تحديثــات

مظاهر الإبداع والتجديد في الفكر المقاصدي عند الدكتور أحمد الريسوني

2018/04/22

مظاهر الإبداع والتجديد في الفكر المقاصدي عند الدكتور أحمد الريسوني

 ظهرت البواكير الأولى للفكر المقاصدي الإسلامي مع الصحابة الكرام، وعرف تطورا ملحوظا مع علماء الإسلام على مر العصور، ولمعت في هذا الباب منارات كبرى، وعلماء بارزين، مثل القفال الكبير والجويني والغزالي والعز بن عبد السلام وابن القيم وغيرهم من الأعلام، إلا أن الفكر المقاصدي لم يصل درجة النضج والتبلور إلا مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي، الذي أفاد مما راكمه السابقون، وأضاف إليه ما أداه إليه الاجتهاد والنظر، وأفرده في قسم لطيف من كتابه الشهير الموسوم بـالموافقات، وبعدها عرف تراثه ذبولا وتراجعا، ومعه بالضرورة، تراجعت المقاصد الشرعية وضمرت، إلى أن اكتشف علماء تونس الشاطبيَ وتراثه، قال العلامة ابن باديس رحمه الله عن الموافقات : “ولقد كنا أيام الطلب بجامع الزيتونة- عمره الله- نسمع من شيوخنا كلهم، الثناء العاطر على هذا الكتاب وصاحبه، وكانت له عندهم منزلة عظيمة. وأحسنُ الدروس في المناظرات الامتحانية، هو الذي رصّعه صاحبه بكلام الشاطبي، وأحسَنَ فهمَه وتنزيلَه”[1]. ولعل هذه البيئة هي التي دلّت طلبة هذه المرحلة على الإمام الشاطبي وعرّفتهم عليه، فأنتجت ابنَ باديس، والعلامة محمدا الخضر حسين الذي كان يصف الشاطبي بـ”مُوَضح أسرار الشريعة”[2]، والعلامةَ الطاهر ابن عاشور الذي استأنف وواصل ما بناه الشاطبي مع إضافة نوعية مهمة[3]، وبعده انطلقت المسيرة مع علماء وباحثين، مثل العلامة علال الفاسي رحمه الله، وأستاذنا الدكتور أحمد الريسوني، الذي نحاول مقاربة موضوعة المقاصد من خلال فكره واجتهاده وتميزه.

فما هي أهم مؤشرات الإبداع والتجديد في مقاصد الشريعة عند الأستاذ الدكتور أحمد الريسوني ؟

         يعد العلامة الدكتور أحمد الريسوني من أشهر المشتغلين بمقاصد الشريعة والمتخصصين في مباحثها، دراسةً وتدريساً، محاضرةً وتأليفاً، وله في ذلك خصائص ومميزات، أهمها اقتحام عقبة الاجتهاد والتجديد، دون الاكتفاء بما قاله السابقون، ترديدا لصداهم، وتكريرا لمقولاتهم.

         ويمكن رصد أهم معالم الإبداع والتجديد في الكتابة المقاصدية للدكتور أحمد الريسوني من خلال ما يمكن تسميته بالاجتهاد في المقاصد، والاجتهاد بالمقاصد.

أولا : الإبداع والاجتهاد في المقاصد

أ – الإبداع والاجتهاد في الكشف عن كليات الشريعة :

         تناول الدكتور أحمد الريسوني دراساته وأبحاثه المقاصدية، وفق منهجية الترقي، فترقّى من الجزء إلى الكل، أو بعبارة أدق، من الفرع إلى الأصل، ثم إلى أصْل الأصول. وبيان ذلك، أنه قارب المقاصد من خلل متن الشاطبي أولا، ثم ترقى إلى دراسة المقاصد من خلال متن العلوم الإسلامية كلها ثانيا، ثم ترقى أكثر، فاعتصم واستعصم بأصل الأصول ثالثا، فولّى وجهه شطر القرآن الكريم، وغاص في بحاره، مستكشفا ما به من الدر المصان بالصدف، فاستنبط واستخرج الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، وهو ما لم يفرده السابقون بكتاب نضيد ، أو مصنّف رثيد.

            سبق للدكتور طه جابر العلواني رحمه الله، أن أثار مسألة غاية في الأهمية، وهي ما أطلق عليها كثرة الاختلالات والانقلابات في القيم والأولويات، وسرد جملة منها على سبيل التمثيل، وذكر ضمنها طغيان الجزئيات، ونسيان الكليات[4]، وبيّن “أهمية الاعتماد على الكليات التشريعية وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها”[5]، لأن رد الجزئيات إلى الكليات، مثل رد المتشابهات إلى المحكمات، لا يمكن الاستغناء عنه في “منهاج فهم نصوص الشريعة”. ونظرا لأهمية الكليات، فإن الدكتور العلواني وضعها في قلب عملية الإصلاح، وأن الوسيلة الأهم والأولى لإصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين، هي “نقل العقل المسلم من الانشغال بالجزئيات إلى الكليات”[6].

         ورغم مركزية وأهمية الكليات الشرعية في فهم الشرع ونصوصه، وفي صياغة العقل المسلم، إلا أننا لم نجد من التفَتَ إليها استنباطا وتصنيفا وتبويبا، إلى أن تصدى لكشفها وإبرازها الدكتور الريسوني، فكان مجددا بكتابه، مبدعا في مباحثه وفصوله.

         والكليات التي عمل الدكتور الريسوني على استخراجها، ونظم عِقدها، ليست كليات خاصة بعلم من العلوم، وإنما هي كليات لجميع العلوم الشرعية، ومن هنا كانت أهميتها ونفاستها، لذلك عدّ كتابه مجرد (مقدمة)، “مقدمة ومدخل إلى علم التفسير، وإلى علم أصول الفقه، وإلى علم الفقه، وإلى علم القواعد الفقهية”[7]، لذلك استعاض عن تسميتها بـالكليات المقاصدية، أو غيرها من الإطلاقات، ووسمها بـالكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، وبدون مراعاتها، فالفقيه والأصولي والمفسر معرض للخلل والزلل والاضطراب.

         ورغم أن محاولة الدكتور أحمد الريسوني تعدّ الإصدار البكر في هذا الباب، وهو من قبيل ما يسِمُه علماؤنا بـالاجتهاد الإنشائي، فإنه في الحقيقة لا يعتبر كتابا بالمفهوم البسيط للكلمة، بل هو اللبنة الأساس، في مشروع فكري، يجب أن يفتح أوراشَه الباحثون، بهدف التنقيب والاستكشاف، وبهدف الجمع والتصنيف، وبهدف التبويب والتنظيم، وهذا ما استشعره الدكتور الريسوني حفظه الله، فقال : “وهذا الكتاب/المقدمة، هو نفسه بحاجة إلى مزيد من البيان والتكميل”[8].

         وإذا كانت البحوث والدراسات تبنى على الدراسات التي قبلها، وتستثمر التراكم الحاصل في بابها، فإن الكتابة في الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، كانت بِدعا لم تُسبق بمثال، فإلى أين لجأ الدكتور الريسوني ؟ وعلى أي المصادر اعتمد ؟ وهذا وحده كفيل بوضع الباحث في حيرة، قد تعجل بالإحجام بدل الإقدام، لكنه تجلّد في المضي على تصميمه وعزمه، واعتصم بحبل الله تعالى، وحبلُ الله القرآن[9]، ومن اعتصم به لا تزلُّ به الأقدام، فرجع إلى القرآن الكريم، يقلب آياته، ويتدبر محكماته، به بدأ، ومنه انطلق، قال حفظه الله مسفرا عن منهجه : “نحن المسلمين، بدايتنا القرآن الكريم، والقرآن الكريم أنبأنا أن مما فيه : آيات محكمات، هن الأمهات، وهن بداية البداية، فعلينا أن نركز أنظارنا، أبصارنا وبصائرنا، على هذه المحكمات الأمهات، فنستحضرها ونستبصر فيها ونتشبع بها، ثم من خلالها نتعامل مع سائر آي القرآن الكريم”، ثم قال : “وإذا كثرت علينا الأمور وتشعبت، أو اختلطت علينا واضطربت، فلنرجع ولنحتكم إلى البداية، وبداية البداية، نفيء إليها آمنين مطمئنين”[10].

         وهذا الرجوع إلى البداية، أو بداية البداية، أي القرآن الكريم، تدبرا وتفقها، وتبصرا واستبصارا، هو لعمري دال على نباهة وإبداع واجتهاد الدكتور الريسوني، لأن القرآن عند الجميع، ولكن الكليات لم يستخرجها الجميع، ولم يلتفت إليها الجميع، لذا قال الدكتور جمال عطية في خاطرة صدّر بها الكتاب : “كلنا لدينا مصاحف، وكلنا نتأملها، نبحث فيها عن الكليات، تستوقفنا آية هنا وآية هناك، ولكن الدكتور الريسوني رأى النور الساطع ينتظم هذه الآيات، في عقد فريد”[11]. وقال أستاذنا الدكتور محمد الروكي في تقدمته للكتاب : “وأجمل وأروع ما في هذا الكتاب، بناؤه على نصوص القرآن، الذي هو أصل الأصول، ومنبع الكليات”[12].

         وبما أن الكليات مؤطرةٌ لعلوم الشريعة كلها، فإن علم مقاصد الشريعة لا ينِدّ عنها ولا يشذ، فلا حديث عن المقاصد دون الحديث عن الكليات، وإذا غيبنا الكليات ولم نستحضرها، فسنزل في المقاصد ونضلّ، لذا أفرد الدكتور الريسوني مبحثا خاصا لـلكليات المقاصدية، نَظَم فيه :

1 – سنة الابتلاء :

         قال بصددها : “جاء التصريح في آيات كثيرة، بأن الله تعالى خلق عباده، وأعطاهم وكلفهم، ليبتليهم، أو ليبلوهم، ومضمون هذا الابتلاء، هو أن الناس مدعوون إلى أن يحسنوا العمل، ويحسنوا التصرف فيما أتاهم الله، وأن يتنافسوا في الخير والإحسان، والإصلاح والعمران، وأن هذا يضمن لهم سعادتهم ورضى ربهم، في الدنيا والآخرة”[13].

         من خلال هذا النص القصير، يبين الدكتور الريسوني أن الابتلاء ليس مقصودا لذاته، وإنما مقصوده الأهم هو : * الإحسان * المنافسة في الخير * الإصلاح * العمران * السعادة * رضا الله.

         واستدل على الربط بين الابتلاء والإحسان بقوله تعالى : “الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا”[14]، وقوله تعالى : “وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا”[15]، وقوله جل وعز : “إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا”[16]، وقال : “فـالآيات صريحة متطابقة بأن القصد من خلق الإنسان، وخلق الحياة والموت، وخلق الأرض وما عليها، وخلق السماوات وما فيها، إنما هو ابتلاء وتكليف للإنسان بأن يتصرف ويستفيد، ويحسن ولا يسيء، ويصلح ولا يفسد”[17]، وهذا عين الإحسان وجوهره. وهو ما عبّر عنه بعد إيراد قوله تعالى : “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”[18]، بأن العبادة هي تعبير آخر عن مقاصد الخلق والابتلاء، “فالله تعالى خلق الناس للإحسان، والتنافسِ في الإحسان، وهو خلقهم لعبادته، فمعنى هذا أن الإحسان عبادة، وأن العبادة إحسان، فهي قضية واحدة ذات وجهين”[19].

2 – التعليم والتزكية :

         استنادا إلى عدد من الآيات الجوامع، يتبين أن إدماج العلم النافع، والعمل الصالح، هو الوصف الجامع لرسالة الأنبياء، والمقصد الأهم لإرسالهم، وهو ما عبّرت عنه مجموعة من الآيات القرآنية بالتعليم والتزكية، وهما “لبّ الوظائف النبوية، وأساس الشرائع الربانية”[20].

3 – جلب المصلحة ودرء المفسدة :

         لم يلتفت الدكتور الريسوني أثناء مقاربته لهذه الكلية المقاصدية، إلى المصالح والمفاسد في ذاتها، سواء كانت جزئية أو كلية، مباشرة أو غير مباشرة، بل عمد إلى النظر الكلي في آيات القرآن، بحثا عن “المعاني الكلية والصريحة الحاثّة على جلب المصالح، ودرء المفاسد، على وجه العموم والإطلاق، سواء بمادة (ص ل ح) و(ف س د) ومشتقاتهما، أو بألفاظ أخرى مطابقة”، فوردت جمعا، مثل قوله تعالى : “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، ومفردا، مثل قوله : “يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا”[21]، ومصدرا، مثل قوله تعالى : “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”[22]، وأمرا، مثل قوله : “وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين”[23]. ووردت بألفاظ دالة على نفس المعنى، مثل “الخير”، و”الخيرات”. ونظير ذلك، ذم “الفساد” و”الإفساد”، والنهي عنه، والتحذير منه ومن أهله. إضافة إلى ذلك، يورد الآيات الداعية إلى ما أسماه “الفريضة الكبرى”، فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنها ليست إلا صورة من صور جلب المصالح ودرء المفاسد.

         وهنا يتوقف الدكتور الريسوني عند مسألة العموم والاستغراق، فـ”المصالح” و”المفاسد” واردتان في القرآن بصيغة العموم، فيجب إبقاؤها على عمومها، خلافا لما دأب عليه الأصوليون، من التركيز على المصالح الدنيوية المادية الظاهرة فحسب، أو التمثيل بها وإغفال غيرها، وصنيعهم هذا، جعل “عددا من المصالح المعنوية والروحية والخلقية غائبةً أو باهتة ضمن هذه الكليات”. وهذا خلل لا حلّ له إلا باستحضار المصالح والمفاسد بعمومها واستغراقها، وهو ما ركز عليه الدكتور الريسوني، وأورد له مثالا من التراث الأصولي الفقهي، وهو تحريم الخمر استنادا إلى علة الإسكار وإفساد العقل، وتحريم الميسر اعتمادا على علة أكل الأموال بالباطل، وهما تعليلان صحيحان، لكنهما قاصران، وقصورهما نابع من “الغفلة عن التعليل القرآني، الذي نص على مفاسد أخرى معنوية، لكل من الخمر والميسر، وهي مفاسد مشتركة بينهما، ولذلك جاء تحريمهما في سياق واحد، وبتعليل واحد، (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)، فعلة التحريم المنصوص عليها، هي ما ينجم عن الخمر والميسر من شحناء وخصومة وعداوة، وكذلك ما فيهما من الاستغراق القلبي والعقلي والنفسي، الذي يصرف عن ذكر الله، ويحول دون أداء الصلاة في وقتها، ويفسد الانتباه والخشوع في أدائها”[24].    

4 – إقامة القسط :

         ورد [القسط] أو [العدل] في عدد من الآيات، من بينها ما يبين أن إقامة القسط هو من أهم مقاصد بعثة الرسل، “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والحكمة والميزان ليقوم الناس بالقسط”، وبعد إيراد عدد من النصوص القرآنية المؤصلة لهذا المقصد، خلص إلى أن القسط “لا ينحصر في الحكم بين الخصوم، وفي إعطاء الناس حقوقهم بالنصفة والعدل، وإنما هو مطلوب في كل شيء، وفي كل مجال”، مثل القسط في كتابة الدَّين، وفي إملائه والتصريح به[25]، والقسط في الإصلاح بين المقتتلين[26]، والقسط في الحكم بين الناس، والقسط في أداء الشهادة[27]، وغيرها من مظاهر وتجليات العدل والقسط، لذا كان القسط مطلوبا “من كل الناس، ولجميع الناس، وفي جميع المجالات، وفي كل الحالات، يقومون به، ويقومون لأجله، ويحيون به، ويتصرفون بمقتضاه، ويتنعمون بظله”، وهذا كله برهان على أن “مقصود الشريعة ومطلوبها، إقامة حياة القسط، ومجتمع العدل”[28].

         هذه أهم الكليات المقاصدية، لا يمكن إغفالها أو التنكب عنها أثناء البحث المقاصدي، وبعبارة أخرى، هي مما يؤطر الاجتهاد المقاصدي، ومما لا يعذر بجهله الباحثون في هذا الباب، وقد تبين في جميعها بجلاء، أن عمدة الدكتور الريسوني هو الآيات، فلا دليل إلا نصوص القرآن، وآيات القرآن، ومحكمات القرآن.

ب – الإبداع والاجتهاد في الكشف عن مقاصد القرآن :

         اعتنى بذكر مقاصد القرآن غير واحد من العلماء، مثل حجة الإسلام الغزالي، والعز بن عبد السلام، والبقاعي، وشهاب الدين الخفاجي، ورشيد رضا، والخضر حسين، وابن عاشور، وغيرهم، واختلفوا في عدّها وصياغتها، منهم من جعلها ثلاثة، ومنهم من زاد على ذلك، وأوصلها إلى عشرة، قال الشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي : “وقيل : مقاصد القرآن أربعة : توحيده تعالى، ونفي عبادة غيره، والأحكام، وأحوال المعاد. … وقيل : مقاصده : صفاته تعالى، والنبوات، والأحكام، والمواعظ”[29]. وذكر العلامة ابن عاشور مقاصد القرآن، ومنها[30]: إصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، والتشريع، والقصص للتأسي، والمواعظ والإنذار …

         بعد تجميع مقاصد القرآن التي استخرجها أغلب العلماء عن طريق الاستقراء، تبدّى للدكتور الريسوني أن مقصدا لم يذكروه، ولم ينتبهوا إليه، وهو مقصد تقويم الفكر.

         بالتأمل في عددٍ من الآيات البينات، تجلى للدكتور الريسوني خيط ناظم بينها، وبسببه صاغ هذا المقصد، ومن هذه الآيات :

         1 – أربع آيات متضمنة للفظ الحكمة، مثل : “ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”[31]، و”الحكمة تعبير جامع عن المنهج القويم، الذي بعث به الأنبياء كافة، لبثه وتثبيته”[32].

         2 – خمس آيات متضمنة للفظ البرهان أو الحجة أو العلم، مثل قوله تعالى : “وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”[33]. والخيط الناظم بين هذه الآي، هو أن لا حكم إلا بدليل، وهو من لوازم الحكمة، قال الدكتور الريسوني : “أول ما تستلزمه الحكمة العلمية والعملية، أن يكون الفكر والحكم في أي شيء، قائما على علم ودليل، ولذلك دعا القرآن الكريم كلَّ من يعتقد شيئا، أو يؤمن بشيء، أو يحكم بشيء، أن يقدم على ذلك حجته ودليله”[34].  

          3 – أربع آيات متضمنة للحواس، مثل : “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون”[35]، ووجه الدلالة من هذه الآيات، أن الحواس المذكورة “هي أهم وسائل الإنسان للعلم والبحث والفهم والحكم”[36].

         4 – أربع آيات متضمنة لتقنية ضرب الأمثال، مثل : “وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون”[37]، وهذه التقنية المنهجية تُعَلم “الناس الانتقال بفكرهم من الخاص إلى العام، ومن المعيّن إلى المجرد، ومن الجزئي إلى الكلي”، وقد يكون “ضرب المثل المعيّن، معيارا للحكم، ومنهجا للتفكير والاعتبار”[38].

         5 – آيتان متضمنتان للتحذير من التبعية والتقليد، مثل : “وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا”[39]، وهذا الانتقاد القرآني اللاذع لمُعَطِّلي العقول، دليل على أن العقل هبة ربانية يجب استعمالها وجوبا عينيا لا كفائيا، لأن “التفكير في القضايا الأساسية المصيرية، لا يقبل النيابة ولا الوكالة ولا التفويت، وقد يجوز للعييّ من الناس أن يستعين بالموثوقين من أهل العلم والنظر، ويقلدهم في ما لا يطيقه ولا يحسنه، ولكن هذا لا يعفيه من النظر والتحري بقدر استطاعته”[40].

         6 – ثلاث آيات متضمنة تبخيسَ اتباع الخرص والتخمين، مثل قوله تعالى : “وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئا”[41]، وهذا التبخيس دالٌّ على أن الخرص آفة فكرية، ومنزلق منهجي، يؤدي إلى انحراف “الفكر عن موضوعيته وسلامته”[42].

         7 – سبع آيات متضمنة لآفة التسوية بين المختلفات، مثل : “أفنجعل المسلمين كالمجرمين”[43]، والتسوية بين المختلفات، أو التفريق بين المتماثلات، آفة من الآفات المترتبة عن “ضعف البصر، أو سطحية النظر”[44].

إذا تأملنا هذه المقومات السبع، فإننا نلاحظ أمرين اثنين :

         الأول : هذه المرتكزات السبعة، كلها مستنبطة من القرآن، منه تنطلق، وإليه تعود، وللاستدلال عليها، اعتمد الدكتور الريسوني ما يقارب ثلاثين آية، ولو أراد الاستيعاب والاستقصاء لأورد أضعاف هذا العدد، وبالتالي، فهي مقومات قرآنية محضة، يتأسس عليها مقصد قرآني محض.

         الثاني : بالنظر في المرتكزات الأربعة الأولى، نجدها متناسقة متعاضدة، لها خيط ناظم موحِّد، وهو تحقيق مقصد تقويم الفكر وتسديد النظر، ومن تحقق له هذا المقصد فهو في درجة الحكمة، ولتحقيقه لا بد من برهان ووسائل ومنهج :

  • فالمطالبة باتباع الدليل : البرهان.
  • والمطالبة باستعمال الحواس ومنها العقل : الوسائل.
  • والمطالبة بالتفكر في ضرب الأمثال : المنهج.

         إذا تكاملت هذه العناصر القرآنية، فإننا نكون أما الحفظ الوجودي لـمقصد تقويم الفكر، لكن الدكتور الريسوني، بحسه المقاصدي، لم يكتف بهذا – وفيه كفاية -، بل طفق يبحث في القرآن عن وسائل الحفظ العدمي، وذلك من أجل تحصينه من الآفات التي قد تؤدي إلى فَقْده، فأورد التحذير القرآني من كل ما يؤدي إلى تعطيل البرهان والوسائل والمنهج :

  • فالتحذير من اتباع الخرص والتخمين، لأنه تعطيل للبرهان.
  • والتحذير من التبعية والتقليد، لأنها تعطيل للعقل/الوسائل.
  • والتحذير من التسوية بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات، لأنها تعطيل للمنهج.     

         هذه المطالب القرآنية الثلاثة، والتحذيرات القرآنية الثلاثة، إذا اجتمعت، فإنها لا محالة تؤدي إلى الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد تحقق فيه مقصد تقويم الفكر، وهو المقصد القرآني الذي غاب عن علمائنا رحمهم الله، والتقطه بنباهته وذكائه أستاذنا الريسوني.

2 – الإبداع والاجتهاد بالمقاصد :

         قدّم العلامة أحمد الريسوني اجتهادات متعددة، في قضايا مختلفة، استنادا على المقاصد، واعتمادا عليها، ومن اجتهاداته المقاصدية :

أ –  مسألة استلحاق ولد الزنى :

اختلف علماء الإسلام في استلحاق ولد الزنى إلى رأيين :

         الرأي الأول : منع الاستلحاق مطلقا، قال الإمام مالك : “لا يثبت نسبه منه”[45]، وقال ابن حزم : “والولد يلحق بالمرأة إذا زنت وحملت به، ولا يلحق بالرجل”[46]، وهو ما عليه علماء المذاهب الأربعة والظاهرية، وبه الفتوى والقضاء في سائر البلاد الإسلامية، ودليلهم الأقوى حديث : “الولد للفراش، وللعاهر الحجر”[47].

         الرأي الثاني : الجواز بشروط، وهو مذهب عروة بن الزبير وسليمان بن يسار والحسن البصري وإسحاق بن راهويه[48]، واشترطوا لإثبات نسب ابن الزنى من أبيه شرطين اثنين، هما : عدم ولادته في فراش يدعيه صاحبه، وإقرار الأب، وهو ما قوّاه ابن القيم رحمه الله[49].

رجح الدكتور أحمد الريسوني الرأيَ الثاني، مستدلا بالآتي :

  • نقض دليل الجمهور :

استدل الجمهور بحديث : “الولد للفراش، وللعاهر الحجر”[50]، وبنوا عليه أمرين :

         أولهما أن العاهر هو الرجل، لا شيء له نسباً وإرثاً، وهو مفهوم “الحجر” الوارد في النص.

        وثانيهما مفهوم الفراش، حيث مال أغلب العلماء من لغويين ومفسرين وفقهاء إلى تفسيره بأحد الزوجين، قال الراغب : هو أحد الزوجين. وقيل هو المرأة، بناء على أن “أحسن أشكال الجماع، أن يعلو الرجلُ المرأة، مستفرشا لها بعد الملاعبة والقبلة”[51]، وقيل : المراد منه “مالك الفراش، وهو الزوج، والمولى، لأنه يفترشها”[52]، وتعقب ابن العربي تخصيصه بالزوج دون غيره، وقال : “والذي عندي، أن الفراش هو صاحب الفراش، زوجا كان أو ولدا، فتخصيصه باسم الزوج غفلة”[53]، ولعله يقصد بـ”الولد” الأمةَ بعد الولادة، وهو ما بيّنه في القبس : “والمرأة تصير بعقد النكاح فراشا، والأمة تصير بالولادة فراشا”[54].

         وعموما، فالفراش في المنظومة الفقهية –غالبا – هو الزوج، أو المرأة بنكاح أو بولد، وهو الرأي الذي انتقده الدكتور الريسوني، وتبنى الرأي القائل بأن الفراش هو الزوجية القائمة بين الزوجين، فقال : “ومعنى الفراش، قيل : هو الزوجة، وقيل : هو الزوج، والحقيقة أن الفراش يتكون منهما معا، والمراد به الفراش الشرعي الصحيح، لأن الجميع متفقون على أن الولد يلحق بالزوج وحليلته التي ولدته، ولا يلحق بأحدهما دون الآخر، ثم إن الفراش لا يتصور بالرجل دون المرأة، ولا بالمرأة دون الرجل، فاقتضى ذلك أن الفراش مكون منهما معا. فالمراد به وجود رابطة شرعية صحيحة ولد الولد في نطاقها، وفي أحضانها، فهو منسوب إليها”[55].

         وعضد رأيه بما ورد في الحديث ذاته، وهو قول عبد بن زمعة : “هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي”، ولو كان الفراش هو المرأة، “لقال : ولد من فراش أبي”، ولو كان الفراش هو الزوج، “لقال : ولد من أبي”، ولمَا قال : “ولد على فراش أبي”[56]، وهو توجيه وجيه، لم أقف على من التفت إليه.

         ومما أورده الباحثون تعليلا لمنع استلحاق ولد الزنى، قول أحدهم : “وإذا اعتبرنا أن الخبرة وسيلة إثبات مستقلة، يلحق بها النسب، فإن ذلك يقتضي إلحاق أبناء الزنا بآبائهم، وفي ذلك نسف للحديث الشريف : (الولد للفراش وللعاهر الحجر)”[57]. والحقيقة أن القول بالاستلحاق ليس نسفا للحديث، وإنما هو نسف لما فُهم من الحديث، بدليل أن إسحاق بن راهويه وهو من القائلين بالاستلحاق، لم “ينسف” الحديث، ولم يضعفه، بل أوّلَه بكونه حُكم صادر عن النبي صلى الله عليه وسلم “عند تنازع الزاني وصاحب الفراش”[58]، بمعنى أن الحديث نصٌّ ودليلٌ حاسم في حالة وجود نزاع بين مدعي وصاحب فراش، أما إذا لم ينازع المدعيَ منازعٌ، فالحديث ليس نصا في المسألة، وهذا الاجتهاد ليس نسفا له.

الاستناد إلى المقاصد :

         لتحصين رأيه، عمل الدكتور الريسوني على تثبيته بمقاربة مقاصدية، فأطّر المسألة في دائرة حفظ النسل، وهو من الضروريات الخمس، ونبّه إلى جملة من المصالح المتحصلة من هذا الإلحاق، منها[59]:

  • المصالح المادية : تمتيع الولد بالنسب، ولو كان فيه ما فيه من لوثة الزنى، يترتب عليه حضانة الولد، وكفالته ورعايته ونفقته.
  • المصالح المعنوية : تمتيع الولد بالنسب له آثار نفسية ومعنوية عديدة على الطفل المستلحَق.

         هذه المصالح المندرجة في حفظ النسل، قد تبدو متعارضة مع حفظ الأنساب وصونها من الاختلاط، لذا وجب اللجوء إلى الترجيح، اعتمادا على مقاربة مقاصدية، فقال الدكتور الريسوني : “إن حفظ النسل من الضروريات كما هو معلوم، وجاءت العناية بالأنساب وبشرعيتها وسلامتها خادمة لحفظ النسل، فإذا تعارض حرصنا على سلامة النسب وشرعيته، مع الأصل الضروري الذي هو حفظ النسل، فإن ما به حفظ الضروري، يقدَّم على ما به حفظ الحاجي، الذي ليس سوى مكمل للضروري”[60].   

 ب – قتل المرتد :

         فصّل العلماء في المرتد وحدّه تفصيلات عديدة، طرزوا بها المصنفات الفقهية عامةً، ومؤلفات السياسة الشرعية خاصة، وبينوا المتفق عليه، وميزوه عن المختلف فيه، فأجمعوا على قتل المرتد، واختلفوا في قتل المرتدة، وتباينت أنظارهم في الاستتابة، وغير ذلك من الأحكام، وعمدتهم في ذلك جملة أحاديث نبوية، ومأثورات موقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم.

         واختلفوا في أبواب الردة ومباحثها بين موسِّع ومضيق، فقالوا بقتل تارك الصلاة حدّاً[61]، ونصّ المالكية على ردة من ألقى المصحف بقذر، وتوسعوا في ذلك جدا، وأدرجوا ضمنه ما دون ذلك بكثير، مثل قول الزرقاني شرحاً لقول صاحب المختصر “كإلقاء مصحف بقَذَر” : “وأراد بالمصحف ما فيه قرآنٌ، ولو آية، بل، ولو حرفا”[62]، وشرح الدردير أوسع من شرح الزرقاني، لأنه قال : “والمراد بالمصحف، ما فيه قرآنٌ، ولو كلمة”، ثم أضاف : “ومثل القرآن، أسماء الله، وأسماء الأنبياء … وحرقُ ما ذُكر إن كان على وجه الاستخفاف، فكذلك، … وكذا كتب الفقه إن كان على وجه الاستخفاف بالشريعة، فكذلك”[63]. وبناء على هذا التوسع المبالغ فيه، فكل من رمى بورقة مكتوب عليها حرف من القرآن، أو اسم نبي، فهو مرتد. ومن أحرقها على وجه الاستخفاف، فهو مرتد. ومن أحرق كتابا في الفقه استخفافا، فهو مرتد[64].

         لم يساير العلامة الدكتور الريسوني الفقهَ والفقهاء في قولهم بحد الردة، لا على سبيل التضييق، ولا على سبيل التوسع، بل عدّ أقوالهم وتفريعاتهم في هذا المبحث معضلة من معضلات الفقه الإسلامي[65]، وقد عمد إلى مقاربتها تاريخيا وفقهيا، استنادا على مرتكزين أساسيين متلازمين، أولهما : مبدأ الحرية. وثانيهما : الكليات الشرعية. وكل ذلك في إطار اجتهاد مقاصدي متميز.

الردة ومبدأ الحرية :

         عرّف معجم اللغة العربية المعاصرة الحرية بكونها “حالة يكون عليها الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة، ويتصرف طبقا لإرادته وطبيعته”[66]. وفي موضع آخر، عرّف قولهم : أنت حر، بمعنى “اصنع ما شئت”[67]، وتحررَ من التقاليد، بمعنى : “لم يلتزم بها”[68]، وعموما، فمعنى الحرية : إمكانية الفرد اتخاذ قرار، أو تحديد خيار، دون ضغط أو تأثير.

         وغني عن البيان، أن كلمة الحرية – بهذه المفاهيم – لم يكن لها وجود في الحقول التداولية العربية من قبل، ويكفي الرجوع إلى معجم تاج العروس، لنجد لها ولمشتقاتها عددا من المعاني، لكنها جميعها لا تقارب المفاهيم المذكورة.

ورد في تاج العروس ما يأتي :

الحُرّة : الكريمة من النساء.

الحرة : ضد الأمة.

الحرة من السحاب : الكثيرة المطر.

ليلة حرة : أول ليلة من الشهر.

باتت فلانة بليلة حرة : إذا لم تفتض ليلة زفافها.

أرض حرة : لا سبخة فيها.

الحرية : الأرض الرملية اللينية، الطيبة الصالحة للنبات.

الحرية من العرب : أشرافهم.

هو من حرية قومه : من خالصهم.

تحرير رقبة : إعتاقها.

تحرير الولد : إفراده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد، “إني نذرت لك ما في بطني محررا”[69].

          فمفهوم الحرية يدور بين عدة معان، وكلها لا تفيد معنى “التصرف الإرادي غير الخاضع للمؤثرات والضغوط” الوارد في الحقل التداولي المعاصر.

         ومما يثير الانتباه في كتب التراث، أن كلمة الحرية تَقِلّ وتندر بشكل لافت، فكلمة (الحرية) لم تذكر في تفسير ابن كثير إلا مرة واحدة، وفي أحكام القرآن لابن العربي، وردت كلمات (الحرية – حرا – الحر – حر) 57 مرة، كلها بمعنى واحد، وهو ضد الرق والعبودية، ولم ترد ولو مرة واحدة بمعنى “التصرف الطوعي”.

ونظير ذلك، كلمة (طوعا – الطواعية)، فإنها وردت في أحكام القرآن في سياقات عابرة أربع مرات.

         هذا الغياب اللافت لكلمة الحرية بمفهومها المتداول في عصرنا، كان له أثره حين انفتح العرب على الغرب في بدايات عصر النهضة، ففوجئوا بثروة معجمية مشتقة من كلمة  la liberté، سواء على مستوى الجرائد، أو على مستوى التيارات الفكرية[70]،ولما لم يجدوا لها ولمشتقاتها مقابلا في لغتهم، أطلقوا على أصحابها لقب “الحُرِّيين”[71]، ولم يجد هذا المصطلح موطئ قدم في البيئة العربية، فعملوا على التعريب اعتمادا على نفس الحروف الأعجمية، فاستعملوا بديلا عنه عبارات : الليبراليين، التيار الليبرالي، الليبرالية … وعمل المفكرون العرب على استنباتها وتبيئتها في المعجم العربي.

         هذا السرد التاريخي، يجلي بوضوح ضمور مصطلح الحرية في الثقافة العربية، والبيئة العربية، وهو ما انتبه إليه الدكتور الريسوني، فقال : “وإذا كنا لا نجد في الإسلام مصطلح الحرية، فإننا نجد الإسلام مليئا بمعاني الحرية، وبالقواعد المؤسسة للحرية، وبالقيم والتوجيهات الداعمة للحرية”[72]. ولعل هذا ما دعاه إلى تأصيل المفهوم من خلال القرآن والسنة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، إضافة إلى مقاربات أخرى ذات علاقة بالموضوع، مما جعل للحرية حضورا مركزيا في كتاباته، ويمكن الإشارة إلى عناوين بارزة من خلال مقالاته وكتبه، لنقرأ :

** حرية الرأي والتعبير في الإسلام، المجالات والضوابط[73].

** إشاعة جو الحرية والمبادرة[74].

** حرية التعبير في الإسلام .. فطرة الله التي فطر الناس عليها[75].

** حرية الاعتقاد وقضية الردة في الإسلام[76].

** الحرية في الإسلام، أصالتها وأصولها[77].

** الإسلاميون وامتحان الحرية[78].

** أنا حر .. فأنا إنسان[79].

         وإذا تجاوزنا العناوين، فإن المتن الريسوني ثري بالنصوص الدالة على إيمانه العميق والراسخ بالحرية، من ذلك قوله : “حرية التعبير في الإسلام واسعة جدا، وحدودها قليلة جدا”[80]، وقوله : “أنا من دعاة الحرية الواسعة، في التعبير، وفي المبادرة، والحرية تواجه بالحرية، وتواجه بالنقاش، وتواجه بالحوار، وبالترشيد، وليس بالكبح والقمع”[81]، وحين الحديث عن الشورى، ميّز بين الشورى الحقيقية وغيرها، مما يمكن تسميته بالشورى الشكلية أو المزيفة، وكان معيار التمييز هو الحرية، فقال : “ولذلك، فحرية التفكير وحرية التعبير، هي شرط من شروط الصحة في الشورى، شرط سابق وشرط مرافق، فإذا أردنا الشورى الحقيقية، فلنقل : هي التي تكون الحرية قبلها، والحرية معها”[82].

         في هذه المنظومة، منظومة الحرية، يجتهد الدكتور أحمد الريسوني، لذا لم يكن مفاجئا عدم عَدّه قتلَ المرتد، ضمن الحدود الشرعية، بل قد يفاجَأُ الباحث إن وجده مقِرّاً له، ناسجا على منوال الفقهاء في أحكامه وتفاصيله وتفريعاته، وقد أسس رأيه على مجموعة أسس ومرتكزات، منها “أن الدين لا مجال فيه للإكراه، ولا يقوم على الإكراه، ولا ينفع فيه الإكراه، وهذه حقيقة يقينية لا تخفى على أحد، فالدين إيمان، والإيمان اعتقاد إرادي طوعي، يأتي عن تصديق واقتناع واطمئنان يستقر في العقل والقلب”، وكل هذا، “لا مدخل للإكراه فيه وفي إنشائه، بل الإكراه لا يأتي إلا بالكره”، ليخلص إلى أن “الله عز وجل لم يكره الناس على الإيمان به، وهو الذي يملك ذلك ظاهرا وباطنا، وكذلك لم يأذن بشيء منه لرسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال له : “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر”، وقال له : “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”، فكيف يأذن، بل يأمر ولاة المسلمين بإكراه أحد على البقاء في الإسلام، أو الرجوع إليه بعدما خرج منه، تحت طائلة القتل؟ !”[83].

 الردة والكليات الشرعية :

         عند حديثه عن الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، وبالموازاة مع اكتشافها وتجليتها، وتصنيفها وترتيبها، كان الدكتور الريسوني يبين مسائل أساسية لا يمكن إغفالها، وهي أن الكليات الشرعية بمثابة المعالم الكبرى الهادية، وهي “قطعيات محكمات”[84]، وما كان هكذا، فهو لا يقبل النسخ والتخصيص، لسببين اثنين رئيسيين :

         أولهما : القضايا والمبادئ والأحكام الكلية، لا تتعرض للنسخ، لأنها “متكررة مستقرة مستمرة في جميع الشرائع”[85].

         ثانيهما : الكليات مبنية على آيات محكمة، يجب إبقاؤها على إحكامها وعمومها، وهي لا تتعرض للنسخ، “بل هي غير قابلة للنسخ أصلا، لأنها تمثل قواعد وسننا ربانية”[86].

         ومن الكليات الشرعية الأساسية، ما قررته الآية الكريمة الوجيزة : “لا إكراه في الدين”، ونظرا لكليتها، فإنه لا يجوز القول بنسخها خلافا لما ذهب إليه بعض المفسرين[87].

         وإذا ثبت حكم الآية، وانتفى نسخها، فإن القول بعقوبة المرتد ووجوب قتله ليس إلا إكراها، وهو حكم مناقض لنص القرآن، لأن آية “لا إكراه في الدين”، تتضمن “قضيةً كلية محكمة، عامة تامة، سارية على أول الزمان وآخره، سارية على المشرك والكتابي، سارية على الرجال والنساء، سارية قبل الدخول في الإسلام وبعده، أي : سارية في الابتداء وفي الإبقاء، فالدين لا يكون بالإكراه ابتداء، كما لا يكون بالإكراه إبقاءً”[88].

         وهذا مسلك اجتهادي بديع، ونظر مقاصدي متين، وقد يشغب عليه البعض بجملة من الإشكالات، منها أنه ينسف أحاديث ثابتة صحاح، مثل حديث عبد الله بن مسعود : “لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة”[89]، وحديث عبد الله بن عمر : “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويوتوا الزكاة”[90]، وحديث ابن عباس : “من بدل دينه فاقتلوه”[91]، إضافة إلى مخالفته لمقاتلة أبي بكر رضي الله عنه مع المرتدين.

         بالنسبة للحديث الأول، فقد رد على إشكاله العلامة الريسوني، وهو لا يحل دم المارق من الدين، وهو المرتد، لمروقه وردته فحسب، بل يضيف إليه صفة أخرى، وهي ترك الجماعة، أو مفارقة الجماعة، أو الخروج من الجماعة، حسب رواياته المتعددة، وهذه الإضافة لها قيمتها، ولها معناها، ولا يمكن إلغاؤها والاقتصار على المروق من الدين وحده، لذلك ربط الريسوني بين العقوبة/القتل، وبين جرائم أخرى مقترنة بالردة، ولم يقصره على الردة فحسب، ومما يزيده جلاء ووضوحا، رواية سيدتنا عائشة رضي الله عنها : “ورجل خرج محاربا لله ورسوله”[92]، أو روايتها الأخرى : “أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله ورسوله”[93]، هذه الروايات التوضيحية والتفسيرية، تبين لنا أن القتل كان حكما خاصا بجرائم “التمرد والعصيان والمحاربة، وربما الانضمام إلى العدو المحارب”[94]، وهي جرائم عادة ما كان يقوم بها أناس مرتدون، فقرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الأمرين في الحديث.

بناء على هذا، يميز الدكتور الريسوني بين نوعين من الردة : الردة المركبة، والردة البسيطة.

         فـالردة المركبة، هي الردة المحاربة، أو الردة المتآمرة، وهي ردة مصحوبة بالتمرد والحرب على المسلمين، وعقوبتها “لا ينبغي أن تكون من باب الحدود، بل هي من باب التعازير والسياسة الشرعية، ومن باب التصرف بالإمامة، وقد تطبق فيها عقوبة الحرابة كما في حديث عائشة”، وكل هذه الأحكام تقدر تبعا لظروف الدولة، “وتبعا للأفعال المصاحبة للردة، والمخاطر والأضرار الناجمة عن هذه الردة أو الخيانة”.

         والردة البسيطة، هي الردة المجردة، وهي رجوع المسلم عن الدين “مع نفسه ومع فكره، سواء أسرها أو جهر بها”، وهذه الردة غير مشمولة بما ورد من عقوبات، “بل هي مشمولة بنصوص وأدلة أخرى، أبرزها وأصرحها قوله تعالى : (لا إكراه في الدين)”[95].

         وبالنسبة للحديث الثاني، فقد بيّن المراد منه بجلاء عدد من العلماء، وقد أحسن في ذلك وأمتع، العلامةُ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى، ولو كان الحديث بلفظ : “أمرت أن أقتل الناس …” لكان إيراده في هذا الباب وجيها، أما وقد ورد بـ”أقاتل“، فليس فيه لدى التحقيق ما يناقض نصوص الحرية وعدم الإكراه، لأن معنى “أقاتل” يتضمن مشاركة بين طرفين، وهو تعبير عن مقاومة منهما معا، “بل هي لا تصدق إلا تعبيرا عن مقاومة لبادئ سبق إلى قصد القتل، فالمقاوم للبادئ هو الذي يسمى مقاتلا، أما البادئ، فهو أبعد ما يكون عن أن يسمى مقاتلا، بل هو في الحقيقة يسمى قاتلا بالتوجه والهجوم، أو بالفعل والتنفيذ، إذ لا ينشأ معنى الاشتراك إلا لدى نهوض الثاني للمقاومة والدفاع”[96].

أما الحديث الثالث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : “من بدل دينه فاقتلوه”، فلنا معه وقفات :

         الأولى : هو حديث آحاد، لا يقوى على معارضة نص قرآني قطعي الثبوت.

         الثانية : يحتمل أن يكون هذا الحديث جزءا من الحديث الأول : “لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة”، لأن ابن عباس رواه ردا على علي بن أبي طالب الذي أحرق جماعة من الزنادقة، فقال ابن عباس : “لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تعذبوا بعذاب الله”، ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه”، ولمّا كان ابن عباس في معرض الحديث عن قتل الزنادقة، فإنه لم يورد حالتي “النفس بالنفس، والثيب الزاني”، وأورد الجزء محل الشاهد، وهو ” المارق من الدين، التارك للجماعة”، ورواه بالمعنى، فأداه بلفظ : “من بدل دينه فاقتلوه”.

         الثالثة : حديث “من بدل دينه فاقتلوه”، رواه ابن عباس وتفرد بلفظه، ولم يروه غيره، وابن عباس لا يرى قتل المرتدة[97]، وهذا من فهمه للحديث الذي رواه، ولو كان الحديث نصّا في الحدّ الشرعي، لكان تطبيقه على النساء والرجال على السواء، مثل حدّي الزنى والقتل، وبما أن الردة المصحوبة بالخيانة والتآمر والانضمام إلى الأعداء، غالبا ما تصدر عن الرجال دون النساء، فإن ابن عباس لا يرى تنزيل الحديث الذي رواه على النساء، رغم أنه بلفظه يشملهن، وهذا دال على أنه نصٌّ في الردة المركبة، لا في الردة البسيطة حسب تقسيم الدكتور الريسوني.  

         أما خوض حروب الردة في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فليست حجة للفقهاء في دعواهم، لأن الحدّ الشرعي لا يطبق إلا وفق مسطرة قضائية، بعد التحقيق القضائي، والتكييف القضائي، والحكم القضائي، ودوننا الرجل المتلبس بالسرقة في عام المجاعة، فإن عمر بن الخطاب – بعد التحقيق القضائي – لم يطبق عليه حد السرقة، لظروف وملابسات حالت دون ذلك. أما عمل أبي بكر مع المرتدين، فلم يخضع لأي مسطرة قضائية، وبالتالي لا يمكن إدراجه في سلك الحدود الشرعية، بل هو عمل عسكري انفصالي منظم، قاده مجموعة من العرب، فواجههم أبو بكر الصديق بعمل عسكري أيضا.

         ومما يرجح هذا ويؤيده، أن أبا بكر لما أراد محاربة المرتدين، عارضه أغلب الصحابة، ولو كان حدّا شرعيا منصوصا عليه، لَمَا عارضوه. فتبين من خلال ما سبق أرجحية ما ذهب إليه العلامة الدكتور أحمد الريسوني، وهو اجتهاد مسبوق إليه من قبل ثلة من العلماء، منهم العلامة الأزهري الشيخ عبد المتعال الصعيدي رحمه الله في كتابه الحرية الدينية في الإسلام وغيره، إلا أنه بدا رأيا شاذا في حينه، ثم ما لبث أن وجد له أنصارا ومدافعين، من الأفراد والهيآت، مثل الدكتور الريسوني الذي كان من القائلين بحد الردة، وكثيرا ما أورده في كتاباته دلالة على ضرورة حفظ الدين[98]، ومثل المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية، الذي أصدر رأيا يتبنى فيه قتل المرتد[99]،  ثم تبنى فيما بعد الرأي القائل بعدم قتل المرتد بسبب الردة ذاتها[100].


[1]  ابن باديس، عبد الحميد : آثار ابن باديس : 3/107. تحقيق عمار الطالبي. نشر دار ومكتبة الشركة الجزائرية، ط : 1. 1388 – 1968.

[2]  محمد الخضر حسين، موسوعة الأعمال الكاملة : 9/1 – 213. جمع وضبط علي الرضا الحسيني، دار النوادر، سوريا. ط : 1. 1431 – 2010.

[3]  أحمد الريسوني، الذريعة إلى مقاصد الشريعة : 69. دار الكلمة، القاهرة، ط : 1. 2016.

[4]  مقدمة الدكتور طه جابر العلواني لكتاب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي : 5. الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط : 2. 1412 – 1992.

[5]  مقدمة الدكتور طه العلواني، مرجع سابق : 4.

[6]  مقدمة الدكتور طه العلواني، مرجع سابق : 2.

[7]  أحمد الريسوني، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية : 127. منشورات حركة التوحيد والإصلاح. ط : 1. 2007.

[8]  المرجع والصفحة السابقة.

[9]  ورد في حديث : “كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض”، وورد أيضا : “إن هذا القرآن هو حبل الله المتين”.

[10]  المرجع والصفحة السابقة.

[11]  المرجع السابق : 10.

[12]  المرجع السابق : 7.

[13]  المرجع السابق : 57.

[14]  سورة الملك، الآية 2.

[15]  سورة هود، الآية : 7.

[16]  سورة الكهف، الآية : 7.

[17]  المرجع السابق : 57.

[18]  سورة الذاريات، الآية : 56.

[19]  المرجع السابق : 58.

[20]  المرجع السابق : 60.

[21]  سورة المؤمون، الآية : 51.

[22]  سورة هود، الآية : 88.

[23]  سورة الأعراف، الآية : 142.

[24]  المرجع السابق : 67.

[25]  قال تعالى : “إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل”، “فليملل وليه بالعدل”، “ذلكم أقسط عند الله”.

[26]  قال تعالى : “فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا”.

[27]  قال تعالى : “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”.

[28]  المرجع السابق : 71.

[29]  الشهاب الخفاجي، عناية القاضي، وكفاية الراضي : 8/405. دار صادر. بيروت.

[30]  ابن عاشور، التحرير والتنوير : 1/40. الدار التونسية للنشر، 1984.

[31]  سورة البقرة، الآية : 269.

[32]  أحمد الريسوني، مقاصد المقاصد : 41. ط : 1. بيروت، 2013.

[33]  سورة البقرة، الآية : 111.

[34]  أحمد الريسوني، المرجع السابق : 42.

[35]  سورة النحل، الآية : 78.

[36]  أحمد الريسوني، المرجع السابق : 43.

[37]  سورة الحشر، الآية : 21.

[38]  أحمد الريسوني، المرجع السابق : 45.

[39]  سورة البقرة، الآية : 170.

[40]  أحمد الريسوني، مرجع سابق : 46.

[41]  سورة يونس، الآية : 36.

[42]  أحمد الريسوني، مرجع سابق : 47.

[43]  سورة القلم، الآية : 35.

[44]  أحمد الريسوني، المرجع السابق : 47.

[45]  سحنون، المدونة : 2/556. دار الكتب العلمية، ط : 1. 1415 – 1994.

[46]  ابن حزم، المحلى بالآثار : 10/142. دار الفكر، بيروت.

[47]  تتبنى المحاكم المغربية هذا الرأي، ففي قرار المجلس الأعلى عدد 446 بتاريخ 30 – 3 – 1983 ملف عدد 54758، نص القرار على “أن الولد المزداد قبل إبرام عقد الزواج،  لا يمكن لحوق نسبه إلى الزوج، ولو أقر ببنوته، وكان من مائه، لأنه ابن الزنا، لا يصح الإقرار به”. وتقدم شخص أما محكمة العرائش، بـ(رسم الإقرار بنسب)، ورفضت المحكمة ذلك، بدعوى أن الابن المراد استلحاقه ولد قبل عقد الزواج بثلاثة أشهر. ينظر مقال “إثبات النسب” للأستاذ سعيد صولة، المنشور بموقع marocdroit.com.

[48]  ابن الطلاع، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم : 120. دار الكتاب العربي، بيروت. 1426.

[49]  ابن القيم، زاد المعاد : 5/381.

[50]  متفق عليه.

[51]  ابن القيم، زاد المعاد : 4/234.

[52]  الزبيدي، تاج العروس : 17/305. دار الهداية.

[53]  ابن العربي، عارضة الأحوذي : 3/90.

[54]  ابن العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس : 918. تح : د. محمد عبد الله ولد كريم. دار الغرب الإسلامي. ط : 1. 1992.

[55]  أحمد الريسوني، نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية : 374. مطبعة مصعب، مكناس، ط : 1. 1994. ورأي الدكتور الريسوني وُجد عند بعض الفقهاء على قلتهم، مثل ابن عبد البر، قال في الاستذكار (7/164) : “والفراش في الحرة عقدُ النكاح عليها مع إمكان الوطء عند الأكثر، والفراش في الأَمة عند الحجازيين إقرار سيدها بأنه كان يُلمّ بها، وعند الكوفيين إقرارُه بالولد”.

[56]  أحمد الريسوني، مرجع سابق : 375.

[57]  سعيد صولة، مرجع سابق.

[58]  ابن القيم، زاد المعاد : 5/381.

[59]  أحمد الريسوني، نظرية التقريب والتغليب : 373.

[60]  أحمد الريسوني، نظرية التقريب والتغليب : 375.

[61]  بناء على رأي الجمهور، وخالفهم الأحناف والمزني، وقوى رأيهم الحافظ في الفتح : 12/203.

[62]  الزرقاني، شرح المختصر : 8/19. مطبوع مع حاشية البناني، دار الكتب العلمية، 1422 – 2002.

[63]  الدردير، الشرح الكبير، على مختصر خليل : 4/301. دار الفكر، بهامشه حاشية الدسوقي.

[64]  لو جارينا الشيخ الدردير وعموم المالكية، لقلنا بردة من أحرق كتاب إحياء علوم الدين، لأنه مليء بالآيات القرآنية والأحكام الفقهية، وأسماء الأنبياء، وأسماء الله تعالى.

[65]  أحمد الريسوني، الفكر الإسلامي، وقضايانا السياسية المعاصرة : 81. دار الكلمة. ط : 1. 2010.

[66]  معجم اللغة العربية المعاصرة : 1/470.

[67]  المرجع السابق : 1/1/467.

[68]  المرجع السابق : 1/468.

[69]  الزبيدي، تاج العروس : 10/581- 582- 583- 587- 588- 591.

[70]  مثل التيار الليبرالي.

[71]  قال رفاعة الطهطاوي عن ثورة 1830 : “اعلم أن هذه الطائفة متفرقة في الرأي فرقتين أصيلتين، وهما : الملكية، والحرية. والمراد بالملكية أتباع الملك، القائلون بأنه ينبغي تسليم الأمر لولي الأمر، من غير أن يعارض فيه من طرف الرعية بشيء، والأخرى تميل إلى الحرية، بمعنى أنهم يقولون لا ينبغي النظر إلا إلى القوانين فقط … والملكية أكثرهم من القسوس وأتباعهم، وأكثر الحريين من الفلاسفة والعلماء والحكماء وأغلب الرعية”. تلخيص الإبريز : 235. وقال في ص 237 : “كان يطلق على الحريين مذهب الحرية، أو أرباب الحرية”. وبقيت هذه الكلمة متداولة إلى عهد الأستاذ عباس محمود العقاد، قال في إحدى مقالاته : “ومفهوم بعدما تقدم، أن الليبراليين هم الحريون، أو هم غير المحافظين على تقاليد الحكم في بلاد الاستعمار”. مقال : الدين والكمال والنعمة والتمام. جريدة الأخبار 29 – 5 – 1963.

[72]  أحمد الريسوني، أبحاث في الميدان : 35. دار الكلمة، ط : 1. 1431 – 2011.

[73]  أحمد الريسوني، مجلة نوافذ، ع : 5. أكتوبر 1999. الأمة هي الأصل : 47. سلسلة اخترت لكم، المغرب، 2000.

[74]  أحمد الريسوني، الشورى في معركة البناء : 42.

[75]  أحمد الريسوني، الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة : 71.

[76]  أحمد الريسوني، الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة : 80.

[77]  أحمد االريسوني، أبحاث في الميدان :33.

[78]  أحمد الريسوني، مراجعات ومدافعات : 24.

[79]  أحمد الريسوني، فقه الاحتجاج : 103.

[80]  أحمد الريسوني، الحركة الإسلامية، صعود أم أفول : 76. منشورات ألوان مغربية. 2004.

[81]  أحمد الريسوني، المرجع السابق، 77.

[82]  أحمد الريسوني، الشورى في معركة البناء : 42.

[83]  أحمد الريسوني، الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة : 87.

[84]  أحمد الريسوني، الكليات الأساسية : 105.

[85]  أحمد الريسوني، المرجع السابق : 106.

[86]  أحمد الريسوني، المرجع السابق : 109.

[87]  توسع علماء الإسلام في دعوى النسخ، وبالغوا، فعند قوله تعالى : “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم”، قال ابن العربي المعافري : “هذه الآية ناسخة للتي أمر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح”. المسالك في شرح موطأ مالك : 5/9. وقال أيضا : “الأمر بالقتل نسخ كل عفو وصفح وإعراض وترك حيث وقع في القرآن”، الناسخ والمنسوخ : 2/243. المكتبة الثقافية الدينية، القاهرة. وهذه المبالغة في النسخ، أو النسخ بالجملة، حيث تنسخ الآية الواحدة عددا من الآيات، هو الذي عبّر عنه الدكتور سعيد رمضان البوطي بـ”اللجوء الاعتباطي إلى القول بالنسخ”. (الجهاد في الإسلام : 56). ووصفه العلامة الحجوي بالمجازفة. (الفكر السامي : 1/97). والتحقيق، أن القول بالنسخ ليس مجرد دعوى لا دليل عليها، بل لا مناص للقول به، من وجود نص صريح يعارض المنسوخ أولا، ويتعذر الجمع بينهما ثانيا، ويتأخر عنه زمانا ثالثا.

[88]  أحمد الريسوني، الكليات الأساسية : 110.

[89]  متفق عليه.

[90]  متفق عليه.

[91]  رواه البخاري وغيره.

[92]  رواه أبو داود.

[93]  رواه النسائي.

[94]  أحمد الريسوني، الكليات الأساسية : 115.

[95]  أحمد الريسوني، الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة : 85.

[96]  البوطي محمد سعيد، الجهاد في الإسلام، كيف نفهمه، وكيف نمارسه : 59. دار الفكر، ط : 2. 1415 – 1995.

[97]  ابن بطال، شرح صحيح البخاري : 8/573. مكتبة الرشد، الرياض. ط : 2. 1423 – 2003.

[98]  مثل : أحمد الريسوني، الفكر المقاصدي، قواعده وفوائده : 29. منشورات الزمن. 1999.

[99]  وثيقة صادرة بتاريخ 8 يونيو 2009 عن المجلس العلمي الأعلى بعنوان : التعقيب على ملاحظات لجنة حقوق الإنسان في إطار إعداد المملكة المغربية للتقرير الدوري السادس لإعمال العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ينظر : فتاوى الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء. 2004 – 2012. منشورات المجلس العلمي الأعلى.

[100]  ورد في وثيقة “سبيل العلماء” الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى سنة 2017 ما يأتي : ” لقد أثيرت في الإسلام قديما ولا تزال تثار قضية الردة والمرتد، ويبقى الفهم الأصح والأسلم لها، المنسجمُ مع روح التشريع ونصوصه، ومع السيرة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم، أن المقصود بقتل المرتد هو الخائن للجماعة، المفشي لأسرارها، والمستقوي عليها بخصومها، أي ما يعادل الخيانة العظمى في القوانين الدولية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إطلاق وصف الشهيد على أشخاص معينين

إطلاق وصف الشهيد على أشخاص معينين 4/4/1432– 9/3/2011 قرأت لعدد من المشايخ المعاصرين، وسمعت من بعضهم على الفضائيات، اعتراضهم على إطلاق لفظ الشهيد والشهداء على أشخاص معينين ممن يقتلون في ...