ضيف الموقع

إذا لم تستطع شيئاً فدعه! / د.ونيس مبروك

إذا لم تستطع شيئاً فدعه!


عَجيبٌ حالنا !
كُلنا يؤمن أن الزراعة والصناعة والاجتماع والاقتصاد واللغة… ؛ علومٌ اكتملت، وفنونٌ استقرت .
حتى النطْح والطبْخ صارت له أكاديميات تُدَرّسه !
وكلنا يتورع عن الخوض في تلك العلوم مُستشهِداً بالحكمة التي تقول: “من تكَلّمَ في غير فَنِّه؛ جاء بالعجائب .
إلا ” السياسة”، فقد أضحت كلأً مُباحا وفَنٌا مُسْتَباحا !

وضَعَ إمامُ مذهبِنا قاعدةً جميلة؛ فقال : “كلُ علمٍ يُسأل عنه أهلُه”
ولا شك أن السياسة اليوم صارت عِلما وفناً؛ “علماً” يُكتسب بطول المُدارسة…و”فناً” يُكتَسَب بكثرة المُمارسة…

وإن كان المُتحدث في غير علمه و فَنّه يأت بالعجائب، فإن ما يفْرِق السياسةَ عن غيرها؛ أنَّ مَنْ تَكَلم في قضاياها الكُبرى وليس مِن أربابِ فَنِّها، ولم يسأل – كما قال مالك – أهلَها؛ فإنه لا يأت بالعجائب، بل قد يجُر على نفسه وأهله ووطنه المصائب.!

إبان دراستي في الأردن عام 92، تعودت مع بعض الأصدقاء اقتناء بعض المجلات السياسية وأرشفتها، ومدارسة ما فيها، ومجالسة بعض السياسيين؛ بُغيةَ فكّ ألغازها وسَبر أغوارها…وكنّا نفعل ذلك حتى نحققَ توازنا في بِنائنا المعرفي؛ فلا تأخذنا علوم الشريعة بعيدا عن الشأن العام، ومعرفة ما يحيط بأمتنا من أحداث سياسية…

  كنت أظن- وبعض الظن إثم- أن قراءة بعض الكتب والمذكرات، أو حوار بعض أساتيذ السياسة وقادة الأحزاب، وحضور دورة أو متابعة بعض شظايا الأخبار من هنا وهناك،... كل ذلك يكفي - وزيادة- للقول في عظائم السياسة، وخوضِ غِمارها وكشْفِ أستارها والحديث عن أسرارها !

صَحِبتُ هذا الظن وصاحبَني، حتى عثرت على نَص نفيس للعلامة ابن خلدون في مقدمته، تحت عنوان ” العلماء – من بين البشر – أبعد الناس عن السياسة ومذاهبها” ! !

لا أخفي انزعاجي حينها من هذه ” التُهمة” لعلمائنا الذين كانوا حينها يفتون في حرب أو فخ الخليج!، وقلت في نفسي: يبدو أن لوثات ” العلمانية” وسلطان الثقافة الغالبة أصابت ابن خلدون في وقت مبكر ! أو أنه لم يسعد مثلي بمعرفة “شمولية” الإسلام.
لكني “تدبرت” أدلته وتأملت حجته؛ فوجدته يقول : ” والسبب في ذلك‏ أنهم معتادون النظر الفكري، والغوص على المعاني، وانتزاعها من المحسوسات، وتجريدها في الذهن أموراً كلية عامة،…ويطبقون من بعد ذلك الكُلي على الخارجيات، ويقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها، بما اعتادوه من القياس الفقهي‏؛فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية، والأنظار الفكرية، لا يعرفون سواها،
فإذا نظروا في السّياسة افرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم ! …والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها من الأحوال ويتبعها، فإنها خفية؛ ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال ينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها‏.‏”

حينها أنصفتُ الرجلَ وازددت معرفة بقدْرِه، ورَجعتُ لقدْري راضياً بقَدَري.
وتمثلت قول عمرو:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع

✍🏻 ونيس المبروك

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى