ضيف الموقع

حول سينما “الطابوهات”

حول سينما “الطابوهات”

محمد الحبيب الدكالي

21/01/2023

استمعت قبل يومين مساء وأنا في سفر، إلى برنامج حواري بثته إذاعة “أصوات”. كان حوار المذيع مع شخص قدمه كناقد سينمائي مغربي، ودار الحوار حول السينما المغربية قبل “كورونا” وبعدها، والسؤال التقليدي حول مدى “تطور” السينما المغربية وما شابهه.

أول شيء لفت انتباهي أن الحوار كان موجها منذ البداية، فقد حدد المذيع موضوعات الحوار عندما تكلم عن أطوار ثلاثة اهتمت بها السينما المغربية في السنين الأخيرة وهي ثلاثة: سينما “الطابوهات” (Tabous) ثم سينما الأسرة ثم سينما الكينونة والوجود كما وصفها المذيع. وبناء على هذا التصنيف انطلق الناقد السينمائي في الشرح وليس النقد، ما عدا إشارة خفيفة إلى أن مستويات بعض الأفلام المغربية التي تم إنتاجها في السنوات الأخيرة، وهي بمعدل ثلاثين فيلما سنويا، لم تكن في المستوى المطلوب.

وهكذا أشاد “الناقد السينمائي” بموجة أفلام “الطابوهات” ووصفها بأنها “جريئة” لكونها اهتمت بـ”الجسد”، ومع أنني قاطعت الأفلام المغربية منذ سنوات طويلة بسبب رداءة الإخراج وانحطاط الموضوعات، إلا أن الجميع يفهم أن المقصود بـ “الجسد” هي المشاهد الجنسية، و”الجرأة” تعني تحدي ومناهضة قناعات وقيم الشعب المغربي الذي يؤمن في غالبيته الساحقة بمبادئ الإسلام وأخلاقه وقيمه وحلاله وحرامه ومنها ما يتعلق بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

وبالنسبة لسينما “الأسرة” في السينما المغربية فمن الواضح تماما، عبر ما تبثّه القنوات المغربية، وعبر قصص خيالية بعيدة تماما عن واقع الأسرة المغربية الحقيقي، فهي تدعو في أحيان كثيرة وببساطة، إلى التحلّل بل التمرد على القيم الفطرية والأخلاقية التي تحفظ تماسك الأسرة ودورها النبيل، كتبجيل مكانة الآباء والأمهات عبر بث مشاهد ومواقف مهينة لهما، أو اعتبار الخيانة الزوجية كـ “حق شخصي” أو تعاطي الكحول والمخدرات كممارسات “طبيعية”، وغيرها من رسائل الهدم الاجتماعي. أما الأفلام المتعلقة بـ “الكينونة والوجود” وهي كما يبدو ليست كثيرة كسابقاتها، فهي تبث رسائل حول معنى الوجود الإنساني عبر مضامين مادية ملحدة كما نظّر لها سارتر تحت اسم “اللامعقول” أو ألبير كامو عبر “العبث”.

 كل هذه القضايا والرسائل تتجدد باستمرار تحت مسميات ومن مواقع عديدة كما هو معروف، تتبناها “نخب” نشاز في المجتمع المغربي تتلفّع بمسوح حداثة وليبرالية مزيّفتين. لكن هناك جملة من الملاحظات تستوقف الملاحظ لواقع السينما المغربية :

  • “المركز السينمائي المغربي ” هو الجهة التي تشرف على إنتاج الأفلام السينمائية المغربية ويدعمها بالتمويل والتسهيلات، وهو مؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلال القانوني والمالي أسس بظهير سنة 1944.
  • بلغت ميزانية المركز لسنة 2023 ضمن “صندوق النهوض بالفضاء السمعي البصري والإعلانات والنشر العمومي” 24 مليار و100 مليون سنتيم مقابل 12 مليار سنتيم للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. وللمقارنة بلغت ميزانية البحث العلمي (وما أدراكما البحث العلمي) لنفس السنة ما يقرب من 29 مليار سنتيم ووزارة الصحة 28,1 مليار سنتيم!!
  • تبنى المركز التوجهات المشار إليها آنفا في الإنتاج السينمائي المغربي عبر التمويل والترخيص ودعم الشراكات مع أطراف خارجية عديدة بالتمويل والدعم التقني.

الخلاصة هي أن مؤسسة عمومية ما فتأت تتبنى وتدعم هذه التوجهات المناقضة والمناهضة، بالمال العمومي، لمبادئ وقيم دين الدولة الرسمي، ودين وقيم الشعب المغربي، وتساهم في هدم أهم مقومات تماسك الأسرة والمجتمع. وقد ترسخت هذه التوجهات لدى المركز على عهد مديريها السابقين سهيل بن بركة ونور الدين صايل اللذين تعاقبا على رئاسة المركز ما بين 1986 و2014، ولا يزال المدير الحالي صارم الفاسي الفهري يسير في نفس هذا الاتجاه البعيد عن الدور التثقيفي الحقيقي للسينما.

سياسات المركز السينمائي المغربي هذه هي سياسات إجرامية في حق المجتمع والأسرة، وأولئك الذين يديرون المركز وجماعة من المخرجين والمنتجين وطائفة من الممثلين والممثلات، هم كائنات تعبد الشهرة والمال وتدين بالولاء “الثقافي” الأعمى لمراكز الدعم والتوجيه الخارجي التي باتت معروفة مكشوفة، وتعيش في عالم لا علاقة له بالواقع المغربي مجتمعا وأسرة وشبيبة، مع كل التنويه بقلة من المخرجين المغاربة المبدعين الجادين الذين يجدون أنفسهم مهمشين خارج المنظومة الانتفاعية. كل المغاربة يدركون تماما المشكلات الخطيرة المرعبة التي يعيشها المغرب وهي من كل نوع، التي هي الأولى بالاهتمام والمساهمة في المعالجة بالتوعية والتثقيف عبر الشاشات الكبيرة والصغيرة، لكن جماعة المركز يتجاهلونها تماما.

بقيت ملاحظة أخيرة تتعلق بالنخب المثقفة الوطنية، وبأصحاب الاتجاهات “الإسلامية” في الموقف من كوارث القطاع الإعلامي. الأولى لم تُبد اهتماما جادا حسب ما يظهر ولأسباب غير مفهومة، بالسياسات الإعلامية المرسومة للتلفزة والسينما بالتحليل والنقد الموضوعيين، رغم أهميتها وخطورة أدوارها ومخرجاتها، خلافا للشأنين السياسي أو الاقتصادي اللذان يحظيان باهتمامات مقدّرة من طرف النخب الوطنية. أما “الإسلاميون” فهم يشتركون مع غيرهم في وزر التجاهل وإغماض العيون عن النتائج المدمرة للسياسات الإعلامية، بل إن بعضهم كان سعيدا في مرحلة ما، عندما قبلوا تقلّد مهام المسؤولية عن هذا القطاع الحيوي دون أن يكونوا قادرين على تحقيق أي اختراق إيجابي ولو جزئي في المنظومة وفي السياسات الإعلامية، فكان حضورهم في ذلك الموقع في الحقيقة ممسوحا، دون أن يعفيهم هذا من مسؤوليات تحمل المسؤولية.

وفي واقع الأمر، يعود عدم اهتمام “الإسلاميين” باتجاهاتها ورموزهم المحترمين، إلى خاصية الانغلاق الثقافي الحاد والمزمن الشائعة في أوساطهم، باسم الدين وباسم الحلال والحرام!!

لقد نجحت السينما الإيرانية في معظم مدارسها، في تجاوز إشكالات التحفظات الفقهية الضيقة دون أن تصطدم معها، وأنتجت جيلا من الأفلام عالية القيمة الثقافية والتوعوية اعترفت بها كثير من منابر السينما العالمية، ونجحت في إيصال رسائل جد إيجابية تعرّف بالقيم الإسلامية في العلاقات والقضايا الاجتماعية وفي قضايا الأسرة والعلاقات العاطفية السوية، ونجحت في التعاطي مع عديد من القضايا الثقافية والفكرية الهامة التي تعتمل في المجتمع الإيراني بصيغ مبدعة، وحتى قضايا سياسية بأساليب ذكية ومرنة دون اصطدام مع السلطة الحاكمة، وحصل عديد من المخرجين الإيرانيين وممثلين وممثلات على جوائز دولية مرموقة.

* في مبادرة نادرة نشرت مجلة “الهدى” في أواسط الثمانينات دراسة تحليلية شاملة للدكتور محمد بريش رحمه الله حول السياسات المتبعة في برامج التلفزة المغربية من حيث أنواعها ومضامينها والمساحات الزمنية المخصصة لكل نوع مع مقارنات إحصائية كاشفة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى