ضيف الموقع

الشريعة بين النار الموقِدة، والنار المحرقة / سفيان أبوزيد

الشريعة بين النار الموقِدة، والنار المحرقة..

سفيان أبوزيد

من سلسلة ( من تساؤلات قارئ الحديث المتأمل )

عن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الجَنَادِبُ والفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخذٌ بحُجَزكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأنْتُمْ تَفَلَّتونَ مِنْ يَدَيَّ)). رواه مسلم.
((الجَنَادِبُ)): نَحوُ الجرادِ وَالفَرَاشِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوف الَّذِي يَقَعُ في النَّارِ. وَ((الحُجَزُ)): جَمْعُ حُجْزَة وَهِيَ مَعْقدُ الإزَار وَالسَّراويل.

لماذا أوقد الرجل النار؟
ما المقصود بالنار هنا؟

هذا الحديث عجيب الإيراد والمعاني..

وهو من باب ضرب المثل الذي هو أسلوب من أساليب البيان، وتجسيد الحقيقة وتشكيلها، والإحساس بدلالاتها..وهو يدل على حرص صاحب الفكرة على بيانها، وإيصالها على حقيقتها، وتقريبها.. وهو شهادة تضاف إلى جحافل الشهادات للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين..

فيا ترى ما دلالات هذا المثل؟

(مثلي ومثلكم كمثل رجل)

إذا طابقنا بين الممثل والممثل به، سنجد بأن شخص النبي صلى الله عليه وسلم ينطبق على الرجل، وأن المخاطبين تنطبق أشخاصهم على الجنادب والفراش وكل الدواب التي تنجذب إلى النار، لكن الذي يثير تساؤلا هنا هو ما المقصود بالنار؟ وعلى ما تنطبق في المثل؟

وقبل ذلك لابد من الإجابة على التساؤل الأول: لماذا أوقد الرجل النار؟

إيقاد النار قد يكون لمصلحة، وقد يكون لمفسدة، حسب قصد الإيقاد وطريقته ومقداره…

إذ قد يكون القصد صالحا، والطريقة والمقدار صحيحين..كمن أوقد نارا للتدفئة والطريقة والمقدار مناسبان لذلك..

وقد يكون القصد صالحا، ولكن الطريقة والمقدار غير صحيحين، كمن أوقد نارا لتدفئة، والطريقة والمقدار غير مناسبين لذلك..

وقد يكون القصد والطريقة صالحين، إلا أن المقدار غير صحيح، كمن أوقد نارا للتدفئة والطريقة مناسبة لذلك، لكن المقدار غير مناسب..

وقد يكون القصد والمقدار صحيحين، والطريقة فاسدة..كمن أوقد نارا للتدفئة والمقدار مناسب لذلك، غير أن الطريقة غير مناسبة..

وقد يكون القصد فاسدا والطريقة والمقدار فاسدين..كمن اوقد نارا للإحراق، والطريقة والمقدار يساهمان في ذلك..

وقد يكون القصد والطريقة فاسدين، والمقدار صحيحا..كمن أوقد نارا للإحراق، والطريقة تساهم في ذلك، ولكن المقدار غير كاف..

وقد يكون القصد والمقدار فاسدين، والطريقة صحيحة..
كمن اوقد نارا للإحراق والمقدار يؤدي إلى ذلك ولكن الطريقة لا تؤدي إلى ذلك..

إذن فالاعتبار لهذه الثلاثة في إيقاد النار، والميزان والمقياس هو القصد، عليه تتمحور الحركة والوسائل صحة وفسادا..
هنا نأتي إلى المقصود من النار في هذا المثال..

هل هي نار جهنم؟
هل هي المعاصي بشتى أنواعها؟

إذا قلنا بأن النار هنا هي نار جهنم، أو نار المعاصي، وقع إشكال كبير وخطير، وهو عند لفظ الإيقاد، فيتحصل لنا هذا المعنى..

وهو أن من أوقد نار جهنم أو نار المعاصي، هو ذلك الرجل الذي هو مثل للنبي صلى الله عليه وسلم، فتكون النتيجة أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من أوقد نار جهنم أو نار المعاصي، وهنا يفسد المعنى، ويتناقض، ولا يمكن توجيهه بنحو أنه نبه على ذلك أو بين ذلك، وهذا لا يحتمله ولا يتحمله معنى الإيقاد، فلو أنه ورد المثل على هذا الشكل ( مثلي ومثلكم كمثل رجل وجد نارا مشتعلة، فجعلت الجنادب تقع فيها وهو يمنعها من ذلك ) لاستقام المعنى، ولكن جاء التعبير بالإيقاد والاستيقاد في جل أو كل الروايات..

ويستحيل أن ينسب إيقاد نار جهنم أو نار المعاصي او المفاسد إلى النبي صلى الله عليه وسلم..

هذا ما يدعونا إلى الوقوف مليا عند دلالة النار هنا، مع استحضار كل الاحتمالات السابقة، فإذا تأملنا في النار، وجدناها، ذلك المخلوق النافع الضروري للحياة، الذي لا تستقيم الحياة إلا به،بل لا تكون إلا به، فلو انطفأت الشمس للحظات لانعدمت الحياة وانتهت، إضافة إلى مصالح النار الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك المخلوق العجيب، النافع الخطير، القوي الضعيف، السهل الممتنع، المحرق المهلك، المدفئ المحيي..إنها النار هكذا أرادها خالقها..لابد منها، ولابد من الحذر منها..

فإذا كانت هذه طبيعتها وتلك حقيقتها، فكيف ينبغي التعامل معها؟

هنا نرجع إلى الثلاثي السابق (القصد، والطريقة، والمقدار)
لابد ان يكون القصد صالحا، في ذاته مصلحا لغيره..

ولابد ان تكون الطريقة صحيحة متوافقة مع ذلك القصد، وتختلف حسب القصود الصالحة المختلفة، فطريقة إيقاد النار للتدفئة، غير طريقة إيقاد النار للإضاءة أو للطهي وهكذا..
كذلك الأمر بالنسبة للمقدار، لابد ان يكون صحيحا، ومعيار صحته، هو توافقه مع القصد الصحيح..

فإذا عرفنا هذا وتأملناه، عرفنا المقصود بالنار في المثل، فإذا كان الرجل مثل للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الجنادب والدواب مثلا للمخاطبين، فستكون النار مثلا للشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وأوقدها بقصد الصلاح والإصلاح، فجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا، والنبي صلى الله عليه وسلم يأخذ المقبلين بحجزهم، يمنعهم من التوغل في الشريعة إلا بالمعايير الثلاثة (القصد، والمقدار، والطريقة) فمن أخذ بهذه الثلاثة، تنعم بمصالح الشريعة، دفئا وصحة وتنورا، ومن أغرته ولم يلتزم بتلك الموازين أحرقته وأهلكته، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه..

فإذا رجعنا إلى المثل، حذفنا الاحتمالات التي كان فيها القصد والطريقة والمقدار فاسدين مفسدين، لأن الرجل الذي أوقد النار، هو مثل للنبي صلى الله عليه وسلم، ويستحيل أن يكون قصد النبي صلى الله عليه وسلم من إيقاد النار الفساد أو الإفساد، مع التزامه التام بالطريقة الصحيحة والمقدار الصحيح ودعوته إلى ذلك..
وبالتالي فإن الاحتمالات تنحصر فيما كان القصد والطريقة والمقدار فيها صالحين مصلحين..

قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: هذا مثل كثير المعاني ، والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة ، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة ، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء .

وقال الإمام الغزالي رحمه الله: التمثيل وقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار ، ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش ; لأنها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال ، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدا والله المستعان .

إذن فانجذاب الجنادب والفراش إلى النار، ناتج عن حسن قصد مع سوء تقدير وسوء استخدام، فيؤدي هذا إلى إحراقها وهلاكها، وهذا لا ينطبق على المعاصي فحسب، وإنما ينطبق على سوء أخذ الشريعة وعلى الأمور التي ظاهرها من الشريعة فتغري وتجذب إلا أن حقيفتها بعيدة عن الشريعة فتحرق كل من توغل فيها وذلك إما بقصد صالح وطريقة ومقدار فاسدين، أو بفساد الجميع، أو بفساد الطريقة مع صلاح القصد والمقدار، أو بفساد المقدار مع صلاح القصد والطريقة، ولا يتم الأمر، ولا يصلح إلا بصلاح الجميع، أو محاولة ذلك، والقيام به، ودور وريث النبوة، هو دلالة الناس على ذلك القانون (صلاح القصد والطريقة والمقدار) وأخذ الناس بحجزهم عن خلاف ذلك..

{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين}

والله أعلم

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى