفضل وجود ناس في الدولة أيضا على رأسهم رئيس الدولة ينحون هذا المنحى ويفضلون هذا الخيار، ويفضلون أن ينسج المغرب ـ بخصوصيته وتاريخه وعراقته ـ نموذجه الذي يتعايش فيه جميع أبنائه ومكوناته.

* إذن، فما السبيل لمواجهة هذه التحديات؟
طبعا، بالنسبة للتحديات الداخلية كما قلت مازالت الحركة الإسلامية مدعوة فعلا أن تبني نموذجها في الفكر وفي التنظيم وفي التربية وفي المواقف السياسية، وفي العلاقات، وفي الخدمة العامة.. الآن الحركة الإسلامية تدخل إلى الخدمة العامة سواء من خلال الجمعيات، أو من خلال الانتخابات، ومن خلال النقابات، فجميع هذه المجالات هناك إيجابيات يحس بها الناس، وهي التي تجعلهم يفضلون هذا الصنف من الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين والسياسيين، لكن هذه المميزات وهذه الخدمات وهذه الصفات التي تبرز للناس لم تتبلور بعد في شكل اجتهادات وبرامج ونماذج وتجارب ونتائج متكاملة تؤهل المشروع الإسلامي ليمثل سفينة النجاة لمجتمعنا ولأوضاعنا. وهذا هو الشكل العملي لمواجهة التحديات الداخلية.
أما التحديات الخارجية، فتُواجَه بشكلين: الشكل الأول هو التواصل، والحوار، لأن كثيرا من الفئات تحاصر، أو تضيِّق، أو تعادي الحركة الإسلامية نظرا لانعدام التواصل أو ربما ـ أقول ـ لسوء التواصل، هناك تواصل سيء، يصلنا منهم شيء سيء، ويصلهم عنا شيء سيء، ونتعامل بهذه الحصيلة السيئة، بمعنى أن هناك سوء تواصل، وسوء تفاهم، وهناك رؤى مسبقة غير صحيحة نكتشفها حينما نجالس كثيرا من ذوي الاتجاهات الأخرى، هذا التواصل، وهو جزء أساسي من الحل.
وهناك ناس بطبيعة الحال لا ينفع معهم التواصل، فلابد من المعركة، ولابد من التدافع الفكري والإعلامي والدعوي داخل صفوف المجتمع.

*هل ترون أن الخطاب الإسلامي عرف تطورا تجاه بعض القضايا المعاصرة من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمجتمع الأهلي..؟
نعم، هناك تطور، لكن، المشكل في هذا التطور أنه يكاد يكون عفويا أو اضطراريا وغير شامل، وغير مدروس، ومع ذلك يبقى هذا التطور شيئا إيجابيا ينم عن ارتقاء لدى أصحابه في فهم الدين وفي فهم مقاصده ومراميه وأحكامه، وينم عن فهم أفضل للثقافة المعاصرة بما فيها الثقافة الحقوقية والثقافة السياسية، لأن الثقافة الحقوقية والثقافة السياسية لهذا العصر وهي آتية بالدرجة الأولى من التجربة الغربية.. هي ثقافة غنية بالإيجابيات، وسلبياتها قليلة، بخلاف الجانب الثقافي الفلسفي المحض، أو الفكري المحض، أو الاجتماعي، أو حتى الاقتصادي.. الجانب الحقوقي والجانب السياسي الآتي من الغرب في تجربته الديمقراطية وفي تجربته الحقوقية وتجربة المجتمع المدني، هذه كلها إيجابيات مُرحَّب بها تماما وتجد تطابقها مع توجهات الإسلام ومقاصده، فإذن تقبلها المتزايد ينمّ عن تفهمها أيضا، والارتقاء بتفهمها، بالإضافة إلى أنه يمثل ارتقاء في فهم الإسلام. لكن، كل هذا يحتاج إلى أن يرتقي ليصبح منظومة إسلامية متكاملة مؤصّلة ذات مرجعية إسلامية واضحة، وذات ثقة في نفسها، وذات قبول أوسع لدى العلماء، ولدى صفوف الحركة الإسلامية.. وباختصار هذا تطور إيجابي. لكنه يحتاج إلى مزيد من الاكتمال والارتقاء.

* إلى ماذا تعزو تشبث البعض بمنهج الرفض، أي أن الإسلام يرفض كل شيء ؟
أنا أقول غير ما مرة أن الحركة الإسلامية وُلدت في أجواء الصراع، وولدت محاطة بالعداء، والرفض، والتوجس منها لدى الآخرين، سواء الفئات المتشبعة بالثقافة الغربية، أو المسؤولون السياسيون والأمنيون.. هذه الفئات كلها واجهت الحركة الإسلامية بشراسة وبشدة بالإضافة إلى بعض الفئات التي تمارس تطرفا لادينيا وعدائيا مستفزا، هذا كله جعل الحركة الإسلامية تنبت في أجواء من الصراع والعداء، فاستعملت هي أيضا سلاح الرفض، كما استعمِل سلاح الرفض ضدها، وهذا خطأ لأنه إذا رفضني شخص ليس بالضرورة يجب أن أرفضه وأرفض كل ما عنده، قد يكون رافضا لي وأنا أقبله. على سبيل المثال، ومن حوالي عشر سنين كنت في حوار صحفي، وسألني الصحافي هل تقبلون الديمقراطية؟ فقلت له: أنا الذي أسأل، هل الديمقراطية تقبل بنا؟ ففي كثير من الأقطار الإسلامية الآن الإسلاميون يقبلون بالديمقراطية، والديمقراطية وأهلها لا يقبلون بالإسلام والإسلاميين.
وسألني أحد الإخوة الأصدقاء قائلا لي: لماذا نحن نقبل بديمقراطية الديمقراطيين، ولا يقبلون منا هم إسلامنا، فقلت له: لأن إسلامنا يتسع للديمقراطية، وديمقراطيتهم لا تتسع للإسلام. فإذن مواجهة الرافضين لنا بالمماثل هذا خطأ، لكن، للأسف هو الذي وقع، وهو عادة منطق ردود الأفعال خاصة التي تنبعث من المشاعر النفسية والتفاعلات النفسية، والآن الحركة الإسلامية مدعوة ـ وقد بدأت ـ إلى درجة أكبر من الرشد والتمييز، فالذي يرفضني قد لا أرفضه بالضرورة، وإذا رفضت بعض ما عنده ليس بالضرورة أن أرفض كل ما عنده، بمعنى يجب أن يصبح منطق الرفض هو آخر ما يُلجأ إليه، وأقل ما يلجأ إليه، وإذا لجأنا إليه نلج إليه بعلمية وبإنصاف وبتوازن، لا أن يكون مجرد رد فعل على الرفض الآخر.

* كثير من الجماعات الإسلامية، وكثير من العلماء والدعاة يعلقون بدرجة كبيرة وجود الإسلام وتطبيقه ومصيره على موقف الدولة ومدى التزامها بالإسلام، وأن الإسلام الحقيقي يتمثل في قيام الدولة الإسلامية. فإلى أي حد تتفق أو تختلف مع هذه المقولة؟
أولا هذه المقولة أتفق معها في أن الدولة لها مكانتها ولها دورها ولها وظائفها، والدولة في هذا العصر بصفة خاصة لها تأثيرات بليغة على الناس، ليس فقط على أمنهم، واستقرارهم، بل على أرزاقهم وعلى أذواقهم، وعلى مساجدهم، وعلى عباداتهم، فإذن نتفق أن للدولة أدوارا كبيرة دائما، وبشكل متزايد، بلغ أوجهه في عصرنا هذا.
لكن هذه المقولة لا أتفق معها في أن نرهن الوجود الحقيقي والكامل والقوي والفاعل للإسلام على وجود هذه الدولة، وعلى قرارها، وعلى سياستها، لأننا بهذا أولا نشوه الإسلام، ونتعسف عليه بشكل كبير جدا، فالإسلام أولا، والشريعة الإسلامية تحديدا ليست هي فقط ما يطبقه القضاة في محاكمهم أو الأمراء في إداراتهم ووزاراتهم ودواوينهم. الإسلام هو كل كلمة في القرآن الكريم، وكل جملة في الحديث النبوي الشريف، وكل حكم يُستنبط من الكتاب والسنة مباشرة أو قياسا عليهما بشكل إجمالي أو تفصيلي. معنى هذا أن الإسلام هو بحر لا ساحل له يتدخل في حياة الناس وعواطفهم وأخلاقهم وعلاقاتهم جيرانا وأقارب وزملاء وسائرين في الطريق ومسافرين ومتاجرين في الأسواق.. لا حركة من حركات الفرد والمجتمع إلا وللإسلام فيها أدب وحكم وأمر ونهي وتوجيه، لذلك فهذا كله نسبة كبيرة منه لا تتوقف على الدولة، بل إن رهن الإسلام بالدولة، ورهن حركية المجتمع ومستقبل المجتمع وهويته بهوية الدولة وقرارها، هذا يؤدي إلى شلل المجتمع فضلا على أن فيه تعسفا على مفهوم الدين ومفهوم الشريعة، ومفهوم الأحكام الشرعية. فيه شلّ وشلل وتجميد للمجتمع نفسه، يجب أن نسعى نحن بصفة خاصة إلى إطلاق قوى المجتمع، وإطلاق يد المجتمع وإطلاق طاقات المجتمع، وتحريك مسؤولية المجتمع وأمانة المجتمع، وحينئذ سنجد أن المجتمع تلقائيا يطبق القدر الأكبر من الإسلام حتى في حال غياب الدولة، أو غياب دورها. أما حينما يكون للدولة دور إيجابي بنسبة من النسب، فإن نسبة تطبيق الإسلام ترتفع، وتطبيق الإسلام على هذا الأساس وبهذا المفهوم هو مهمة الأفراد والمجتمعات بنسبة كبيرة وأساسية، ويأتي تطبيق الدولة.. ودعم الدولة .. ومساعدة الدولة عاملا مكملا، وعاملا مدعما، وعاملا حاميا لا أقل ولا أكثر.

* الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي عموما، ألا تتفق معي أنها ستعاني في السنين المقبلة من قضية الخلف، إذ أن جل أعضائها وقياداتها يتجهون إلى سن متقدم؟
هذا الأمر ليس لازما، وليس حتما، فالأمر متوقف في كل حركة وفي كل جيل عما إذا كان يلتفت خلفه إلى من هم آتون من الأبناء ومن الأطفال ومن الشباب، فإذا كانت هناك عناية بالشباب، واستمرارية في الشباب، وفي الأطفال، وفي الأجيال الصاعدة، فالخلف يأتي بصورة تلقائية، بالإضافة إلى أن هذا الخلف يمكن أن يتقوى ويكون أفضل حالا وأكثر استعدادا إذا كانت هناك برامج خاصة لإعداد الخلف على مختلف الصُّعد وعلى مختلف الاختصاصات، ولكن الحد الأدنى يتحقق بمجرد وجود نشاط دعوي وحركية دعوية وتربوية في الأجيال الصاعدة. فهذه المشكلة ليست قدرا لازما، وليست حتما لا مفر منه، وإنما هي مشكلة قابلة للعلاج وللتدارك في كل وقت وحين، ونحن الآن نرى معظم الحركات الإسلامية، وأشهر الحركات الإسلامية قد مضى عليها ما يقرب من قرن من الزمن وتتواصل الأجيال ويصيبها طبعا هذا الداء بنسبة أو بأخرى، ولكن يبقى قابلا للتدارك في كل وقت وحين.

* هل يمكن الحديث عن خصوصية الحركة الإسلامية في المغرب، وتميزها عن نظيرتها في المشرق؟ وهل الفكر الإخواني طغى على الحركة الإسلامية المغربية؟
يجب أن لا ننسى أن زمننا هذا هو عموما هو زمن تضاؤل الخصوصيات وزمن العالمية التي تتقوى بامتياز، والإسلام والإسلاميون استفادوا من هذه العالمية أيضا، فهناك عالمية لمختلف الأفكار. وهناك تأثيرات عابرة للقارات في جميع المجالات الفكرية والسياسية والاقتصادية، فلذلك من الصعب جدا أن نظل مركزين على خصوصيات الأقطار خاصة الأقطار الصغيرة، ولا شك أن المغرب من الأقطار الصغيرة حاليا.
لذلك فالتأثر بالأفكار العابرة للقارات، بما فيها الأفكار الإسلامية والتيارات الإسلامية، من إخوانية وتبليغية وسلفية بمختلف أشكالها وأساليب عملها.. هذا كله أمر لا مفر منه، لكن هذا كله فعلا لا يلغي أن التجربة المغربية الآن لها خصوصياتها، سواء فيما يتعلق بحركة التوحيد والإصلاح التي أعمل فيها، أو فيما يخص حتى حركات أخرى على رأسها على سبيل المثال جماعة العدل والإحسان التي لها تميزها التي لا تخطؤه العين المجردة في جميع الجوانب التنظيمية والفكرية والتربوية والسياسية، وكذلك حركة التوحيد والإصلاح تجربتها السياسية والتنظيمية والتربوية والفكرية أصبحت تشكل مدرسة تتفاعل مع كل ما يعج به العالم عموما، والعالم الإسلامي خصوصا، ولكن، أيضا لها سمتها الخاصة، فهي تتميز بسعة انفتاحها، وتتميز بتأصيل توجهاتها سواء السياسية أو التنظيمية، وتتميز بشوريتها التي تمتد إلى كافة أعضائها، وكافة أجهزتها.. شورى إذا قورنت بما يجري في دول أخرى وتنظيمات أخرى، يمكن أن نقول إن فيها شورى حقيقية وشورى جدية، وشورى تعلو ولا يعلى عليها. ولسنا نحن من يقول هذا، ولكن زوارنا، أو من نزورهم في تجارب أخرى ودول أخرى، هم الذين يشهدون بأن لحركة التوحيد والإصلاح وللحركة الإسلامية المغربية عموما إضافاتها وإسهاماتها على الأقل تكافئ بها ما استفادته هي من حركات أخرى في مقدمتها حركة الإخوان المسلمين.

*بحلول صيف هذه السنة تكون قد حلت عشر سنوات على الوحدة بين قطبين من أقطاب الحركة الإسلامية: رابطة المستقبل الإسلامي، وحركة الإصلاح والتجديد؟ كيف تقيم هذه العشرية من الوحدة؟
هذا العقد من الزمن الذي مضى منذ تأسيس حركة التوحيد والإصلاح التي اندمجت فيها الجماعتان المذكورتان، فعلا، كان هذا العقد حافلا بالتطورات.. حافلا بالإنجازات .. حافلا بالتحولات أيضا. أول ذلك وأهمه إنجاح هذه العملية نفسها، وهي عملية نادرا ما تحصل سواء على صعيد الحركات الإسلامية أو غيرها من التنظيمات والجماعات. المعهود في التاريخ والواقع هو الانتقال من الواحد إلى الاثنين، ومن الاثنين إلى ثلاثة أو أربعة، أما الانتقال من أربعة إلى اثنين، ومن اثنين إلى واحد، هذا من النوادر، ومن النادر أكثر أن ينجح ويستتب ويستمر، وهذا والحمد لله هو الذي حصل، فهذه الوحدة نجحت وأعطت عملا مندمجا كاملا بعد أن كنا تنظيمين مختلفين تماما، ومستقلين تماما. فالإنجاز الوحدوي هو أبرز هذه الإنجازات وأبو الإنجازات الأخرى. بعد ذلك حققنا وحدة أخرى في الحقيقة كانت موازية تقريبا للوحدة الأولى، وهي أن قدرا كبيرا من أعضاء حركة التوحيد والإصلاح قاموا بالاندماج في حزب سياسي قائم واندمجوا مع مؤسسيه ومع قيادييه القدامى، ومع من بقي من أعضائه، وكان اندماجا آخر ووحدة أخرى تمثلت في إعادة التأسيس وإعادة البناء وإعادة التفعيل لحزب العدالة والتنمية (حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية سابقا)، ثم دخلنا فورا في تجارب انتخابية على جميع الأصعدة، وهي تجارب مضنية بقدر ما هي غنية.
كذلك دخلنا في هذه السنوات تجربة العمل النقابي، وتم إعادة بناء وتفعيل وتوسيع نقابة الاتحاد الوطني للشغل، وهي الآن رغم التدرج الذي نقصده، ورغم جميع العقبات والانشغالات التي لنا، والأولويات التي لنا ـ وليس من بينها العمل النقابي ـ رغم هذا كله، فقد أصبحت معدودة من النقابات الرئيسية في البلاد وهي تجربة نوعية وليس فقط مجرد إضافة رقم. في هذه السنوات العشر كذلك توسع العمل الاجتماعي والثقافي والعمل العلمي، وتوسعت شعبية الحركة وانفتاحها على المجتمع، وعلى مختلف مكوناته بما فيها المسؤولون وعدد من القيادات الحزبية والإعلامية والفكرية، وفي هذه المرحلة كذلك أعيد بناء العمل الطلابي الذي كان يشهد أزمة خانقة بسبب دخوله في نفق المنظمة السابقة والمنظمة اليسارية، وخضوعه للأعراف اليسارية والماركسية للعمل الطلابي الجامعي، لقد تحرر الطلبة وأسسوا منظمتهم الخاصة وانطلقوا في عملهم.
والإشكالات والتحديات دائما تكون كبيرة بكبر الإنجازات. فإذا كانت هناك إنجازات كبيرة فمعناه أن هناك مشاكل كبيرة أيضا، وآفات كبيرة لابد من معالجتها لكي تستمر الإنجازات وتتطور وتتقدم إن شاء الله.

* ماهي مشاريعكم المستقبلية؟
طبعا، هذا سؤال ليس عندي جواب جاهز عليه لأننا نشتغل به الآن، والسؤال ليس عن رأي شخصي، وإنما عن الحركة ومشاريعها. فالحركة الآن تراجع وتعد وتدرس مشاريعها للمرحلة المقبلة. ونحن خلال السنوات الماضية كنا نشتغل استجابة للاحتياجات الملحة، وقد تم تنفيذها وتحقيقها تقريبا. والآن لا نشتغل للاحتياجات الملحة فقط، وإنما نشتغل كذلك للاحتياجات البعيدة الأمد، ولذلك نحن نراجع على سبيل المثال المنظومة التربوية كاملة، وسنراجع وثائق الحركة كلها لتحيينها وتنقيحها وتطعيمها بما جد من اجتهادات وأفكار، ونعدّ رؤية استراتيجية لعملنا بشموليته وببعده الزمني.. هذه الأمور كلها في طور الإعداد وليس عندي فيها جواب جاهز سوى أنها في طور الدراسة والإعداد تحضيرا للجمع الوطني الذي سينعقد في الصيف المقبل إن شاء الله، وسيقر كل هذه التحولات بالإضافة إلى اختياره لقيادة جديدة للحركة.

* هل ستكون حاضرا في الجمع العام إن شاء الله؟
– الله أعلم، هل أكون حيا أم ميتا، حاضرا أم غائبا؟ هذا كله في رحم الغيب.


*تلقيتم دعوة للمشاركة في للإشراف النهائي على معلمة قواعد الفقه الإسلامي من لدن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، مما يتطلب إقامتكم بالعربية السعودية لمدة سنتين أو أكثر، هذا الأمر اعتبره البعض ربحا للمسيرة العلمية للدكتور أحمد الريسوني، والبعض الآخر رآه خسارة لحركة التوحيد والإصلاح لفقدها لمدة سنتين لهذا العَلَم؟
-انطلاقا من اختصاصي العلمي الأول وهو مقاصد الشريعة، فنحن في مقاصد الشريعة نسلم ونقول كما قال عدد من علمائنا: لا توجد مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة، وطبيعي أن يكون لسفري هذا وفي أي خطوة نقدم عليها يكون هناك ربح وخسارة. لكن، الذي يحسم المسألة دائما هو ما مقدار الربح هنا والخسارة هنا، وما مقدار الربح هناك والخسارة هناك. بعد المشاورات والموازنات التي قمنا بها رجحنا أن هذا السفر وهذا الانتقال لهذه المهمة ربحه أكبر ومردوديته أكبر وأوسع، فلذلك سنتحمل بعض المضاعفات وبعض الخسائر التي سيتسبب فيها هذا السفر، فإذن نحن نسلم أن هناك خسارة وسلبيات، لكن الربح أكبر إن شاء الله.

كلمة أخيرة:
أحيي موقع شهود.نت وكل المواقع الإلكترونية الإسلامية الرائدة، التي تمارس (الفتوحات الإسلامية) في صيغتها الجديدة.

ـــــــ

موقع شهود نت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى