ضيف الموقع

حول مقال: ” الإسلاميون في الحكم .. احذروا أنفسكم أولا ” [1]للدكتور أحمد الريسوني / عبد الحق لمهى

حول مقال: ” الإسلاميون في الحكم .. احذروا أنفسكم أولا ” [1]للدكتور أحمد الريسوني

عبد الحق لمهى

تجدر الإشارة في البداية إلى أن ما أعرضه في هذا المقال لا يعدو أن يكون حكيا لا إفتاء،[2] وما قد يجده القارئ من كلام يفهم منه إصدار الفتوى فهو ليس كذلك.

التحذير عادة ما ينبئ عن وجود خطر قادم، ولما تقرأ في عنوان المؤلف ” احذروا”، تثيرك هذه العبارة وكأن خطرا ما يدور حوله النقاش. فما الخطر الذي يحذر منه المقال؟. من خلال مطالعة الأسطر الأولى منه يتضح أنه يحمل مسؤولية المسلمين في إضعاف دينهم، إذ يرى الكاتب أن الخطر الأكبر الذي يهدد الإسلام هو الخطر الداخلي الذي ترجع المسؤولية فيه لذات المسلمين أكثر من العامل الخارجي. ولعل ما طرح يجد أصوله في العهد النبوي في محطات كثيرة، منها ما هو معلوم عند كل مهتم بالسيرة النبوية من هزيمة المسلمين في أحد،[3] والتي كان سببها ما قام به الرماة الذين كانوا يحرسون المسلمين من الخلف، حيث خالفوا أمر  رسول الله عليه السلام، ونزلوا من موقعهم في الجبل إلى ساحة المعركة طمعا في المغانم بعد انتصار المسلمين على عدوهم، الشيء الذي فتح للعدو فرصة للإغارة على المسلمين وقتالهم قتالا شديدا حتى أشيع خبر النبي عليه السلام، ومما أسهم في الهزيمة كذلك ما فعله بعض الصحابة من الفرار حال سماعهم إشاعة وفاة النبي عليه السلام، فهذا حدث من مجموع أحداث مسؤولية المسلمين أنفسهم على الهزيمة والضعف بالأساس. إن ما حصل في هذه المعركة يعد تفسيرا لما يمكن أن يحصل في حياة الإنسان المسلم في عصرنا هذا وفي غيره من العصور إلى قيام الساعة، فتلك سنة الله في خلقه،” وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” (الأحزاب 62)

ويوجه القيادي الإسلامي عموم  الإسلاميين إلى ضرورة التواصي بخلق المحاسبة للنفس ولبعضهم بعضا، وفي هذا انسجام مع هدي القرآن الكريم الذي قرر في مواطن كثيرة على ضرورة إعمال النهي عن المنكر بما هو آلية للمحاسبة، إن صح هذا الإطلاق، فكلنا يقرأ قوله تعالى: ”  لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ “(المائدة 78)، وفيما أذكر أن أحد العلماء[4] علق على هذه الآية تعليقا طريفا، حيث ذهب إلى أن بني إسرائيل لم يلعنوا هاهنا لجنسهم ولا لونهم ولا لجغرافيتهم، وإنما عللت الآية اللعن بأمر آخر هو أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وعليه يفهم أن كل ما سار على طريقتهم في إهمال النهي عن المنكر من داخل جماعته أو غير ذلك، لاشك داخل في عموم اللعن المشار إليه في هذه الآية،

ويرشد المؤلف معشر الإسلاميين إلى ضرورة التوبة المتجددة اليومية حتى لا يثقل عليهم أمرهما مع طول الأيام، وكأنه يشير إلى ما تشير إليه الآية الكريمة من قوله تعالى: ” أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ” (الحديد،16). ذلك لأن طول الأمد في أي ممارسة  مع ما يعتريها من أخطاء دون توبة متجددة، كما يؤدي إلى قسوة القلب ويكون مآله ذلك الفسوق بما خروج عن هدي الإسلام بمعناه الواسع الذي يشمل ما ذكره المؤلف من التبرير والدفاع عن النفس، وليس الدفاع عن النفس بالفسوق وإنما صار كذلك في هذا السياق،

ويرى الكاتب أن الشفافية مبدأ من المبادئ الأساسية في العمل السياسي، فمتى  كانت أبقت على خيط من التواصل المستمر مع الناس، ومتى  غابت ضيعت أمانة العمل السياسي، وقد لوحظ هذا الأمر  بشكل جلي عندما صارت الأخبار تتضارب في محطات من تدبير الشأن العام، فصارت هنا رواية من هذا المسؤول وهناك أخرى من مسؤول آخر من الهيئة السياسية نفسها  وكيف أدى ذلك إلى إضعاف منسوب الثقة بين الفاعلين  السياسيين وعموم المواطنين بمن فيهم المنتسبون لتك الهيئة. وحينما يستدل المؤلف بقصة النبي عليه السلام مع زوجته صفية، وما جرى في ذلك مع الرجلين، فهي إشارة قوية تحتاج إلى وقفة تدبر لما جرى وكيف جرى… خاصة وأن الشخصية التي سعت إلى تفسير الحدث وتنوير الصحابة لم يكن إلا رسول الله عليه السلام وأن الرجلين لم يكونا إلا من الصحابة الكرام وهم  من هم جميعا، فكيف بمن دونهم منزلة؟، فثبت بناء عليه أن قضية الشفافية والنزاهة ليست أمرا ثانويا في القيادة السياسية وغيرها، بل هي من الأسس التي تقوم عليها تلك الممارسة بدليل ما قام به عليه السلام مع الصحابة الكرام. وإن كانت السياقات مختلفة فينبغي الاجتهاد في البحث عن مقاصد تصرف النبي عليه السلام وتقليب النظر في أوجه الاستفادة منه في سياق حياة الإنسان المسلم المعاصر. فلست هاهنا مفتيا وإنما حسبي أن أحكي فقط.

حينما يطرح المؤلف المكايسة لا يمكن إلا موافقته على ذلك من حيث المبدأ، ذلك أن المسلم من شيمه الكياسة، ولكن في نظري مجال العمل السياسي دقيق جدا تتداخل فيه المصالح والمفاسد بشكل أكبر، لذا كان من المفيد جدا تدقيق النظر في مسألة الكياسة والمسايسة بناء على  التداخل المذكور سلفا، وذلك بأن يكون المدخل العلمي والثقافي سبيلا إلى ذلك [5]؛ أعني بهذا الكلام أن يسأل السياسي أهل الذكر من المتخصصين في المصالح والمفاسد الشرعية، أو قل ينبغي له هو نفسه أن يكون من أهل العلم وإلا أفسد بجهله  ذاك أحوال الأمة، وأحدث فيها من المصائب  الشيء الكثير، فقد نسب إلى أبي الحسن الأشعري قول مفاده:” أن العامل على غير  علم  ما يفسد أكثر  مما يصلح.”

ولعل ما طرحه المؤلف من ” تنظيم انتخابات نزيهة بدون عسكر” ينسجم مع تصوره ومواقفه حول الحرية، فهو لا يرى الحرية [6]شيئا يتخوف منه في جميع الأحوال.

ما يمكن ملاحظته حول المقال وتحديدا ما جاء فيه من أن ” الإسلاميين يخافون على الإسلام وعلى المشروع الإسلامي، وأنا أخاف من خوفهم هذا، لأنه يضر من حيث يريدون النفع” هو أنه لم يقدم من التفسير والتعليل ما يجعل القارئ يقف موقف المؤيد أو المعارض لرأيه هذا.


[1]http://howiyapress.com/?s=%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%88%D9%86+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85+..+%D8%A7%D8%AD%D8%B0%D8%B1%D9%88%D8%A7+%D8%A3%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%83%D9%85+%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%A7+ـ

[2] ـ نقلت هذه العبارة من عناوين لبعض مقالات الدكتور الريسوني، مثل مقاله المعنون “عن التدخين أحكي ولا أفتي ” بالموقع الرسمي للأستاذ أحمد الريسوني، https://raissouni.net/4922

[3]ـ يرجع في تفاصيل هذه الغزوة وما فيها من دروس وعبر إلى كتب السيرة النبوية، ومن الكتابات المفيدة في هذا كتاب ” السيرة النبوية دروس وعبر” للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله.

[4]ـ أقصد بأحد العلماء، العلامة الدكتور فريد الانصاري ـ رحمه الله ـ

[5]ـ يرى الدكتور سعيد شبار أن الثقافة قبل السياسة أن الثقافة تكون قبل السياسة” وإذا تعاطى المتدين السياسة قبل الثقافة قد تحل من الكوارث ما لا يحمد عقباها.” الثقافة والعولمة وقضايا إصلاح الفكر والتجديد في العلوم الإسلامية، الدكتور سعيد شبار، دار الإنماء الثقافي ـ الرباط، ص 109

[6]ـ من الكتب التي عرض فيها الدكتور أحمد الريسوني تصوره للحرية كتابه ” مقالات في الحرية ” دار الكلمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،1435ه/2014م.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى