أصحاب و تلامذة الأستاذ الريسوني

الإسلاميون وسياسات الكراهية والتغيير السياسي

الإسلاميون وسياسات الكراهية والتغيير السياسي

د.معتز الخطيب

30/9/2021

ثمة سمة مشتركة وسمت الصراع السياسي في مصر وتونس بعد الثورات العربية، وهي الكراهية بوصفها وسيلة لإحداث التغيير السياسي بوسائل غير ديمقراطية، وخاصة في مرحلة انتقالية كان يُتأمل منها أن تقود إلى تحول ديمقراطيّ. وقد شكلت كراهية الإسلاميين في الحالتين -المصرية والتونسية- العنصر الأهم في عملية التغيير السياسي لإقصائهم من مشهد ما بعد الثورات.

ففي الحالة المصرية استثمرت قوى الثورة المضادة في كراهية الإخوان المسلمين إلى أن أدت إلى إزاحتهم بانقلاب عسكري، وتحولت -فيما بعد- شيطنة الإخوان المسلمين والتبرؤ منهم إلى ثابت من ثوابت الانقلاب ومن جرى في فلكه. ومثل ذلك جرى في الحالة التونسية، حيث استثمر خصوم حزب النهضة في كراهيتها إلى أن وقع ما سمي “الانقلاب الدستوري” الذي استأثر فيه الرئيس بكل السلطات وأقصى الجميع من المشهد السياسي.

الكراهية هنا هي العنصر الحاسم في التغيير وإضفاء المشروعية، بناء على معرفة واضحة بما لا يريده الجمهور، ولكن من دون معرفة مماثلة بما يريده وطرح البدائل السياسية والتفكير بمآلات شرعنة أي وسيلة من أجل التخلص ممن لا نريد.

ولست أغفل هنا دور “الأداء” السياسي للإسلاميين أنفسهم في ما جرى، حتى لا نقع في النزعة التبريرية التي يميل إليها كثير من الإسلاميين لعدم تحمل عواقب ما حدث، أو على الأقل الإقرار -وفق قدر ما من المسؤولية- بما جرى، فالأداء السياسي كان أحد العوامل التي ساهمت في تنامي كراهيتهم؛ رغم اختلاف أدائهم بين الحالتين المصرية والتونسية، ولكن ثمة عوامل أخرى لعبت دورا في الكراهية، سواء داخليا أو خارجيا. وعلى كل حال، فإن موضوع المقال ليس مناقشة أداء الإسلاميين ولا تمحيص كونهم ضحية أو مذنبين، بل إن الهدف هو تأمّل دور الكراهية في السياسة وكيف شكلت تقنية مناهضة للتحول الديمقراطي لنفي السياسة من المجال العام، وهي أداة مركزية لدى الأنظمة الاستبدادية السابقة؛ لأن عماد أي تحول ديمقراطي هو تنمية الفعل السياسي بحيث تشكل السياسة وسيلة لحل الخلافات وإدارة الصراعات والتعبير عن الإرادة الشعبية فضلا عن الأدوات والوسائل الديمقراطية للتغيير وإدارته. والكراهية بهذا المعنى ظاهرة لافتة بعد الثورات، وقد برزت بقوة منذ 2012 في مصر وتونس وحتى الآن.

ويمكن رصد مظهرين لهذه الكراهية:

المظهر الأول، هو أن الحسن والسوء في تقويم الحالة السياسية ببلد ما، إنما يتم تعريفهما بوجود أو غياب تيار بعينه من المشهد (الإخوان والنهضة في الحالتين محل التحليل)، أي أن التغيير السياسي إنما يُطلب لإزاحة حزب معين من السلطة وتحميله وحده مسؤولية الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية والتخلص من إرث عقود من حكم النظام السابق، وبذريعة هذا الفشل الذريع أو بسبب تأزم الوضع، يتم القبول بأي وسيلة تُحدث التغيير وتبريرها حتى لو كانت غير ديمقراطية -كما في مصر- أو غير دستورية كما في تونس.

فالكراهية هنا هي العنصر الحاسم في التغيير وإضفاء المشروعية، بناء على معرفة واضحة بما لا يريده الجمهور، ولكن من دون معرفة مماثلة بما يريده وطرح البدائل السياسية والتفكير بمآلات شرعنة أي وسيلة من أجل التخلص ممن لا نريد. ومن اللافت في الحالتين أن من أصبح رئيسا لمصر فيما بعد لم يكن لديه برنامج سياسي، بل كان يرفض فكرة طرح برنامج أصلا، وأن الرئيس التونسي الحالي قيس سعيّد سخر من فكرة خارطة الطريق حين طولب بها، ولم يكن لديه أي خطة لقيادة مرحلة ما بعد تعطيل الدستور.

المظهر الثاني، تمثل في تحويل الكراهية والنكاية الأيديولوجية إلى نموذج تفسيري ومحرّك للعمل السياسي وبناء التحالفات وتشكيل الخطاب، بل وصانع للسياسة التحريرية للإعلام والصحف المحلية؛ من أجل تغيير أفكار الجمهور ومراكمة الغضب الضروري لإفشال الخصم وإزاحته من المشهد وإحداث التغيير المطلوب باسم الإرادة الشعبية وتأسيسا على شرعيتها، وهي اللعبة التي أفرزتها الثورات العربية، من دون التمييز بين مرحلتين؛ مرحلة الثورات التي شكلت استعادة للفعل السياسي والإرادة الشعبية في ظل حالات طوارئ وغياب للدستور والأحزاب والحياة السياسية عامة، وبين مرحلة ما بعد الثورات التي شكلت بداية التحول الديمقراطي وبناء نظام سياسي وتدشين الفعل السياسي والحياة السياسية، ما يعني أن وسيلة التغيير في المرحلة الثانية تختلف عن وسيلة التغيير في المرحلة الأولى أو هكذا يُفترض.

فالكراهية تختلف عن فكرتي النقد والمعارضة السياسية، من جهتين:

الأولى، أن الكراهية انفعال يقوم على الشيطنة والإقصاء، ومن ثم فهي عمل عدوانيّ يخوض معارك صفرية من شأنها تلغيم الحياة السياسية نفسها وتعطيل مسار العمل السياسي وتحقيق إنجازات للصالح العام، ومن ثم فهي تبرر أي وسيلة تحقق المراد وهو إقصاء الخصم والانقلاب عليه، وقديما قيل “كرهُك الشيء يُعمي ويُصمّ”.

الثانية، أن الكراهية تتعارض مع الفعل السياسي بل وتنفيه، وهو ما يجعلها مَركبا للنوازع الاستبدادية التي تسعى إلى النكوص إلى الحالة السابقة على الثورات. فمفهوم السياسة نفسه هو على النقيض من الكراهية؛ لأن السياسة -في أصلها- تحيل إلى معنى التدبير، ولهذا صنفها فلاسفة اليونان ضمن فروع “الحكمة العملية” الثلاثة وهي؛ الأخلاق (تدبير النفس) والسياسة (تدبير العامة) والاقتصاد (تدبير المنزل)، بمعنى أن السياسة تقوم على العقلنة أساسا؛ لأن الحكمة العملية أخت الحكمة النظرية (وهي الفلسفة)، ولكنها تختلف عنها في أنها عملية تتصل بتدبير المجتمع وقيادته نحو الفضيلة أو الأصلح.

تحيلنا هاتان الجهتان إلى أن الكراهية تختلف عن فعلي النقد والمعارضة اللذين هما فعلان عقليان وسياسيان يتأسسان على حجج فكرية واختلاف في الرؤية وطرح البدائل لحل الأزمات، وهما أفعال تنافسيّة لا عدوانية، وفرق بين التنافس والصراع.

وهذا التحديد المفهومي للسياسة يفسر 3 أمور:

الأمر الأول، التغيرات التي تطرأ على الفعل السياسي وحساباته، فالسياسة -وإن انطوت على صداقات وتحالفات وخصومات- علاقات لا تتسم بالديمومة والاستمرارية؛ لأنها ليست مرادة لذاتها، بل تابعة لحسابات المصالح والمخاطر، أي إلى حسابات عقلانية لا عواطف وانفعالات. فما يميز نمط العلاقات التي تسم الأنظمة الديمقراطية عن نمط العلاقات التي تسم الأنظمة غير الديمقراطية هو الفعل السياسي، فالأنظمة التي يحكمها أفراد لا مؤسسات تصبغ علاقاتها وتحالفاتها بسمات شخصية أكثر منها مصلحية، وفي هذا الإطار يمكن تفسير كثير من التوترات التي حكمت نظامي البعث في سوريا والعراق زمن حافظ الأسد وصدام حسين، والصراع الذي قاد حصار قطر مثلا، وغير ذلك.

فالحكمة والحنكة والتدبير مفردات تُحيل إلى منظور مصلحي يسعى إلى المنافع والأصلح أو تقليل المضار، بغض النظر عن تحديد مفهوم الأصلح لمن وكيف، ولهذا تتوسل الدول بالعمل الدبلوماسي في إدارة علاقاتها المختلفة وحل أزماتها، وهو ما يميز العلاقات الشخصية عن العلاقات بين الدول. أي أن الفعل السياسي فعل غائي مرتبط بالأهداف التي يسعى لتحقيقها، وهي في الغالب مصالح تضيق أو تتسع بحسب منظور الفاعلين السياسيين (ضيقا وسعة، صلاحا وفسادا) وبحسب النظام السياسي الحاكم (ديمقراطية واستبدادا).

تنبه خصوم الثورات والتحول الديمقراطي إلى أهمية استخدام الوسائل الثورية نفسها لتعطيل هذا التحول، وهنا مثلت الكراهية وسياسات التكريه أحد أهم الوسائل لصناعة الغضب الذي يقود إلى الاحتجاج الذي يصنع ما يشبه “الإرادة الشعبية” في الشارع وليس بأدوات ووسائل دستورية

الأمر الثاني، الغضب والاحتجاج اللذان هما شرط أساسي للثورة، ولكنهما ليسا فعلين سياسيين بالمعنى السابق؛ بل مجرد وسائل للتعبير عن مطلب التغيير أو الحاجة إليه، ولهذا جمعت ميادين الثورات بين مختلف أطياف الثائرين حين جمعهم الانفعال والدوافع المشتركة والشعور العام بالحاجة إلى التغيير كمطلب كلي لا يحدد شكله وتفاصيله ومساراته، ولكنهم حين جاؤوا فيما بعد إلى ميدان الفعل السياسي الذي يبحث البدائل وتقاسم السلطة، اختلفوا وتصارعوا وتنابذوا.

الأمر الثالث، انعدام أي موازين لسياسات الكراهية؛ لأنها لا تحتكم إلى موازين عقلية أو مصلحية، وإنما إلى تحيزات أيديولوجية، ولذلك لا يمكن -على سبيل المثال- مقارنة حجم كراهية نظام أردوغان في أوروبا وإعلامها بحجم كراهية نظام الأسد؛ ما يعني أن ما يحكم الكراهية دوافع مختلفة لا صلة لها بأفعال المكروه وحجم خطاياه بل بتحيزات خاصة، ومن ثم فهي لا تقوم على معايير أصلا فضلا عن أن تكون عادلة أو غير عادلة. فالهجوم على تنظيمات كردية مثلا قد يُعتبر جريمة إبادة من منظور سياسات الكراهية لنظام أردوغان، ولكن تهجير ملايين السوريين، وقتل أكثر من مليون هو خلاف سياسي أو حرب أهلية.

وقد تنبه خصوم الثورات والتحول الديمقراطي إلى أهمية استخدام الوسائل الثورية نفسها لتعطيل هذا التحول، وهنا مثلت الكراهية وسياسات التكريه أحد أهم الوسائل لصناعة الغضب الذي يقود إلى الاحتجاج الذي يصنع ما يشبه “الإرادة الشعبية” في الشارع وليس بأدوات ووسائل دستورية؛ أي إلغاء التمايز بين المرحلتين اللتين أشرت إليهما، وهما مرحلة الثورة السابقة على وجود عملية سياسية، ومرحلة التحول الديمقراطي المحكوم بعملية ديمقراطية بدأت وشكلت لنفسها دستورا وانتخابات ومؤسسات وغير ذلك. وفرق كبير بين عمل ثوري أراد استعادة الفعل السياسي وبناء نظام سياسي ديمقراطي، وبين سياسات الكراهية التي تهدف إلى تغييب الفعل السياسي، ومن ثم فإن تغييب السياسة يصلح أن يكون مفهوما تفسيريا لكثير مما يحدث في المنطقة العربية من عنف وكراهية، وانقسامات داخلية وعداوات، واستغلال للدين لدعم أجندات سياسية خاصة، واستبداد.

وإذا تأملنا ما جرى في مصر، وجدنا أن شرعية نظام السيسي إنما تأسست بداية على كراهية الإخوان المسلمين، وتعميق الانقسام بين مجتمعين؛ مجتمع ما يسمى “الشرعية الثورية” ومجتمع “الانقلاب”، كما أن شرعية الانقلاب الدستوري في تونس إنما تأسست على أن كثيرا من التونسيين رحبوا بأي تغيير يزيح من لا يريدونهم دون وجود خطة واضحة لما يريدونه، وكيف ستقود هذه الإجراءات الاستثنائية إلى تحقيق البديل المنشود، أي أن التغيير في ذاته يتحول إلى قيمة حتى لو جاء بالشيطان، وهذا فعل لا ينتمي إلى الفعل السياسي أبدا.

يمكن القول إن عوامل عدة ساهمت في فعالية الكراهية بوصفها تقنية سياسية مضادة للتحول الديمقراطي، أذكر منها:

1. لعبة الحراك الشعبي

فأدوات التواصل والإعلام ساهمت في بلورة ديناميات للاحتجاج الشعبي، ومكنت الحراك الشعبي من فرض تغيير سياسي بوسائل ديمقراطية من خلال التأثير في أفكار الناس، وهذه الوسائل الديمقراطية هي التي جاءت بالإسلاميين إلى السلطة في مصر وتونس، ولكن سياسات الكراهية استخدمت الأدوات نفسها لإزاحتهم بوسائل غير ديمقراطية (انقلاب عسكري أو إجراءات استثنائية غير دستورية).

2. الأداء السياسي الضعيف للإسلاميين في السلطة

وهم الذين تعودوا على كونهم حركة احتجاجية سمتها العامة الرفض، والكراهية المتبادلة على أسس أيديولوجية (العلمنة والتغريب) نتيجة الصراعات الأيديولوجية التي سادت أجواء السبعينيات وما بعدها، والمحن التي عاشوها في ظل الأنظمة الدكتاتورية السابقة وفي سجونها أو في المنفى، وهي حالة غذت حالة الغضب والاحتجاج أكثر من حالة الفعل السياسي الحقيقي، فإذا ما جاؤوا إلى الفعل السياسي ظهرت عقبات وسَوءات وتحديات عديدة، وظهر الاختبار الحقيقي لمقولات الهوية والأيديولوجيا والسؤال عن الفارق بين من حكم باسم العلمانية ومن حكم باسم الشريعة أو الإسلام السياسي، كما ظهر القصور بين الواقع والمأمول من التغيير الثوري.

والجمهور دوما مولع بالقياس على ما سبق، والنفور من جميع أشكال المشابهة بين النظام السابق والنظام الحالي، ومن ثم قد يبدو مولعا بتكرار التجربة الثورية السابقة دون تأمل كاف في شرعية “وسائل التغيير” وقواه الجديدة المحكومة بعداء للتغيير الديمقراطي نفسه، ودون إدراك لقيمة “الصبر السياسي”؛ إذ إنه لا يميز بين نوعين من الصبر هنا:

الأول، “الصبر الاستبدادي” الذي هو ذريعة استثمرتها الأنظمة الدكتاتورية، واستثمرها نظام الانقلاب العسكري الذي ما فتئ يطلب المهلة تلو المهلة حتى استقام له استبداده واغتياله للحياة السياسية برمتها، وهي الذريعة نفسها التي وسمت الغموض الشديد الذي وسم مرحلة الإجراءات الاستثنائية في تونس.

الثاني، “الصبر الدستوري” المحكوم بأمرين، الأول أنه منضبط بالمدة التي يحددها النظام السياسي ومؤسساته لأي فريق حكومي أو عمل سياسي، والثاني أنه متقيد بالوسائل الديمقراطية للتغيير من داخل جهاز الدولة، وليس في الشارع، وذلك لأن قطار التحول الديمقراطي قد انطلق بالفعل وتحققت إنجازات مهمة في سبيل ذلك، وتدعيم قيمة الوسائل والإجراءات واحترامها في ذاتها، قيمة ديمقراطية ضرورية لترسيخ التحول الديمقراطي الناشئ.

3. خيبة الأمل وغياب الإنجاز

فالغضب والكراهية وسيلتان من وسائل الاحتجاج التي تقوم على التعبئة والتجييش وتكوين الحشود، وهي لعبة أتقنها الإسلاميون بوصفهم حركة احتجاج أو معارضة، وهو ما تنبه له خصومهم فسلكوا المسلك نفسه كما سبق، ولكن بما أن الثورة مفتاح للتغيير، فإن المرحلة اللاحقة لها يجب أن تتأسس على الإنجاز، وهو ما أدى إلى خيبة الأمل، والغضب والأمل أمران وسما المسار الثوري العربي كله، ومن ثم أدت هذه الخيبة إلى تراجع جاذبية الإسلام السياسي وانحساره سياسيّا كما نرى.

4. الانهماك في الصراع لا مجرد التنافس الأيديولوجي والسياسي

وهو الأمر الذي ركب عليه الانقلابان العسكري والدستوري؛ بحجة تأزم الوضع وتقمص دور المنقذ، ولكن بلا خطة أو رؤية واضحة ومعلنة.

نخلص من كل ما سبق، أن سياسات الكراهية هي جزء من أزمة السياسة نفسها في العالم العربي، السياسة بوصفها حكمة عملية تقوم على تدبير الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة لا الانغماس في صراعات مصالح وأيديولوجيا، وهذا أمر مفهوم؛ فالأحزاب والحركات السياسية إنما نشأت على ضفاف دكتاتوريات، وفي ظل الصراع مع أنظمة دكتاتورية قامت على تنمية الكراهية وتصفية الخصوم واستئصال الفعل السياسي، ومن هنا نجد أوجه شبه بين الخصوم السياسيين، بل قد تشتد خصومتهم؛ لشدة تشابههم أحيانا لا لشدة تنافرهم، كما أن الأنظمة الدكتاتورية رسخت ثقافة تشبهها، وقد باتت جزءا من الجو العام، وتورطت فيها حركات المعارضة نفسها. وأحد موارد الكراهية البارزة هي النزعة الأيديولوجية التي تعزز سياسات الهوية والصداقة والعداوة والخصومات على أسس فكرية تجعل من الصراع مقصدا في ذاته لإزاحة الآخر لا التنافس معه على تحقيق مصلحة وطنية عامة تشكل سقف المُجمع عليه الذي يدور الخلاف من تحته ويتم الاحتكام إليه عند النزاع.

إن المهمة اليوم تبدو ملقاة على عاتق الجماعات والأحزاب للخروج من منطق الكراهية والأيديولوجيا إلى مناقشة سؤال التغيير ووسائله وأخلاقياته أيضا، وبلورة الإجماع الوطني الذي لا يُعذر أحد بجهله، ويشكل السقف الذي يتم العمل من تحته، ويبقى بمنأى عن أي خلاف. ولا سبيل للوصول إلى ذلك إلا من خلال العمل السياسي الديمقراطي الذي من شأنه أن يعيدنا إلى الحكمة العملية التي تقوم على رعاية المصالح والأصلح، بحيث لا تكون المنافع محدودة أو مقصورة على شبكة محدودة لفئة أو جماعة أو أيديولوجيا، وتكون مفتوحة على التعددية والاختلاف في المجال العام، وتصان فيه الحريات؛ حتى نتجنب هذه الانقسامات الأفقية التي عصفت بمجتمعاتنا وأدخلتنا في حروب ثقافية وأيديولوجية لا تنتهي، فلا بد من الإقرار بأن ثمة شرائح في المجتمع “تغربت” بالفعل في تطلعاتها ونمط حياتها وسلوكها اليومي، أي لديها تصور مغاير حول السؤال الكبير الخاص بـ”كيف أحيا؟”، في مقابل شرائح أخرى واسعة جدا ترفض أن تتغرب بهذا المعنى، لا بالإقناع ولا بالقهر، والنظام الديمقراطي هو السبيل الوحيد للخروج من هذه التناقضات والمعارك الصفرية التي تتوسل بالسلطة لقهر الطرف الآخر وإقصائه من المشهد، بمساعدة قوى خارجية غربية وعربية.

المصدر: الجزيرة نت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى