ضيف الموقع

ركائز الاختيار الفقهي في الآراء السياسية للشيخ القرضاوي

ركائز الاختيار الفقهي في الآراء السياسية للشيخ القرضاوي

د. آدم الجماعي.

اليمن، محافظة إب.

أشتهر العلامة يوسف القرضاوي بالنبوغ الاجتهادي، ودراسة قضايا الاجتهاد في العالم الإسلامي، بما وهبه الله من فهم واستيعاب للواقع ومتغيراته، وسعة الملكة في تقدير المصالح والمفاسد. بالإضافة إلى الركائز العلمية التي ساعدته في اختياراته الفقهية؛ في أصعب مجالات الاجتهاد السياسي.

ولهذا وذاك كانت الآراء السياسية للعلامة القرضاوي محل اهتمام لدراستها؛ من حيث قدراته في “الاختيار الفقهي الاجتهادي”؛ والذي تظهر أهميته من خلال الآتي:

  • الظواهر السياسية من أدق قضايا الاجتهاد، وأخطرها؛ وهذا عائد لتحولاتها، ومتغيراتها، وخطورة تداخلها بين الأمة والدولة، وتعقيداتها في علاقات المكونات السياسية.
  • الدكتور القرضاوي خاض الفقه السياسي بأفق فقهي واسع، وبرؤية عالمية عامة. متجاوزاً التمذهب، ومراعياً مكان الاختيار الفقهي وزمانه ومكانه.

     فقد أفاد بثروة فقهية شملت قضايا العمل السياسي، بجل متغيراته..

     وكانت لاختياراته أصداءً فقهية وفكرية واسعة بين علماء المسلمين..

    ❍ ركائز الاختيار الفقهي/

أولاً:

ركيزة التعريف للسياسة الشرعية؛ لأن الشيخ القرضاوي يُعرِّفها بأنها: (السياسة القائمة على قواعد الشرع وأحكامه وتوجيهاته، متخذة الشرع

منطلقاً لها ترجع عليه، وتستمد منه).

كتابه: السياسة الشرعية ص ٢٣.

فيظهر من خلال هذا التعريف تتبلور ركائز اختياراته الفقهيه في الرأي السياسي.

ثانياً:

 الشيخ القرضاوي يؤكد أن الاختيار الفقهي واسع في باب المتغيرات. دون الثوابت. وأنه مطلوب في حق المجتهد أن يختار ما يترجح لديه حسب مصالح المسلمين. مما هو سائغ في الشريعة الإسلامية.

ويذكر آلية المجتهد أنه:

“الذي يربط المتغيرات بالثوابت

ويرد المتشابهات إلى

المحكمات

 والجزئيات إلى الكليات

والفروع إلى الأصول..

وهو الفقه الذي كان عليه الصحابة

 والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، ومن سار على دربهم من التابعين بإحسان). 

كتابه: السياسة الشرعية ص ٢٥٦.

ثالثاً:

استيعاب متطلبات الأمة وواقعها، بما آتاه الله من ملكة فقهية؛ تمكنه من “واجب الشرع وواجب الواقع”.

   لأن سنن الله في المجتمعات تقوم على التوفيق بين المشروع والواقع.

ويشترط الشيخ شرطان:

  • السعة والمرونة.
  • تحقق تغير الزمان والمكان والإنسان.

كتابه: الفتوى بين الانضباط والتسيب، ص ٢٢، ص ٢٥.

رابعاً:

التحقق من صناعة الاختيار الفقهي؛ من خلال مسواغاته الاجتهادية، التي تفرض الاختيار الفقهي أمام المجتهد.

ويرى الشيخ القرضاوي أن هذه المسوغات لا بد أن تكون مرتبطة ببعضها البعض؛ من خلال الآتي:

  • تحقُّق البعد المقاصدي.
  • تحقق الموازنة للمصالح ذاتها إذا تعارضت، أو المفاسد كذلك.
  • التحقق من الأولويات.

ويقول الشيخ القرضاوي:

(أن يُعطى كل عمل قيمته أو قدره،

في ميزان الشرع، لا يُبخَّس،

ولا يُشتطّ في تقويمه، وبهذا يقدم ما حقه أن يُقدم، ويؤخر ما حقه أن يؤخر)

كتابه: أولويات الحركة الإسلامية، ص ٣٥.  والسياسة الشرعية؛ ص ٣٥٣.

   ❍ الأمثلة من اختياراته السياسية:

  • المظاهرات:

الشيخ القرضاوي كان قد ناقش هذا الرأي مسبقًا وقبل الثورات بسنوات، قائلًا:

 (من حق المسلمين – كغيرهم من سائر البشر – أن يسيروا المسيرات وينشئوا المظاهرات، تعبيرًا عن مطالبهم المشروعة، وتبليغًا بحاجاتهم إلى أولي الأمر وصنّاع القرار، بصوت مسموع لا يمكن تجاهله).

وأشار القرضاوي إلى أن (صوت الفرد قد لا يُسمع، لكن صوت المجموع أقوى من أن يُتجاهل، وكلما تكاثر المتظاهرون، وكان معهم شخصيات لها وزنها، كان صوتهم أكثر إسماعًا وأشد تأثيرًا).

واستدل على رأيه بما قاله الله تعالى في سورة المائدة: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}، ثم أردف الاستدلال بالآية بقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا”).

يزيد القرضاوي في رده على تحريم المظاهرات بأن دليل مشروعية هذه المسيرات والمظاهرات الاحتجاجية أنها من أمور العادات وشؤون الحياة المدنية، والأصل في هذه الأمور هو: الإباحة وفقًا للقاعدة الفقهية القائلة “الأصل في الأشياء الإباحة”.

وأردف القرضاوي قائلًا: (الحاكم المطلوب طاعته هو الذي يحبه الناس ويطلبونه، كما في حديث مسلم: “خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم”، رواه مسلم).

أنظر: شرعية المظاهرات السلمية، فتوى رقم 1932، تاريخ 23/11/2011، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

  •  مدنية الدولة ذات المرجعية الإسلامية.

 هذا الاختيار الفقهي ناقشه الشيخ القرضاوي؛ في حلقة خاصة في برنامج “الشريعة والحياة”.

ويسوغ لهذا الاختيار بأن استصلاح مسمى المدنية أكثر واقعية بحق الأمة والشعب، وهو أبعد عن الاستبداد لرجال الدين، أو مرجعيات الأيدلوجية السياسية كالليبرالية والاشتراكية، وفسلفة الديمقراطية.. وغيرها.

  • ولاية المرأة للمناصب السياسية.

فالشيخ القرضاوي يختار هنا قول الجمهور في منع الولاية العامة.

ثم يختار جواز ولاية المرأة في منصب مجالس النواب، ومناصب الوزارات، وما دونها.

ويشترط إعمال الموازنة لتحقق المصلحة منها من مفسدة تقصيرها عن واجب الأسرة.

وأولوية المرأة بكفاءتها، وملائمة الوظيفة لها.

والمقصد الغائي لولايتها بما يتوفر لديها من علم ودراية وخبره، ومصالح. خاصة في بني جنسها.

ناقشه في برنامج “الشريعة والحياة”، بعنوان: المرأة والعمل السياسي.

  • مشاركة المسلم في حكم غير إسلامي.

     يرى الشيخ القرضاوي أن الأصل عدم المشاركة للأدلة الصريحة على مرجعية الحكم الإسلامي.

 ولكنه أجاز ذلك باختيار فقهي؛ استثنائي. لاعتبارات ومنها:  تقليل الشر عند الاستطاعة. بدليل ولاية النبي يوسف عليه السلام، وحكم النجاشي بعد إسلامه.

    ويشترط الشيخ القرضاوي تحقق الجدوى في ذلك، ونجاح التجربة بتخفيف الشر، وإتاحة الحرية بقيم الإسلام ومبادئه.

كتابه: فقه الدولة في الإسلام، ص ٢٥٢.

وثمت آراء اجتهادية أثرى بها العمل السياسي، وأفاد المسلمين في بناء الوعي السياسي بجل المتغيرات، وعلى اختلاف البلدان الإسلامية.

وكان له عطاء فقهي عظيم؛ متواكب مع كل التحولات السياسية؛ سواء داخل العالم الإسلامي، أو في العالم الغربي. وأحدث حركة تجديدية واسعة بالكثير من اجتهاداته، وتناولها كبار العلماء في سياق الخلاف المعتبر؛ إلا بعض المتشددين في تيار ما كان يُطلق عليه “الظاهريون الجدد” حسب تعبير الشيخ القرضاوي. لما كان يعانيه هذا التيار من الجمود العقلي.

نسأل الله أن يرفع من درجته، ويفيض عليه من الثواب ما يكافئه عن الأمة خير الجزاء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى