أبحاثأبحاث فقهية

النظام السياسي في الإسلام والخيار الديمقراطي

ذكرتُ في مسألة سابقة أن مجال السياسة والحكم والدولة والإدارة العامة، محكوم في الإسلام بمبادئ عامة وقواعد كلية، وليس فيه – بخصوصه-  أحكام قائمة وأنظمة دائمة. بمعنى أنه ليس عندنا في الإسلام “نظام” سياسي معين ومفصل، لا باسمه ولا بهياكله الدستورية ، ولا بترتيباته القانونية والإدارية.

وأنا أعرف أن هذا الكلام قد يستفز بعض الغيورين الأعزاء، وقد يختلط عليهم مع أفكار ودعاوَى سبقت وما زالت؛ كتلك التي ضمنها الشيخُ علي عبد الرازق كتابَه الشهير (الإسلام وأصول الحكم)، بتجريده الإسلامَ من شقه السياسي، واعتبارِه رسالةً دينية أخروية لا غير، وأن السياسة والحكم شأن بشري خالص، تم إقحامه في الديانة الإسلامية… لكنَّ هذا غيرُ ما نحن بصدده من وجود أو عدم وجود “نظام حكم” في الإسلام.

 وقد يخيل لبعض الصالحين أن القول بعدم وجود “نظام سياسي في الإسلام” فيه انتقاص للإسلام وشريعته الكاملة، الصالحة لكل زمان ومكان…

وأنا أقول: لو كان للإسلام نظام سياسي معين ومفصل وثابت ، لما كان صالحا لكل زمان ومكان. فمن عظمة الإسلام وصلاحيته المتجددة ، أنه أتى بأحكام مفصلة ثابتة في المجالات الجوهرية المستقرة في حياة الإنسان ، في حين اكتفى بجملة من القواعد والمقاصد والمبادئ العامة ، فيما طبيعته التغير والتنوع والقابلية لأكثر من وجه.

فلا وجود في الإسلام المنزل – أي القرآن وصحيح السنة – لما يسميه البعض “نظام الحكم الإسلامي” أو: “نظام الخلافة الإسلامية”، بل”الخلافة” نفسها إنما هي معنى إجمالي، أجمع المسلمون على شرعيته وضرورته، ولكنه ليس نظاما. وحتى لفظ “الخلافة”، وقبله لفظ “الخليفة”، إنما هو واحد من الألفاظ المعبر بها عن الدولة الإسلامية الجامعة، وعن رأسها وقائدها. وهو لفظ من بين ألفاظ أخرى استعملت أو يمكن استعمالها، مثل الإمامة والإمام، والإمارة والأمير، والرئاسة والرئيس، وأمير المؤمنين وأمير المسلمين. وجميع هذه المصطلحات والألقاب لا تحيل على نظام شرعي محدد موصوف، ولا حتى على تجربة تاريخية موحدة أو متشابهة، بل هي أنماط عديدة ، تختلف باختلاف الدول والأقطار والأفراد.

 وحتى الخلافة الراشدة نفسها، وهي النموذج الأمثل في الباب،  كان بين عهودها الأربعة اختلافات سياسية وتنظيمية معروفة ، مع أن فترة الخلفاء الأربعة كلِّهم هي فترة قصيرة جدا، يوجد من حكامنا المعاصرين من حكموا بمفردهم أكثر منها. فالنظام السياسي، والتدبير السياسي، والقرار السياسي، والعلاقات والمؤسسات السياسية، هذه كلها أمور لم يجمعها في حقبة الخلفاء الراشدين، سوى المبادئ والتوجهات العامة، مع العدل والنزاهة والاستقامة، التي يعبر عنها بوصف الخلافة الراشدة ، ووصف الخلفاء الأربعة – أو الخمسة – بالخلفاء الراشدين.

أسس النظام الإسلامي

إذا كان الإسلام لم يضع لنا نظاما مفصلا للسياسة والحكم، بل ترك ذلك للاجتهاد الظرفي والتطور الزمني، فإن فيه معالم عامة وقواعد أساسية ملزمة لكل حاكم ولكل دولة ولكل نظام حكم يتبناه المسلمون. وأهم ذلك ما يلي:

  1. الشورى ابتداء وانتهاء   

قال الله تعالى عن صفات جماعة المسلمين) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( [الشورى/38]. فمقتضى قوله )وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( : أن كل أمر من الأمور المشتركة بين المسلمين ، مما يهم جماعتهم أو فئة من فئاتهم ، وليس فيه حكم منصوص ، فهو شورى بينهم . أي : يتم تدبيره والبت فيه بالتشاور والتقرير الجماعي بينهم، إما بشكل مباشر من عموم أصحاب الأمر، وإما بالوكالة منهم والنيابة عنهم.

وأول الشورى في موضوع الحكم والسياسة، هو أن يكون اختيار الناس لحاكمهم (شورى بينهم) ، ويكون عزله إذا تعين عزله ، أو تغييره إذا تعين تغييره ، (شورى بينهم).

وإذا أرادوا تحديد طريقة لهم لتولية حاكمهم، أو احتاجوا لضبط واجباته وصلاحياته ، أو صلاحيات غيره من المسؤولين معه ، أو لتحديد كيفية إدارته للحكم ، بما في ذلك طريقة ممارسة الشورى أثناء الحكم ، فذلك أيضا (شورى بينهم) أي (عن تراض وتشاور). ولو أرادوا تحديد مدة حكم الحاكم الأعلى (الخليفة، الإمام، الرئيس…)، أو حتى غيره من الولاة والأمراء والوزراء ، فذلك أيضا (شورى بينهم)… 

  • المرجعية العليا للشريعة

لا يمكن تصور حاكم أو نظام حكم ينتسب إلى الإسلام وإلى الشرعية الإسلامية، لا يجعل مرجعيته العليا هي الشريعة الإسلامية ، ولا يضع أحكامها الثابتة موضع التنفيذ. والآيات الآمرة بالحكم بما أنزل الله، والمحذرة من خلافه، كثيرة معلومة ، كقوله تعالى ) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ([المائدة/49] وقوله جل جلاله) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا( [الأحزاب/36]

وأقل التزام عملي بهذا المبدأ هو إقرار مرجعية الشريعة ، وعدم تبني ما يعارض قطعياتها ومسلماتها.وأما القضايا الخلافية أو القضايا المستجدة ، فـهي مجال للاجتهاد والترجيح.

  • إقامة العدل بين الناس

وهذا من البدهيات التي لا يجحدها أحد ، ولا يتأخر نظام أو حاكم عن إعلان تمسكه بها.

ولأجل إقامة العدل أرسل الله رسله وأنبياءه ، وأنزل كتبه وشرائعه ، كما قال تعالى )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ( [الحديد/25].    والعدل مطلوب من جميع الناس وفي جميع الشؤون . ولكنه مطلوب بصفة خاصة ممن يتولون على الناس ويحكمونهم أو يقضون بينهم . قال تعالى) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ( [النساء/58]

     وإقامة العدل تتحقق أولا بتطبيق الأحكام الشرعية المنصوصة، ولكن ما يحتاج إلى العدل وليس فيه حكم منصوص ، هو أكثر بكثير جدا مما هو منصوص عليه . وقد نجد بعض الحكام يطبقون ما هو منصوص، ولكنهم يملؤون الأرض جورا وفسادا فيما يعتبرونه ليس بمنصوص. فلذلك يظل العدل مبدأ وقاعدة عامة ملزمة ، في كل ما يصدر وما لا يصدر عن الولاة.

  • تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة

وهذه إحدى القواعد الفقهية الجامعة لمتطلبات الولايات والسياسة الشرعية . ومفادها أن أصحاب الولايات جميعا ، ليسوا أحرارا في تصرفهم وتدبيرهم لشؤون من تولوا عليهم . بل تصرفاتهم مشروطة ومقيدة بما فيه المصلحة لمن هم تحت ولايتهم.وإذا كان أمام أحدهم خيار بين ما هو صالح وما هو أصلح ، فلا يجوز له الأخذ بما هو صالح ، بل يلزمه الأخذ بما هو أصلح ، وإلا كان تصرفه باطلا .

في تأصيل هذه القاعدة وبيان مضمونها ، يقول الإمام شهاب الدين القرافي :” اعلم أن كل من ولي ولايةَ الخلافة فما دونها إلى الوصية ، لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة ، لقوله تعالى { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ولقوله عليه السلام { من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ، ولم ينصح ، فالجنة عليه حرام }. فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس فيه بذل الجهد ، والمرجوح أبدا ليس بالأحسن بل الأحسن ضده ، وليس الأخذ به بذلا للاجتهاد ، بل الأخذ بضده . فقد حجر الله تعالى على الأوصياء التصرف فيما هو ليس بأحسن ، مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى الولاة والقضاة . فأَوْلى أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك . ومقتضى هذه النصوص أن يكون الجميع معزولين : عن المفسدة الراجحة ، والمصلحة المرجوحة ، والمساوية ، وما لا مفسدة فيه ولا مصلحة ، لأن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن ، وتكون الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة ، أو الراجحة ، ودرء المفسدة الخالصة ، أو الراجحة . فأربعة معتبرة ، وأربعة ساقطة ، ولهذه القاعدة قال الشافعي رضي الله عنه : لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك ، ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين . ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب فيه ، دفعا لمفسدة الريبة عن المسلمين . ويَـعزل المرجوحَ عند وجود الراجح، تحصيلا لمزيد المصلحة للمسلمين”[1] ـ

          الإسلاميون والخيار الديموقراطي

يذكر كثير من علماء الأصول والمقاصد أن القضايا والمبادئ الكلية التي تأتي بها الشرائع المنزلة ، هي مما تدركه عقول الناس، ويشتركون في فهمه وتقبله والاتفاق عليه ، حتى قبل مجيئ الشرائع بها. وذلك كاتفاقهم على حسن العدل وقبح الظلم ، وحسن الوفاء وقبح الخيانة ، وكاتفاقهم على حسن الاعتدال وقبح الغلو، وحسن الجود والإيثار، وقبح الشح والاستئثار…

ومن هذا الباب ، لا نجد اليوم – ولا قبل اليوم – اختلافا جوهريا، بخصوص مجمل المبادئ التي تعد هي التعبير العملي عما يسمى بالديموقراطية والنظام الديموقراطي؛ مثل:

  • الشعب مصدر السلطة والشرعية لحكامه، بشكل مباشر أو غير مباشر.
  • الحق في اختيار الناس لمن يحكمهم ومن ينوب عنهم في تدبير شؤونهم العامة.
  • الحق في مراقبة الحكام والوكلاء ومحاسبتهم.
  • التداول السلمي على السلطة بواسطة الانتخابات.
  • حق تأسيس الأحزاب وغيرها من المنظمات ، للتعبير الجماعي والعمل الجماعي. 
  • الحق في حرية الصحافة وحرية التعبير لعموم الناس.
  • الفصل بين السلط وصلاحياتِها، وخاصة استقلالَ السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة الأقوى ، التي هي السلطة التنفيذية …

          فكل هذه الحقوق والقواعد الدستورية ، هي مبادئ ومُثُل جميلة متحضرة ، لا ينازع فيها أحد ، ولا يتردد أحد في قبولها والمطالبة بها . ولكن ما يقع الاختلاف في إدراكه ، ويحتاج إلى الشرائع لحسمه ، ويحتاج إلى العلماء المجتهدين ، والخبراء المتخصصين ، لإدراك وجه صوابه وحكمته ، ومدى مطابقته للحكم الكلي، هو التفاصيل الجزيئة والصور التطبيقية.

فالديموقراطية اليوم – من حيث هي مبادئ وقواعد ونظم – تحظى بقبول وتَوافق واسعين في العالم كله ، وفي عموم العالم الإسلامي أيضا ، وبصفة خاصة لدى عامة العلماء والحركات الإسلامية . فكل الحركات الإسلامية ذات الاهتمام السياسي ، هي إما مشاركة في النظم والعمليات الديموقراطية ، وإما ساعية إلى ذلك في انتظار أن يفتح لها الباب أو النافذة. وكلها ـ على تفاوت ـ تمارس أشكالا من الديموقراطية في نظامها الداخلي.

وحتى القلائلُ الرافضون – أو الذين كانوا رافضين – للديموقراطية من الإسلاميين، نجد  كثيرا من تحفظاتهم واعتراضاتهم، إنما تتعلق بالتطبيق والممارسة الفعلية ، لا بالفكرة والمبدأ . فهم يرون – كما يرى الناس جميعا – أن الديموقراطية المعمول بها في العالم العربي والإسلامي، إنما هي شعار جديد وأسلوب أثير، لشرعنة الاستبداد وإغراق البلاد  في الفساد.

فالحقيقة هي أن الإشكالات التي تولِّدها الإساءات التطبيقية التي تخيم على الديموقراطية والفكر الديموقراطي ، هي أكبر بكثير من الاعتراضات والتحفظات النظرية، التي قد تكون ما زالت عند بعض الإسلاميين أو غيرهم ، من قبيل الآتي ذكره. ولذلك وجدنا في المدة الأخيرة معظم الجماعات السلفية بدأت تغير موقفها من الديموقراطية، بل بدأت تنخرط فيها، وذلك بفضل الثورات التي سمحت بممارسة العملية الديموقراطية بحرية ونزاهة.

وبرغم هذا التطور في النظرة إلى الديموقراطية والتعامل معها، فما زال هناك رافضون منتقدون لها، (دعاة وعلماء وجماعات). وفيما يلي مناقشة مختصرة لأهم اعتراضاتهم.

          قضية الشورى والديموقراطية

البعض يرفضون فكرة الديموقراطية لسبب بسيط ، وهو أن المسلمين عندهم ما يغني عنها ، وهو الشورى. وما دامت الشورى من الإسلام ومن شريعة الإسلام ، فهي – بدون شك – أفضل وأكمل. وفي نظرهم، فالذين يتركون نظام الشورى ويأخذون بالنظام الديموقراطي، يصدق فيهم ما جاء في القرآن الكريم {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة/61].

والجواب على هذا ، هو أن الشورى في الإسلام أساس وركن ونهج ، وليست نظاما وطريقة. فهي كما قال القاضي ابن عطية الأندلسي :”والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام”[2]، فهي من القواعد العامة والأحكام الأساسية . ولكن شأن نظامها أو تنظيمها ، متروك للاجتهاد والتجربة والتوافق والتكيف مع الأحوال والتطورات.

ومن تلك التجارب والتطورات ، أننا نجد أمامنا اليوم هذه الثروة من التجارب والنظم الديموقراطية . فلنا أن نأخذ بها ، أو نأخذ منها.

منذ بضع سنوات ، ألقيت محاضرة في هذا الموضوع ، وأوضحت أن المضامين الديموقراطية مقبولة ومعتبرة إسلاميا ولا إشكال فيها … وفي النهاية جاءني أحد الإخوة السلفيين ، وقال لي : لقد اقتنعت الآن وأعجبني ما قلته… ، ولكن بقي في نفسي شيئ واحد ، هو: لماذا تصر على استعمال مصطلح الديموقراطية ؟ أليس اسم الشورى كافيا وأفضل؟ فقلت له : الآن هان الأمر، فالمهم هو أن نعرف المسمى ومضمونه ومقصوده ، ونتفق عليه ، وأما الاسم فمسألة هينة . وقلت له: إن القرآن الكريم عبر عن العدل بكلمة “القسط والقسطاس”، وهي كلمة رومية، كما في صحيح البخاري[3].

الديموقراطية بين الوثنية والعلمانية

يعترض إسلاميون آخرون على الديموقراطية ، بكونها ولدت في أحضان ثقافة وثنية يونانية، ثم ترعرعت وازدهرت في بيئة علمانية أوروبية، فهي قد جمعت بين وثنية الأقدمين وعلمانية المحدثين . ولذلك فالديموقرطية ثقافةٌ وفلسفة حياة ، وليست مجرد نظام سياسي.

والحقيقة أن هذا الاعتراض يحمل جوابه في نفسه. فإذا كانت الديموقراطية وثنية ، فكيف قبلت أن تصبح علمانية ؟ وهي عند البعض مسيحية؟ وإذا كانت بطبيعتها علمانيةً فكيف يصح وصفها بالوثنية؟ وإذا كانت قد قبلت التغير من وثنية قديمة إلى علمانية حديثة، فلمَ لا تكون قابلة للتغير إلى شيئ آخر والتكيف مع ثقافة أخرى ؟

والحقيقة الأخرى، هي أن هذا الإشكال كله ومن أصله ،  هو مجرد فضول وتكلف، وقد نُهِينا عن التكلف؛ لأن الديموقراطية التي نتحدث عنها اليوم ونتعامل معها ، هي شيئ مَعيش ومشاهد ، فهي ليست شيئا في أعماق التاريخ ، أو في بطون كتب الفلسفة . وما هو معيش ومشاهد ، إنما هو نُظم وأنماط وأساليب ديموقراطية ، تـنْـبُتُ وتتلاءم وتتعايش ، في مجتمعات وثقافات وديانات مختلفة متعددة . ولهي لم تفرض على  الناس دينا ، ولا رفضت لهم دينا. فلماذا الرجوع والاحتكام إلى نسبها وأصلها وفصلها؟ أليس هذا مجرد فضول ليس تحته عمل؟

الكلمة العليا للشريعة أم للديموقراطية؟

يقول بعض إخواننا السلفيين: الديموقراطية تعطي السيادة والكلمة العليا للشعب وللناخبين ، فتجعل كلمة البشر فوق كلمة الله. وتجعل تشريعاتهم فوق شريعة الله . فالديموقراطية تـُحل ما حرم الله ، وتحرم ما أحل الله ، وتلغي ما فرض الله . وهذا كله مرفوض ، ويزيد بعضهم : بل هو كفر بواح. فلذلك لا يمكن قبول الديموقراطية بحال.

          وفي مقابل هؤلاء يقول بعض العلمانيين : الإسلاميون يحتكمون إلى الشريعة ، ويعطونها الكلمة العليا. وما حكمت فيه الشريعة ، فلا نقاش فيه ولا ديموقراطية فيه عندهم ، وهذا نقض للديموقراطية ، بل هو كفر بها. ولهذا لا يمكن للإسلاميين أن يكونوا ديموقراطيين حقيقيين ، فلا ينبغي قبولهم في رحاب الديموقراطية بحال، لأنهم خطر على الديموقراطية.

          والذي أراه أن هذه الإشكالية “العويصة” ، ميسور حلها والجواب عليها: إسلاميا وديموقراطيا. 

          – فأما إسلاميا ، فهذا المأزق (أو الكفر أو الردة) لا يتصور إلا في حالة افتراضِ استفتاء شعبي عام في بلد إسلامي، ويتعلق بشيئ صريح في الدين ، ليقبله الناس أو يرفضوه ، فيسفر الاستفتاء عن رفض الحكم الشرعي وتبني ما يخالفه . وهذا ما لن يقع في يوم من الأيام ، لا من حيث إجراء مثل هذا الاستفتاء ، ولا من حيث نتيجته الوهمية المذكورة.

          أما حين يرفض الناس حزبا إسلاميا، أو مرشحين إسلاميين، لسوء أدائهم، أو لضعف أهليتهم، أو حين لا يقبلون اجتهاداتهم الفقهية، أو برامجهم الاجتماعية، أو مواقفهم السياسية، ويقبلون غيرها من الدائرة الإسلامية، أو من غير الإسلاميين، فإن هذا لا يكون – أبدا – رفضا للإسلام أو لشيئ منه. فالإسلام وشريعته شيئ، والجماعات والأحزاب الإسلامية واجتهاداتها وتصرفاتها شيئ آخر. فلذلك نقول عن هذه الفرضية: دعها حتى تقع. وأجزم أنها لن تقع.

          – وأما ديموقراطيا، فإن من بدهيات الديموقراطية القبول بما تختاره الشعوب وتتمسك به وتريده. والديموقراطي الحق – حتى لو فرضناه ليس مسلما – هو من يحترم اختيار شعبه وجمهوره . ولا أحد يجادل في تمسك جميع المسلمين ، وليس أغلبيتهم ، بالأحكام الثابتة الصريحة في دينهم . فهذا خيار ديموقراطي محسوم ومعلوم ولا غبار عليه . فعلى جميع الديموقراطيين احترامه والعمل بمقتضاه في البلدان الإسلامية. فحتى لو قيل: حكم الديموقراطية فوق حكم الدين ، فهذا يمكن أن يُتصور إذا تعلق الأمر بدين تدين به الأقلية، أما ما تؤمن به وتتمسك به الأغلبية الساحقة من الشعب ، أو الشعب كله ، فإن الالتزام به هو عين الديموقراطية.           ولا بد هنا من التنبيه والتذكير بأن ما ألغي وعُطل ومُنع من أحكام الشريعة في العالم الإسلامي، إنما تم- وفي جميع الحالات – بقرارات فردية أو حزبية، استبدادية تسلطية، ولم يتم أبدا بواسطة الديموقراطية. مع العلم أن ما عهدناه في عالمنا العربي من ديموقراطية مزيفة، إنما هو أسلوب من أساليب التسلط والاستبداد الحداثي العصري، وليس من الديموقراطية الحقيقية في شيئ.


[1] – الفروق 4 / 95 ـ 96

[2] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 2 / 35

[3] – في صحيح البخاري: “باب قول الله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن، وقال مجاهد: القسطاس العدل بالرومية”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى