أعلام

عبد الرزاق المروري.. عشرون عاما على الغياب الأليم

عبد الرزاق المروري.. عشرون عاما على الغياب الأليم

أ.د أحمد الريسوني

نشر في التجديد يوم 29 – 10 – 2016

قبل عشرين سنة كانت حركة التوحيد والإصلاح تعيش أجواء الحدث الكبير، حدث الوحدة والولادة الوحدوية…

وفي غمرة بهجتها وحماستها وقعت الواقعة ونزلت الفاجعة: رزئت الحركة بفقدان أحد فرسانها وأقطابها المؤسسين؛ الأخ الأستاذ عبد الرزاق المروري، عضو المكتب التنفيذي آنذاك، ومعه زوجته الأستاذة فتيحة الراجي، أستاذة علوم القرآن بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رحمهما الله تعالى وأكرم مثواهما عنده، وما عند الله خير وأبقى.
ففي عشية يوم الأربعاء 24 جمادى الآخرة 1417ه الموافق ليوم 6 نونبر 1996، فاضت روحهما وقضيا نحبهما في حادثة سير مروعة، وقعت على مشارف مدينة الرشيدية، التي كانا يقصدانها للقيام بعدد من اللقاءات والأنشطة الدعوية والتنظيمية.

وقد كان من جملة ما سافرا لأجله إلى إقليمالرشيدية: توزيع كتاب رجاء جارودي (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية)، حيث كان الفقيد يحمل في سيارته 100نسخة من هذا الكتاب الذي كان قد أشرف بنفسه على إصدار طبعة مغربية له. وهو ما جعل بعض الإخوة آنذاك يطلقون عليه “شهيد القضية الفلسطينية”.
تساؤلات وشبهات طواها الزمن
الوفاة المفاجئة وغير الطبيعية للأشخاص غير العاديين، غالبا ما تثير التساؤلات، وتفتح باب التخمينات والتكهنات حول ملابسات وفاتهم. وكذلك كان في وفاة عبد الرزاق المروري… فقد بقي السجال الداخلي قائما – لعدة أشهر – حول الاحتمالات الممكنة في هذه الحادثة؟ وهل هي حادثة طبيعية، أو هي عملية اغتيال مدبر؟ كان السجال يجري عفويا أحيانا، وفي بعض الأحيان كنت أقف على من يحركه ويغذيه…
وفي حفل التأبين الذي أقيم بمنزل أسرة الفقيد عبد الرزاق، بحي القامرة، جاءني في نهايته أحد رجال الدرك الملكي، وأخبرني بصفته، وبأنه من جيران المرحوم ومن أصدقائه ومحبيه…، ثم أخذني جانبا، وبدأ يحاول إقناعي بأن هذه الحادثة مدبرة، بدليل كذا وكذا… ولما رآني غير متجاوب معه ولا مكترث بما يقول، قال لي: على كل حال إذا احتجتني لأي مهمة فأنا مستعد؟! وما زلت إلى اليوم أتساءل: هل كان الرجل مستعدا لأي مهمة، أم كان فعلا يقوم بمهمة؟
عبد الرزاق المروري وخصاله المتميزة
يطول الشرح وسرد الأمثلة في هذا المقام، بما لا تسعه هذه الكلمة. ولكنْ لو أردت أن أُجمل الخصال الحميدة الكثيرة للفقيد، فهي أنه كان ذا خصال قيادية ريادية.
وأذكر شيئا قليلا من ذلك:
1. هو مؤسس العمل الإسلامي النسائي ورائده
في بدايات العمل الإسلامي المعاصر، لم يكن للمرأة أو الفتاة وجود فيه، بل ولا كانت واردة في أذهان القائمين عليه. وقد كانت الأساليب السرية والتطلعات الثورية، مما يزيد من استبعاد المرأة والبعد عن إقحامها…
وحينما بدأت الاختيارات السياسية والتنظيمية والفكرية تتطور وتنضج أوائل الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، بدأنا التفكير في “القطاع النسائي”… ولكن محاولات اقتحام هذا المجال كانت خجولة متهيبة من ذواتنا أولا، بسبب النظرة النمطية الجامدة للموضوع. ثم بسبب الرفض والحصار والتخوف من الآباء والأمهات. حتى كان بعض الأخوات يسألن عن حكم الكذب والتمويه على الوالدين لأجل الذهاب إلى لقاء أو مبيت، أو استقبال جلسة تربوية في المنزل…
في ظل هذه العراقيل والصعوبات، شق عبد الرزاق المروري طريقه نحو تأسيس “عمل الأخوات”. وقد كان معززا في هذا الاتجاه ببعض إخوانه من (جماعة التبين) بالرباط، وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد المشتالي. وما زلت أذكر الدورات التكوينية الجادة والمكثفة (تكوين المكونات)، التي دعيتُ إلى المشاركة في تأطيرها منتصف الثمانينيات، وقد تابعها نحو 30 أختا، أصبح أكثرهن قياديات في الحركة وفي المجتمع وفي العمل السياسي، وحتى في الحكومة… وق كان المدير المباشر لتلك الدورات هو أحمد المشتالي، تحت إشراف عبد الرزاق المروري…
1. انفتاحه وطبيعته التواصلية
كان رحمه الله ذا علاقات متنوعة ناجحة، في الوقت الذي كان المزاج العام في صفوف شباب العمل الإسلامي آنذاك ميالا إلى الانغلاق والنفور والقطيعة مع “الآخرين”.
ولكَم كنت أندهش – ما بين إعجاب واستغراب – حين أعلم أنه يتصل ويتزاور ويتحاور مع فلان أو فلان من اليساريين والفنانين والرياضيين وغيرهم، ممن كنا – أيامها – نعتبرهم لا دين لهم أو لا فائدة فيهم. وكان منهم أستاذه ومشرفه الدكتور محمد جسوس، وغيره من أساتذة الفلسفة.
وما زلت أذكر الزيارة التي أخذنا فيها إلى “الزعيم” نوبير الأموي بالدار البيضاء، وكذلك العشاء والسمر الطويل الممتع، الذي نظمه لنا بمنزله، مع صديقه الكبير الدكتور عبد المجيد بوزوبع.
1. عنايته بالطفولة والأسرة
وحسبنا في ذلك مشروعان رائدان في زمنهما:
الأول: هو إصداره لمجلة (رسالة الأسرة)…
والثاني: تأسيسه لمشروع تعليمي نموذجي، هو (مؤسسة وحي القلم).
ورغم أن الفقيدين المرحومين (عبد الرزاق وفتيحة) لم يرزقا أبناء إلى غاية وفاتهما، فقد كنا حين نقوم بالتعارف في بعض لقاءاتنا، فيذكر كل واحد منا عدد أبنائه، أو أنه بدون أبناء، أو أنه “مفتش”، أي: لم يتزوج بعد …، كان عبد الرزاق يقول في تعريف نفسه:متزوج، ولي مائة وعشرون ابنا وبنتا…! كان يقصد أن الأطفال الذين عنده في مؤسسة وحي القلم كلهم أبناؤه. ويُذكر أنني كتبت مقالا صغيرا بعنوان: (عبد الرزاق المروري: الأب الكبير الذي لم يلد).
أسأل الله تعالى أن يجعلنا خير الوارثين، المحققين للخصال الحميدة والمساعي الشريفة، التي كان يتمتع بها كل من فقدناهم من رواد حركتنا؛ وأخص منهم أعضاء المكتب التنفيذي: عبد الرزاق المروري، وفريد الأنصاري، وعبد الله بها، وعبد الجليل الجاسني، رحمهم الله وجزاهم عنا خيرا.
أحمد الريسوني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى