مقالاتمقالات فقهيةمقالات قضايا دوليةمقالات مجتمعية

على ذكر السجناء المظلومين..

على ذكر السجناء المظلومين..
أحمد الريسوني
البيان الأخير للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين استُقبل بكثير من الترحيب والتقدير. وكما هي العادة، لقي أيضا بعض التضايق والتحفظ، وخاصة بسبب الفقرة المتضمنة مطالبةَ الحكومات الإسلامية “بإطلاق سراح جميع السجناء المظلومين، وغيرهم من السجناء المعَرَّضين للوباء في سجونهم”. مع أن هذه الفقرة بالذات هي التي جعلت أحد العلماء (الدكتور عبد الله الجباري) يعتبر البيان “نقلة نوعية في الصف العلمائي”.
فلأجل هذا وذاك، اخترت أن أعلق ببعض التوضيحات على هذه المسألة دون غيرها من بيان الاتحاد..
فأولا: عقوبة السجن، باعتبارها العمودَ الفقري للقوانين الجنائية المعاصرة، هي – بهذا الشكل – لا مكان لها في التشريع الجنائي الإسلامي. فالسجن عندنا يمكن أن يكون عقوبة استثنائية ثانوية، محدودة وعابرة. أما العقوبة بالسجن عددَ سنين، أو لعشرات السنين، أو بالسجن مدى الحياة، فهذا لا أصل له في الشريعة، وهو منافٍ لمنهجها العقابي الذي يتميز بالبساطة والسرعة والنجاعة. ولذلك فمعظم هذه العقوبات السجنية – وخاصة الطويلة منها – هي عقوبات ظالمة بوجه من الوجوه، أو من عدة وجوه. وهو ظلم تشريعي، حتى لو تحقق العدل القضائي.
وثانيا: يوجد دائما في السجون العصرية نسبةٌ كبيرة من المعتقلين اعتقالا احتياطيا، ويقال: معتقلون على ذمة التحقيق. بمعنى أنهم ليسوا مدانين، وسيُحكم عدد منهم بالبراءة، أو بعقوبة تقل عن مدة اعتقالهم. وعلى هذا فهم معتقلون اعتقالا ظالما.
وثالثا: معظم الدول العربية، وعدد من الدول الإسلامية غير العربية، فيها سجناء سياسيون، اعتقلوا لا لشيء سوى لمواقفهم وآرائهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية. وكثير منهم علماء ودعاة وأكاديميون وإعلاميون.. فهؤلاء كلهم معتقلون مظلومون. ولنستحضر هنا على الخصوص: مصر والسعودية والبحرين والإمارات وسوريا واليمن والعراق والسودان وإيران وبنغلادش…الخ.
وفي هذه الدول معتقلون لا يُعرف عنهم شيء: لا مكان احتجازهم، ولا ظروفهم، ولا تهمهم، ولا أحوالهم الصحية..
رابعا: معظم السجون يعاني سجناؤها عادةً من عقوبات إضافية غير محكوم بها، ولا هي في القانون أصلا: كالتجويع، والتعذيب، والاكتظاظ، ونقص الهواء، والمعاملات المهينة، والأمراض الجسدية والنفسية الناجمة عن ظروف الاعتقال الطويل…
على أن مصر وحدها فيها ما يسمى “شعب السجون”؛ بمعنى أن عدد المسجونين فيها يعادل أو يفوق تعداد عدد من الشعوب ذات الدول المستقلة!
فهؤلاء السجناء المظلومون، وكذلك السجناء غير المظلومين، إذا أُبقوا في السجن حتى يدخل عليهم ويتفشى فيهم فيروس كورونا، سيصبحون كلهم أو معظمهم يواجهون خطر الموت، سواء بَقُوا بعد ذلك في السجن، أو طردوا منه وهم يحملون الجرثومة الخبيثة.
فمن يتحمل مسؤولية حبسِ هؤلاء الناس وإمساكِهم إلى أن يصل الوباء فيفتك بهم، وهم لا يجدون منه مهربا ولا ملجأ؟
أليس هذا شبيها بما ما جاء في موطأ الإمام مالك، في (باب القصاص في القتل) “قال مالك في الرجل يمسك الرجلَ للرجل، فيضربه فيموت مكانَه (أي يموت في الحال): إنه إن أمسكه، وهو يرى أنه يريد قتله، قُتلا به جميعًا (أي يُقتل من قتله ومن أمسكه). وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد الضرب مما يضرب به الناس، لا يرى أنه عمَدَ لقتله، فإنه يقتل القاتل، ويعاقب الممسك أشد العقوبة، ويُسجن سنة، لأنه أمسكه، ولا يكون عليه القتل”.
أليس هذا موجبا للإفراج الفوري عن نسبة كبيرة من السجناء؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى