ضيف الموقع

شؤم الجدل العقيم / د.ونيس مبروك

شؤم الجدل العقيم

د.ونيس مبروك

في الوقت الذي كان فيه محمد الفاتح رحمه الله يُعدُ المدافعَ ليدكَّ حصون َالقسطنطينية، كان أحبارُها ورهبانها في داخل تلك الأسوار يخوضون في نقاشٍ واسع وجدلٍ حاد حول أسئلة عَقَدية مُعقدة ؛ مثل : حجم إبليس، وهل الملائكة ذكور أم إناث، وهل المسيح من جنس البشر أم هو إله أم هو مزيج بينهما ؟!!!
ظنّ الأحبارُ أنهم بذلك الجدل العقيم يُحيُون العقيدةَ ويذودون عن حِياض الإيمان،… حتى وقعَ سقفُ الكنائس على رؤوسهم وأسر الجنودُ رجالَهم وصارت أموالهم وديارهم غنيمة للفاتحين.
لم تقهم المباحثُ الباردة حرارةَ العدوان، أو تدفعهم إلى حماية أمتهم وصون وطنهم، ولم تبعثهم العقائد الحائرة على مقاومة الجيوش وشحذ قلوب أتباعهم للتضحية و صدّ العدوان .

لازلت أذكر كيف كُنا نتجادل في عام 1988م، ونقضي الليالي الطوال في السكن الداخلي بمدينة البيضاء وفي صالونات بيوتنا في بنغازي في الجدل حول الخِلاف والاختلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث، وبين الوهابية والأزاهرة ونطيل التدقيق والتشقيق في قضايا عقدية مثل : صفات الذات والأفعال، وهل الحسن والقبح في الأشياء ذاتي أم اعتباري، وهل الإنسان مخير أم مسير أم مُكتسِب، وماذا نفعل بالنصوص القرآنية الموهِمة للتشبيه، وهل يصح الأخذ بالمجاز في قضايا الاستواء والعلو والنزول و ….
كنا نندفع لخوض تلك المباحث وننفق فيها جُل أوقاتنا ونبدد طاقتنا الذهنية والنفسية، ظنّاً مِنّا أنها جوهر العقيدة وحقيقة” الإيمان” الذي جاء به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وربّى عليه صحابَتَه وتنزّل به القرآن المكي كي يبني جيلاً قرآنياً فريداً ، وأن ( المباحث الكلامية) هي أول لَبِنات البِناء ومداميك الإصلاح وركائز الاعتقاد الصحيح .
ثم اكتشفنا بعد مخالطتنا لأهل العلم أن تلك المباحث رغم أهميتها كمعالم صنّفها العلماءُ لضبط قضايا الغيبيات، أو هي- كما قيل- بحوث وظيفية ” لإثبات العقائد، وإبراز الحجج، ودفع الشُبَه ” إلا أن أمرها لا يستحق كل هذا التعصب المقيت، ولا التبديع والتفسيق والتبكيت، وأن أدواتنا المعرفية قاصرة حتى عن فهم تلك المباحث فَضلاً عن الترجيح بينها أو الحُكم على قائليها
لا يمكن التقليل من منزلة علم العقيدة والكلام، أو ازدراء مباحثه كما يفعل بعض الناس! فذاك علمٌ ميدانُه قاعات الدرس التخصصي ومراكز البحث العلمي، لا أن نصنع منه ضجيجاً وعجيجاً ونُشْغِل به العامة،… أو ” نباهي به العلماء ونماري به السفهاء ونصرف به وجوه الناس إلينا ” كما قال الصادق المصدوق .

أكتب هذه الخاطرة وأنا أراقب على مَضض تَجدّدَ الجدلِ العقيم في ساحتنا حول تلك المباحث، ومحاولة كلِ فريق جَر “أهل السنة” لعرينه، ورفع أسوار ” الطائفة المنصورة” حول أتباعه، ومصادرة وَسْمِ ” السلف” واستيراد الفتاوى لتضليل كل عالم لا يقول بقولهم أو يسقي في دلوهم أويَرى بعيونهم ..
كل هذا ووطنُنا صارَ يرضخ – على مُكثٍ – تحت قبضة الطُغاة والغُلاة واللصوص البُغاة، وشعبُنا المسلم يتعرض لأعظم مشروعٍ لتقويض هويته، وتحريف معالم دينه، وتمزيق هيئته الاجتماعية، والعبث بما تبقى من تاريخه وثقافته.
اليوم تهب بشبابنا رياح الإلحاد التي تُحركها جهاتٌ مشبوهة، وتنزل بساحتنا مشاريعُ التحديث وحملات التخنيث التي يُروج لها اللَمَم، و تُموّلُها هيئات الأُمم ! و(بعض) شبابنا لا تهمهم معرفة الصفات لأنهم يرتابون في وجود الذات، ولا يرفضون العمل بالأحكام فقط بل يطعنون في مَصادِرِها، ولايبالون بالمتشابهات لأنهم لا يؤمنون بالمُحكمات، ولا ينكرون مُنكرا أو يعرِفون معروفا إلا ما أُشربوا من أهوائهم …

تابعت ما يحدث فتذكرت جدل أولئك الأحبار تحت مدافع السلطان محمد الفاتح !
فقلت لعل في التذكيرِ نفعٌ، فإن الذكرى تنفع ” المؤمنين”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى