أصحاب و تلامذة الأستاذ الريسونيضيف الموقع

الأمة الدولة المجتمع/ د.محمد غورماز

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمة الدولة المجتمع / د.محمد غورماز

26/2/2022

بسم الله ، والحمدلله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، إليه ننتمي ، وبه نحتمي، وبسنته نهتدي، ومن معينه نرتوي ، وسلم تسليماً كثيراً ..

أستاذنا الدكتور أحمد الريسوني حفظه الله

أصحاب المعالي والسماحة والفضيلة

العلماء الكرام في منتدى الأستاذ الريسوني

الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد ..

إننا نمر في بعض الأحيان على كتب صغيرة في الحجم، أو ورقات معدودة تحت غلاف واحد، لكننا لا نملك أن نسميها كُتيباً ، ذلك أن صغر الحجم ذاك مشفوع بفكرة ضخمة اكتنزتها تلك الصفحات ، فبعض الكتب يحمل في طياته مشاريع ، أو شعارات على مستوى من الأهمية يجعلنا نقف أمامها كما نقف أمام الكتب الضخمة. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم أحد تلك الكتب ، فهو يقدم شعاراً للجيل ، وهو تقديم الأمة على الدولة.

 وهذا الشعار على ضخامته وكثرة تبعاته ، يدلنا في نظري إلى أمر عملي مهم للغاية ، ألا وهو أن الحركات الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي منذ سقوط الخلافة كانت تعيش حالة من الاضطراب بسبب غياب الكيان الجامع والهوية الجامعة ، وقد ساقها هذا إلى الرغبة الجامحة بتأسيس الكيان السياسي أو على الأقل الوصول إلى مواقع السلطة في كيان سياسي قائم ، وقد أدى هذا بتلك الحركات- كما هو ظاهر عياناً مما حدث في الربيع العربي- إلى تقديم مقاصد وأدبيات ووسائل الوصول إلى الدولة ، أكثر مما عملوا على مقاصد إنتاج الأمة ، وظنوا أنهم بوصولهم إلى الدولة يقطعون شوطاً مهماً من أشواط الإصلاح ، و يبدؤون بعدها بصناعة الأمة.

وهنا لا بد لي أن أشير إلى اختلاف دقيق بين مفهومين أساسيين في هذا السياق، ألا وهما مفهوما الأمة والمجتمع، اعتماداً على تفريق الأستاذ المجدد طه عبدالرحمن لهما، وهنا يمكننا أن نقول أن المجتمع من حيث الأصل مجموعة أفراد يسلكون سبيل الاشتراك في سد الحاجات وأداء الخدمات ، وهم يسلكون هذا السبيل بناء على ما سماه الأستاذ : العمل التعاوني.

أما الأمة فهي مجتمع يُنظر إليه من جهة القيم لا من جهة الحاجات أو الخدمات، وهدف الأمة ليس التطوير العمراني والتقدم الخدماتي بل هو السعي وراء الارتقاء بالإنسان ، وهذا العمل يتم من خلال ما سماه الأستاذ العمل التعارفي ، الذي يقوم على الإتيان بالمعروف.

ومن هنا يمكننا أن نقول أن الفرق الأساسي بين المجتمع والأمة فرق في المنطلق وفي المآل ، ففي النظرة المجتمعية نبتغي التعاون على ما يصلح بها أمر دنيانا، أما في النظرة الأمّية – نسبة للأمة الوحدة- فنحن نتعارف فيما يصلح به أمر دنيانا وآخرتنا ، لا للمسلمين فحسب، بل للإنسانية جمعاء ، لأن القيم التي نعمل للارتقاء بها مركوزة في الفطرة التي هي ذاكرة القيم الإنسانية جميعها ، لا يختلف فيها مسلم وغير مسلم.

الدولة على الصعيد الآخر كما تعرفون مفهوم متغير ، تتغير أشكاله وأنظمته وتقاليده بين عصر وآخر وفكر وآخر ، الدولة في الأصل أتت من فعل الدَوْل أي التغير والانقلاب ، فنحن نقول دولة بني فلان بمعنى أن الأمر دال لهم ، وكما دال لهم فهو يدول إلى غيرهم ، وكما تتداول السلطة بين الأشخاص ، فهي متداولة أيضاً بين الأفكار والمفاهيم والأفكار والفكرانيات – الإيديلوجيات-  ، وبناء تصورنا وتنظيراتنا السياسية على فكرة الدولة الحديثة القومية التي نعيش في أكنافها اليوم فيه من الخطأ النظري والعملي ما فيه.

على مدى التاريخ كان لدينا ميل إلى تقديم مفهوم ما على مفهوم الأمة ، فالشيعة يقدمون الائمة على الأمة، ويبنون كل إطارهم المعرفي على أساس شخصي بعيدٍ كل البعد عن التصور الجمعي التعارفي للأمة ، ونحن أهل السنة فعلنا نفس الشيء ولو كان على مستوى أكبر ، فقدمنا الجماعة السياسة المتمثلة في الدولة السنية على مدى التاريخ على مفهوم الأمة الجامع الكبير المعني بالقيم ، بل إننا جعلناها جزءً من الاسم التاريخي لنا فقلنا : أهل السنة والجماعة، والجماعة هنا هي الجماعة الملتفة حول جمهور المسلمين وأئمتهم ، وفيه ملمح لا يخلو من الميل السياسي للسنة نحو الدولة السنية بطبيعة الحال، وليس في هذا صير من حيث المبدأ ، لكننا قدمنا في تنظيراتنا الدولة أو الجماعة على الأمة والقيمة.

وقد تسرب هذا بشكل واضح إلى تنظيرات الجماعات الإسلامية اليوم ، حيث نرى –إلا ما رحم الله- الجماعات الإسلامية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار تصب ثقلها المعرفي والسياسي في خانة الدولة لا في خانة الأمة ، وربما يكون لهذا أسباب واقعية وبراغماتية بطبيعة الحال، لكن هذا لا ينفي أن مشروع الأمة القيمي الأخلاقي تم اهماله لفترة طويلة.

وتجدر بنا هنا الإشارة إلى مشروع الأستاذ وائل حلاق ، الذي يعتبر كتاب الدولة المستحيلة عنده حلقة من سلسة من الإصدارات التي تدور حول مكانة القيمة في الإسلام، وفي كتابه ذلك يفصل تفصيلاً رائعاً في قيم الأمة الإسلامية وعدم توافقها مع الشكل الحالي للدولة القومية، ونحن وإن كنا لا نتفق مع كل ما كتبه الأستاذ وائل حلاق بطبيعة الحال، إلا أن الإشارة إلى هذه المشاريع مهم لتسليط الضوء على من محاولات إعادة مركزة الأخلاق والقيم في قلب مشروع الأمة، كما يفعل كتابنا الذي بين أيدينا اليوم.

وربما يجب علينا هنا أيضاً إلى أن نشير بشكل مختصر إلى أساس نظري من أساسات التفريق بين الدولة والأمة ومكان المجتمع بينهما ، ألا وهو العقد الاجتماعي وما يحمله من حُمولة مفاهيمية مثل حالة الطبيعة والقوانين الطبيعة وغيرها؛ وقد فصل الأستاذ طه تفصيلاً طويلاً في مدخل كتابه ” دين الحياء” عن إشكاليات العقد الاجتماعي ، ويمكننا أن نركز على أهم النقاط هنا ونقول :

  1. العقد الاجتماعي عقد وهمي لا حقيقة له ، ولا يحمل في طياته بعداً إلزاميا، بل إنه مجرد حالة تخيلية أو – في الحالة الأفضل- أداة تحليلية ، تستخدم لضبط بوصلة المجتمع سياسياً .
  2. العقد الاجتماعي لا يلقي بالاً للفطرة الإنسانية المتوجهة نحو الرب سبحانه، ولا يعطي أهمية للعلاقة بين الخالق والمخلوق، بل هو عقد جاري بين الأفراد أنفسهم دون ضامن.
  3. العقد الاجتماعي يبنى على الإنسان المعاصر ، والإنسان المعاصر ليس شخصاً بل هو مقولة معرفية تدور حول قطعه عن فطرته ، فهو بالتالي إنسان ميت ، فتكون الدولة التي ينتجها العقد دولة ميتة ، ويكون المجتمع الذي ينتجه العقد مجتمعاً ميتاً.
  4. العقد الاجتماعي ينبني على تصور مادي بحت للإنسان، وهذا يجعل ما ينتجه من مجتمعات أو دول متوجهاً نحو المادة والجسد ، وهذا يجعل الحضارة كلها حضارة مادية ، والحضارة المادية حضارة لا روح فيها حرفياً لأنها نزعت روح الإنسان منه.

وهنا يمكننا أن نقول أن تأسيس فكرة الأمة يكون على أساس معكوس من كل المذكور أعلاه ، فالأمة تقوم على ميثاق الشهادة الذي يقر بفطرية الأخلاق، ويقر بمخلوقية الكون، وعلى ميثاق الأمانة ، الذي ينزل القيم الربانية المتجلية في الأسماء الحسنى إلى أرض الواقع من خلال عملية التشهيد. ولو أن هذه الفلسفة الائتمانية أصبحت أساساً لعملنا الإسلامي ، فستكون الأمة هي المقصد لا الدولة ، وستكون القيمة هي الغاية لا المادة ، وستزول الكثير من خلافاتنا ومشاداتنا التي تدور في مجملها حول الوصول إلى الحكم أو الفوز بالانتخابات وغيرها.

أشكر أستاذنا الريسوني على تسليطه الضوء على هذه الزاوية المهمة من فكرنا الإسلامي ، وأشكر الزملاء المشاركين في هذا الحوار على إضافاتهم المميزة ، وأشكر لكم حسن استماعكم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى