أصحاب و تلامذة الأستاذ الريسوني

علم الأديان وبنية الفكر الإسلامي

علم الأديان وبنية الفكر الإسلامي
قراءة في كتاب مشترك بين (المستشرق (1) هاملتون جيب(2) – الدكتور عادل العوا(3))

الدكتور حمزة النهيري

يُعدُّ كتاب علم الأديان و بنية الفكر الإسلامي الصادر في السبعينات من هذا القرن(4) من الدراسات المتخصصة في علم الأديان التي أثارت الحديث حول أهمية هذا العلم في الفكر الإسلامي و الإشكالات المتعلقة بدراسة هذا العلم في الوطن العربي.

وتعود صلتي بهذا الكتاب و غيره في حقل علم الأديان إلى سنوات الدراسة بالجامعة في تخصص علم الأديان و العقائد، ذلك أن هذا العلم يواجه دارسوه مجموعة من العقبات و الصعوبات المعرفية و المنهجية أهمها قضية الخلط بين علم الأديان(5) و بين تاريخ الأديان و علم مقارنة الأديان(6).
ويعتبر هذا الكتاب -المشترك بين كاتبين مختلفين في المرجعية الثقافية- الذي نحاول أن نقدم قراءة حوله من الكتب المهمة التي ينبغي أن تحظى باهتمام الدارسين في هذا المجال المعرفي المهم، ذلك أن علم الأديان أحد أهم مكونات و عناصر الفكر الإسلامي القديم و المعاصر.

يرى الدكتور عادل العوا في مستهل الكتاب أنه قد تطور اهتمام الناس بالدين و الدراسات الدينية من الإيمان الساذج إلى الإيمان الواعي، ثم أسفر البحث في تطور العلوم الإنسانية و تمايزها حتى ظهر في إطار هذه العلوم علم الأديان أو تاريخ الأديان المقارنة أو تاريخ الأديان(7).

عرف (أ.رويستون بيك) تاريخ الأديان بقوله:”دراسة علمية و موضوعية تتناول ديانات العالم الماضية و الحاضرة، و هذه الدراسة تتوخى دراسة الديانات في ذاتها، و اكتشاف ما يقوم بينها من نقاط تشابه واختلاف، و استخلاص مفهوم لدين بوجه عام، عبر ذلك و إيضاح السمات المميزة للشعور الديني”(8).
وعلى هذا يكون علم الأديان في نظر أ.بيك يقف بين التاريخ و بين علم النفس و علم الاجتماع.

يرى الدكتور العوا أنه يجب التمييز بين ثلاث مراحل كبرى في الدرب الموصل إلى علم الأديان.
مرحلة العصر القديم: وهي مرحلة نجد فيها أن ظهور الفكر الفلسفي يحدد شيئا فشيئا نوعا من الوعي الانتقادي بالمشكلة الدينية، و قد ازداد اهتمام الباحثين بهذه المشكلة في العصر الوسيط بوجه خاص، و ظهرت في إثر ذلك مرحلة المذهب الفعلي الحديث و مانجم عنه من ارتكاسات في موضوع الدين، ثم تلا ذلك مرحلة النظرة الحديثة إلى شؤون الإنسان، وبها شرعت العلوم الإنسانية تشق طريقها في مجال المعرفة بدءا من القرن التاسع عشر و لا تزال.

وقد تميز هذا العصر بوجود باحثين يقفون في منزلة وسط بين الشك و الإيمان بالظاهرة الدينية، و أهم الأعلام الغربية التي تُمَيّزُ هذه الحقبة (هيرودوت) و (بوزانياس) اللذان اهتما بدراسة العقائد الدينية السائدة لدى الشعوب.

واعتبر (افيمر) الذي عاش في صقلية في القرن الرابع قبل الميلاد أن الآلهة و الآلهات اليونانية هم الملوك و الأبطال الذين ألهم أتباعهم المعجبون بهم بعد وفاتهم.

وذهب (كزنوفان) و (هرقليط) إلى أن الأسطورية تعبير رمزي شعبي عن ظواهر الطبيعة و مضى الرواقيون في منحى تأويلات شَكِّية قوية، كما استطاعت الأفلاطونية الحديثة أن تستخلص مذهبا توحيديا من الشرك القديم.

وقد اتسمت هذه المرحلة بوجود أسماء لامعة في هذا الحقل مثل ماكس مولار و دوركايم الذين بحثا في ماهية الدين و أصله من وجهات علم النفس و علم الاجتماع الديني(9) .

المرحلة الحديثة: وهي المرحلة التي اتسمت في رأيه برفض بعض الباحثين إفساح المجال للدين وهي مرحلة اتسمت بوجود خصام بين العلم و الدين، و كان مفكروا النزعة العلمية أهم من يمثل هذه المرحلة.

وقد علق الدكتور العوا على المرحلتين مبينا أنه بوسعنا القول بأن المشكلات الدينية تلقى في العالم الحديث مواقف خصومات نظرية أو اطماع اللامبالاة و أحيانا هجوما عنيفا صريحا.

لكن العاطفة الدينية مابرحت ذات قوة حقيقية يلجأ إليها السياسيون أنفسهم في أحوال الأزمات كالفتن و الحروب لاستعادة ثقة الجماهير.

وهذا الواقع الراهن ييسر نمو علم الأديان بمؤازرة نمو العلوم الإنسانية عامة، أو عبرها، و أن تاريخ الأديان ليمضي شطر علم الأديان بمؤازرة نمو العلوم الإنسانية عامة أو عبرها.

وقد بات من المقرر أن الدين قد لازم نشأة الحضارة و بدا على أنه خصلة من الخصال التي تميز الفكر الإنساني، حتى إن من العسير على مايبدو أن نفترض وجود مجتمع غابر خلو من التدين، إلا إذا اعتبرناه متسما بالبلاهة أو العجز(10).

يرى الدكتور عادل العوا أن دراسة الدين وعلم الأديان تنطلق من وجهتين نظريتين:
-وجهة النظر الاعتقادية
-وجهة النظر العلمية التاريخية.

وقد نقل لنا رأي فان در لوي: “إن ماهو موضوع في نظر الدين يصبح هو المحمول في دراسة علم الأديان، فالله هو الذي يعمل في نظر الدين بالنسبة إلى الإنسان، أما العلم فإنه لا يعرف إلا عمل الإنسان بالنسبة إلى الله، و إن العلم ليعجز عن الكلام على عمل الله”(11).

إن وجهة النظر العلمية والتاريخية العلمية في دراسة التدين تنطلق من تفحص الشعور الديني و ظواهره بغض النظر عن الإيمان بالعقائد الدينية، و البدء بافتراض أن الباحث يقف موقف حياد حيال الديانات عند دراستها دراسة موضوعية، فينظر إليها على أنها أشكال متباينة من عاطفة التدين، و يحاول إيضاح نشأتها التاريخية، و رسم دروب تطورها، و تبيان أثر ذلك في نماء الفكر الإنساني و تطوره، فيلقي نورا ساطعا على حياة قيمه و أهدافه، و يعين على تحديد واقع الوجود الإنساني الحاضر، و يفسح المجال أمام استجلاء إمكانات الغد القريب و البعيد.

يشير العوا إلى ما قرره جان باروزي في أن دراسة تاريخ الأديان دراسة علمية موضوعية تتناول أديان العالم المختلفة، الغابرة و الحاضرة، و يكمن غرضها الأساس في دراسة هذه الأديان أولا و العمل ثانيا على كشف ما بينها من تشابه و تباين، بغية الوصول إلى دراسة الدين بذاته، و ما يتعلق بذلك من مميزات العاطفة الدينية(12).

و قد ألمح الدكتور العوا إلى نشأة هذا العلم الإنساني و لاسيما في أواخر القرن التاسع عشر و قد لقي مقاومة شديدة من ممثلي اللاهوت المسيحي في الغرب الذين كانوا يرفضون أن يتم طرح ما يعتبر حقيقة دينية و ماهو صادر عن ديانة زائفة، حيث الحقيقة المنزلة و الحقيقة اللامنزلة، وهذا النقاش برأي العوا يوجد حيثما توجد كليات للشريعة إلى جانب كليات الآداب و العلوم الإنسانية، و هذه الكليات الأخيرة تقدم اليوم لتاريخ الأديان إطارا سويا و مجال ازدهار و تعمق(13).

غير أن الماركسية في نظرعادل العوا و هي تنفي وجود أغراض لتاريخ الأديان لا تنكر هذا التاريخ، بل تلجأ إلى دراسة الأديان دراسة علمية مقارنة لتبرهن على بطلان ما تدرسه و لتؤكد ما مقولتها المشهورة الدين أفيون الشعوب، و الماركسية ترفض أن تكون للتدين صفة نوعية مميزة مادام الحادث الديني ذاته بنية فوقية يفسر في نظرها بالعامل الاقتصادي أولا و بالعامل السياسي و الاجتماعي ثانيا.

ويؤكد العوا أن مارسيل سيمون قرر في دراساته أن هذين الموقفين المتبايننين في الغرب، موقف اللاهوتيين المسيحيين و موقف الماركسيين لم يمنعا نمو علم تاريخ الأديان.

قام الدكتور العوا بتحليل المقاربات الدينية في الغرب و خلص إلى أن علم الأديان يقع في ملتقى بحوث عديدة:
(التاريخ- الفنومولوجيا(14) – علم النفس- علم الاجتماع) و أنه يفيد من طرائق هذه البحوث و مما وصلت إليه من معرفة، مع احتفاظه حيالها بأصالة مستقلة. فهذا العلم و إن لم يكن من غرضه الحكم على ضروب الفكر البشري في ميادين الحقيقة الميتافيزيائية أو اللاهوتية فإنه يرمي برغم ذلك إلى تجاوز المعطى الاختباري للحوادث الدينية حتى يبلغ فهم المقدس المعاش فهما داخليا.

ولابد لعلم الأديان أن يمضي من دراسة مختلف المذاهب الدينية المعروفة إلى دراسة بنياتها الأساسية (الشعائر و الأساطير و الرموز و العقائد) من أجل أن يتمكن في نهاية الأمر من تحليل مضامينها التي يحياها الإنسان الديني حياة ذاتية.

ومن الواضح أن مشروع علم الأديان مشروع واسع لأن سعة موضوعه تتجلى في سعة عالم المقدس و الكون الديني للإنسان و هو يتعدد بتعدد آفاق الثقافات الإنسانية.
لقد حاول الكثيرون في نظر الدكتور العوا سَلْخَ القداسة عن الوجود الإنساني خصوصا الثلاثي المتنافر، (ماركس) و (نيتشه) و (فرويد) و ذلك بإظهار رأيهم في نشأة الظاهرة الدينية و غماطة اللثام عن مسيرتها و تطورها و وظيفتها.

فقد رأى ماركس أن الدين بنية فوقية دونها العامل الاقتصادي الفعال في تاريخ البشرية بحسب قوانين المادية الجدلية و أن الدين هو أفيون الشعوب، و هو يُخْفي وراءه قِشْرَةَ أيديلوجية الاستغلال الطبقي لصالح الفئة الحاكمة.

ويرى نيتشه أن المسيحية في عصورها الأخيرة التي اتسمت بالتحريف هي ديانة العبيد و أنها قد ماتت بموت الإله.

وذهب فرويد إلى أن الدين عُصَاب وسواسي يصيب البشرية كافة و كأنهم وَهْمٌ مشؤوم يترتب على البشرية التخلص منه عندما تبلغ سن الرشد.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن كتابات المسلمين العرب و بدأ حديثه عن الكتاب المرجعي المشهور في مصنفات علم الأديان وتاريخه الذي صنفه العلامة الدكتور عبد الله دراز (الدين) بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان الذي نشره سنة 1952م حيث بين فيه الأصول الكلية التي يحتاجها الطالب الجامعي في هذا الحقل المعرفي المعروف ب علم الأديان أو تاريخ الأديان.

وقد قدم الشيخ عبد الله دراز في كتابه دراسة موجزة عن الحوادث الدينية التاريخية و انبرى لتحديد معنى الدين لغويا و عرفيا و حلل الفكرة الدينية في نظر المتدين ثم بحث في علاقة الدين بالأخلاق و بالفلسفة و بسائر العلوم و شرح وظيفة الأديان في المجتمع، ثم استعرض تاريخ العقيدة الإلهية و ألمع إلى المذاهب المختلفة التي تفسرها، و ختم كتابه بنظرة جامعة تضم أطراف البحث تحاول التوفيق بين مختلف مذاهب الناس في مفهوم الدين و تاريخ نشأته.

وقد انتهى عبد الله دراز إلى القول بأن آيات الألوهية مبثوثة في كل شيء و أن كل فئة من الناس لها طريق مسلوك في الاسترشاد ببعض تلك الآيات قبل بعض و هذه الحقيقة المزدوجة هي التي يقررها القرءان الكريم بأوضح بيان(15).

إن معرفة الدين و دراسته تتيحان للإنسان أن يفهم العالم و الكون، أما دراسة الأديان و تاريخها فتتيحان للفكر البشري أن يفهم حقيقة تطور الإنسان الديني، و قد أوضح الأستاذ مالك بن نبي في كتابه الفذ الظاهرة القرءانية إلى أن الدين في ضوء القرءان الكريم يبدو ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان و حضارته كما تحكم الجاذبية المادة و تتحكم في تطورها(16) ، و لذا فإن الدين يبدو و كأنه مطبوع في النظام الكوني قانونا خاصا بالفكر الذي يطوف في مدارات مختلفة من الإسلام الموحد إلى أحط الوثنيات البدائية، حول مركز واحد يخطف سناه الأبصار و هو حافل بالأسرار إلى الأبد.

أما منهج الدراسة التي قام عليها كتاب مالك بن نبي فهي أن تُرْبَطَ ظاهرة الإسلام في خصوصها بالظاهرة الدينية في عمومها، و على أن نعتبر النبي محمد صلى الله عليه و سلم حلقة خاتمة في سلسلة الحركة النبوية و على أن يكون التشريع القرءاني مَصَبَّ تيار الفكر التوحيدي.

و قد قام مالك بن نبي في نظر العوا على دراسة مذهبين فلسفيين:
-المذهب الذي يعتبر الضمير الديني للإنسان ظاهرة أصلية في طبيعته، ظاهرة معترفا بها عاملا أساسيا في كل حضارة.
– المذهب الذي يعتبر الدين مجرد عارض تاريخي للثقافة الإنسانية.

وقد خلص مالك بن نبي إلى أن الظاهرة النبوية و الظاهرة القرءانية تضعان الدين في سجل الأحداث الكونية بجانب القوانين الطبيعية.

وكلما أوغل الباحث في الماضي التاريخي للإنسان، خصوصا في الأحقاب الزاهرة لحضارته أو في المراحل البدائية لتطوره الاجتماعي، فإنه سيجد سطورا من الفكرة الدينية، و أن قوانين الأمم الحديثة لاهوتية في أساسها، أما ما يطلقون عليه قانونهم المدني فإنه ديني في جوهره، و لاسيما في فرنسا حيث قد اشتق من الشريعة الإسلامية(17).

يشير الدكتورعادل العوا بعد الحديث عن كتابي مالك بن نبي و عبد الله دراز إلى كتاب العميد الركن طه الهاشمي الصادر بعنوان تاريخ الأديان و فلسفتها الذي نشر سنة 1963م، و هو كتاب يتسم بطابع منهجي لم يقف فيه مؤلفه موقف التوفيق الذي قرره الدكتور عبد الله دراز، يقول طه الهاشمي متحدثا عنه: “إن طريقتي في إخراج لكتاب تتلخص بجمع المعلومات من مظانها كما هي، أكثر منها محاولة للتوفيق بينها كما هو المتعارف”(18).

أي أنه كتاب يتسم بمنهج الاعتماد على المنهج الوصفي للأديان مع السرد التاريخي لوجودها في التاريخ الإنساني.

وقد أشار طه الهاشمي في كتابه هذا إلى أنه على الرغم من صدور كتب عديدة في السنوات الأخيرة عن الأديان في العالم العربي فإن الموضوع مازال يفتقر إلى كتاب جامع يبحث في تاريخ الأديان القديمة و الحديثة و البدائية و المتكاملة(19).

يتحدث الدكتور العوا في دراسته لكتاب الدكتور أحمد شلبي عن ابتهاج مؤلفه بإخراج سلسلة تُعنى بدراسة الأديان دراسة مقارنة حملت عنوان “مقارنة الأديان” على نحو ما أراد و أحسن مما أراد المؤلف، فقد نشر بين سنتي 1960م/1966 كتابه مقارنة الأديان و بحث في الجزء الأول اليهودية و في الثاني المسيحية وفي الثالث الإسلام و في الرابع أديان الهند الكبرى الهندوسية و الجينية و البوذية و بدأ بنشر الأجزاء الثاني و الثالث و الرابع قبل الجزء الأول، و هو في كتابه هذا يندد بطريقة المقارنة بين الأديان إلا إذا سبق ذلك دراسة الأديان نفسها.

و كأن الدراسة في علم الأديان ينبغي أن تتخذ ثلاث مراحل من الدراسات المنهجية:
1-تاريخ الأديان.
2-ماهية الأديان.
3- مقارنة الأديان.

يقول الدكتور العوا منتقدا طريقة المقارنة في تاريخ الأديان: “و الحق أن طريقة المقارنة في تاريخ الأديان، هي وحدها تشتمل على أحدث ما نشره الباحثون في البلاد العربية، وأكثر اتساما بالسمة العلمية التاريخية، هذه الطريقة قد منيت ببعض التخلف بالنسبة لتقدم الطريقة الفنومنولوجية التي ألمعنا إليها”(20) .

ورغم أهمية الإشكالات المعرفية التي طرحها الدكتور العوا حول موضوع علم الأديان، إلا أن بحثه يتسم ببعض القصور المنهجي التفصيلي، ذلك أنه لم يشر إلى حركة التأليف في هذا الحقل المعرفي في تراث المسلمين و أهميته في الفكر الإسلامي القديم و المعاصر رغم حديثه عن الغزالي و ابن تيمية، فقد كان حديثه عنهما من نزعة اعتقادية من جهة الحديث عن مفهوم الدين في تصورهما مع إغفال الحديث عن كتاب الغزالي الرد الجميل على ألوهية عيسى المسيح(21) ، و كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية(22)، أما مقاربته لمفهوم الدين عند محمد عبده و أبي الأعلى المودودي فاتخذت نفس النزعة الاعتقادية لمفهوم الدين، وهو أمر مباين لما هو عليه الدراسات في حقل علم الأديان المعاصر. كما أغفل الحديث عن دراسات مهمة كانت إلى جانب الدراسات التي أشار إليها و أعني بالخصوص دراسة الدكتور سامي النشار التي أصدرها بعنوان مفهوم الدين(23) ، كما تحدث في مبحث موالي عن النزعة التاريخية لدراسة علم الأديان أشار فيه إلى تنوع المجالات المعرفية لدراسة علم الأديان وذلك من وجهات علم النفس و علم الاجتماع الديني و غير ذلك.

هذا وتبقى المقاربة التي قدمها الدكتور عادل العوا عن علم الأديان في الدراسات الغربية ذات أهمية كبرى لا ينبغي تجاوزها و ماكتبه في هذا الكتاب عن الدراسات الغربية يعد غزيرا في مقابل ما سطره عن الدراسات العربية في موضوع علم الأديان وعلاقته بالفكر الاسلامي.

وقد قدم الدكتور عادل العوا كتاب المستشرق جيب بنية الفكر الديني في الإسلام بمقاربة حول علم الأديان وهي التي قمنا بتقديم قراءة موجزة حولها، كما قام الدكتور العوا بتعريب كتاب بنية الفكر الديني في الإسلام وكانت مقاربته تتجه نحو بنية الفكر الإسلامي و علاقة الغرب بالإسلام وما يمتاز به المسلمون عن المسيحيين و قدم أيضا مقاربة عن علاقة اللاهوت السني بالتصوف.

و قد خصص مبحثا للحديث عن مفهوم الشريعة و علاقته باللاهوت –علم الكلام- كما قدم مقاربة عن علاقة النبي محمد صلى الله عليه و سلم بالقرءان و ختم كتابه بنتيجة مفادها أن الفكر الإسلامي يعود بقوة إلى الوجود في عصرنا الحاضر الموصوف بعصر الثورة التقنية فيفرض قيمه الخاصة على الأوضاع الجديدة للحياة الاجتماعية.

و هذه المقاربة التي قدمها و البحوث التي حررها في كتابه، تحلل المواقف الدينية الإسلامية و المنابع التي منها تستمد و المفاهيم التي تحدد في نظره تفكير المسلمين بوجه عام في موضوع الاله و الفكرة الدينية على وجه الخصوص.

فهذا الكتاب الذي قدمنا قراءة مختصرة حوله جدير بالمدارسة و إعادة الاعتناء به.
ــــــــــ
(1) ـ وصفه الدكتور العوا بإمام المستشرقين الانجليز المعاصرين و الأستاذ بجامعة أكسفورد وعضو المجمع اللغوي بالقاهرة وأحد محرري الموسوعة الإسلامية في طبعتها الأولى ولد في القاهرة وكان من الدعاة إلى الوحدة العربية سنة 1942م. و كتاب مشهور بعنوان الاتجاهات الحديثة في الإسلام و كتاب بنية الفكر الديني الذي نقوم بقراءة لكتابه. وقد نشر نصه الفرنسي معهد الدراسات المغربية العليا بقلم جان و فيليكس آران.
(2) ـ كتاب بنية الفكر الديني في الإسلام ص82.
(3) ـ وُلِدَ بدمشق عامَ 1921م، وَدَرَسَ في الْمَدَارِسِ الحكومِيَّةِ وحَصَلَ على شهادة البكالورية السُّوريَّة (فلسفة) عام 1938م. سافر في خريف 1938م إلى فرنسا، ودرس في كلِّيَّةِ الآدابِ بجامعة باريس (السوربون) وحَصَلَ على الإجازةِ، ثُمَّ الدُّكتوراه من جامعة باريس (آداب / فلسفة) حزيران 1945م. عاد إلى سوريا في شهر آب 1945م، وبدأ حياته العمليَّة بالتَّدريسِ في المدارسِ الثَّانويَّةِ وفي دار المعلمين بدمشق حَتَّى افتتحت كُلِّيَّةُ الآداب والمعهد العالي للمعلمين في جامعة دمشق سنة 1946م فَسُمِّيَ فيها أستاذاً، وكلف بإدارة المعهدِ العالي للمعلمين حَتَّى عام 1949م إذ سُمِّيَ أستاذاً في كُلِّيَّة الآداب، وتَرَأسَ قِسْمَ الدِّراسات الفلسفيَّةِ والاجتماعيَّةِ منذ ذلك الحين وحَتَّى إحالته إلى التَّقاعد بعد التَّمديد عام 1990م.
رأس إلى جانب عمله الجامعي لجنة التَّربية والتَّعليم في وزارة التَّربية بدمشق حتى 26/ 12 / 1955م. أصبح وكيلاً لكُلِّيَّةِ الآدابِ خلالَ سنتين ثُمَّ عميداً لهذه الكُلِّيَّةِ منذ عام 1965م حَتَّى عام 1973م. شارك في مؤتمرات ودورات علميَّة عديدة منها: اليونسكو (بيروت ـ1949م) وباريس (1951م) ولدراسةِ فلسفةٍ تربويَّةٍ متجدِّدَةٍ لعالـمٍ عربيٍّ متجدِّدٍ (الجامعة الأمريكيَّة / بيروت ـ 1956م) وللمستشرقين (ميونخ ـ 1957م) وللفلسفة (كراتشي ـ1961م) ولتطوير التَّعليم العالي والجامعي (دمشق ـ 1971م) وللعلوم الاجتماعيَّة (الجزائر ـ 1971م وغيرها من الحلقات الدراسيَّة الفلسفيَّة والاجتماعيَّة. أسهم في أعمال اللجنة الثَّقافيَّة لجامعةِ الدُّول العربيَّة وهو عضو في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعيَّة، ومقرِّرُ لجنة التَّرجمة والتَّبادلِ الثَّقافيِّ عن القطرِ العربيِّ السُّوريِّ.
عضو مجمع اللغة العربيَّة بدمشق. حاضرَ ودَرَّسَ في الجامعاتِ الأردنيَّةِ واللبنانيَّةِ والجزائريَّة وفي جامعة هلسنكي بوصفه أستاذاً زائراً، كما حاضر في جامعتي الكويت واليرموك.
نقلا عن بحث للدكتور عزت السيد أحمد بعنوان عادل العوزا فيلسوف أخلاقي ـ نشر في مجلة الثقافة عام 1992م.
توفي بدمشق يوم السبت 28 كانون الأول 2002م
(4) ـ صدر الكتاب المشترك بين الفيلسوف الأخلاقي الدكتور عادل العوا و المستشرق جيب سنة 1989م في طبعته الثانية-منشورات عويدات باريس.
(5) ـ من الكتب المعاصرة المهمة التي صدرت في هذا الشن كتال الدكتور خزعل الماجدي علم الأديان تاريخه، مكوناته مناهجه أعلامه حاضره و مستقبله و هي دراسة مهمة عليها مجموعة من الملاحظات يسر الله إيداعها في كتاب المدخل إلى علم الأديان.
(6) ـ و قد شرعت منذ سنتين بكتابة كتاب بعنوان المدخل إلى علم الأديان، يسر الله إتمامه على الوجه الذي يخدم هذا العلم في الدراسات الإسلامية.
(7) ـ علم الأديان و بنية الفكر الإسلامي ص5.
(8) ـ معجم الأديان أ .رويستون بيك.باريز 1945م مادة تاريخ الأديان /علم الأديان و بنية الفكر الإسلامي ص6.
(9) ـ علم الأديان و بنية الفكر الإسلامي ص8.
(10) ـ علم الأديان و بنية الفكر الإسلامي ص11.
(11) ـ ج. فان در لو الدين في ذاته و ظواهره الترجمة الفرنسية بقلم جاك مارتي باريز 1948م ص9.
(12) ـ جان باروزي مسائل تاريخ الأديان-1935م.
(13) ـ أسس ألبرت ريفي كرسي تاريخ الأديان في معهد فرنسه و تعاقب عليه علماء أجلاء منهم ألفرد لوزاي و جان باروزي.
(14) ـ و هو منهج يعتمد على دراسة الظواهر الدينية. أنظر مقال حسن حنفي فينومونولوجيا الدين عند هوسرل مجلة الفكر المعاصر العدد 65 تموز ص 12/ م.1970
(15) ـ و كتاب الدكتور عبد الله دراز معتمد عندنا في دراسة علم الأديان.
(16) ـ الظاهرة القرءانية ترجمة عبد الصبور شاهين.
(17) ـ الظاهرة الدينية ص 38-31.
(18) ـ طه الهاشمي تاريخ الأديان و فلسفتها ص7 بيروت 1963م.
(19) ـ المرجع السابق. و في عصرنا يمكن القول بأن كتاب الدكتور خزعل الماجدي قد وفى بدراسة منهجية لعلم الأديان أما موسوعة فراس السواح و موسوعة أحمد شلبي فهما من الأهمية بماكان و توجد موسوعات و دراسات أخرى مهمة لا يف المقام بذكرها.
(20) ـ علم الأديان ص 36.
(21) ـ يرجع الفضل في اكتشاف هذا الكتاب للمستشرق ماسينيةن المختص في تراث الحلاج.
(22) ـ طبع طبعات عديدة أهما طبعة دار العاصمة و طبعة إصدارات مجلة البيان.
(23) ـ صدر عن دار السلام للدراسات و النشر.

المصدر: دين بريس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى