أبحاث مقاصدية

مقاصد الشورى وفوائدها

مقاصد الشورى وفوائدها

الوظائف والمقاصد التي تحققها الشورى والتي لأجلها شرعت، لا تحظى من العلماء والكتاب عادة إلا بِجُمَلٍ وعبارات وجيزة، وعادة ما تتركز هذه الجمل والكلمات على مقصد واحد وهو استخراج الرأي الصواب والتدبير السديد. وهذا يؤدي إلى اختزال مقاصد الشورى ووظائفها، مما يستتبع تقليصا في مساحاتها ومجالاتها، وتضييقا في أهلها والمعنيين بها. ولذلك رأيت أن أتناول ـ بشيء من الاستقصاء والبيان ـ مقاصد الشورى ووظائفها، لتتضح أكثر قيمتها وأهميتها.

      ومن الإنصاف أن أورد في البداية نصوصا لبعض الفقهاء الإجلاء، فيها قدر يسير من التوسع في ذكر مقاصد الشورى وفوائدها، ولو أن أيا منهم لم يقصد الاستقصاء والاستيعاب.

     النص الأول للفقيه الحنفي أبي بكر الجصاص، حيث قال رحمه الله عند قوله تعالى:  )وشاروهم في الأمر(:  “وكان في ذلك ضروب من الفوائد:

أحدها: إعلام الناس أن ما لا نص فيه من الحوادث، فسبيل استدراك حكمه الاجتهاد وغالب الظن.

الثاني: إشعارهم بمنزلة الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم أهل الاجتهاد، وجائز اتباع آرائهم، إذ رفعهم إلى المنزلة التي يشاورهم النبي صلى الله عليه وسلم ويرضى اجتهادهم وتحريهم لموافقة المنصوص من أحكام الله تعالى.

والثالث: أن باطن ضمائرهم مرضي عند الله تعالى، ولولا ذلك لم يأمره بمشاروتهم. فدل ذلك على يقينهم وصحة إيمانهم وعلى منزلتهم مع ذلك من العلم، وعلى تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث التي لا نصوص فيها لتقتدي به الأمة بعده صلى الله عليه وسلم في مثله.” ([1])

ـ النص الثاني للفقيه المالكي أبي بكر بن العربي، وهو يأتي مكملا لما في النص الأول. قال رحمه الله في شرحه على الترمذي (أبواب الجهاد، باب ما جاء في المشورة):  “…المشورة فيها بركات:

ـ منها الإقدام على معلوم. (أي بعد التحري و التثبت واتضاح الرؤية)

ـ ومنها تخليص الحق من احتمالات الخواطر .

ـ ومنها استخراج عقول الناس

ـ ومنها تأليف قلوبهم على العمل

وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر مرتين…” ([2])

وله كلمة أخرى جامعة في الموضوع، وإن كانت لا تخرج عما سبق، قال فيها:  “الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب. وما تشارو قوم إلا هدوا.”([3])

ـ النص الثالث للقاضي أبي بكر المرادي، قال فيه رحمه الله: “والمشورة يحتاج إليها لأوجه أربعة:

أحدها:    تقصير المستشير عن معرفة التدبير.

والثاني:    خوفه من الغلط في التقدير، وإن لم يكن من أهل التقصير.

والثالث:  أن الفطن النحرير، ربما ستر عليه الحب والبغض وجوه الرأي والروية، فإنهما يعدلان بالفكر عن الإصابة، فيحتاج إلى مشورة من رأيه صاف من كدر الهوى، مبصر لوجوه الآراء.

والرابع: أن المستشار ربما كان في الفعل شريكا أو عليه معينا، فتكون مشورته داعية إلى استيلافه، وإغراء له في معونته إذا كان الفعل إنما يفعل برأيه.”([4])

انطلاقاً من هذه النصوص، وسعياً إلى تجلية هذا الجانب من جوانب الشورى، فقد استقصيت ما أمكنني من المقاصد والفوائد التي تحققها الشورى، وجمعتها في عشرة.

1ـ الوصول إلى الصواب والأصوب.

هذا -بدون شك- هو المقصد الأساسي والمقصد الأصلي للشورى. وهو ما يقتصر عليه ـ أو يركز عليه ـ من يذكرون الشورى ومقصودها وثمرتها. فالشورى عادة ما تكون في أمور تتوارد عليها الاحتمالات والإشكالات، وتتعدد فيها المسالك والخيارات. فيحتاج المستشير أو المتشاورون، إلى معرفة وجه الحق والصواب ومسلك الرشد والسداد، في المسألة.

وقد لا تكون المشاورة لتمييز الصواب من الخطأ، ولكنها قد تكون من أجل الموازنة والمفاضلة بين صواب وأصوب، وحسن وأحسن، أي أن المشاورة تفضي إلى تمييز الأصوب والأحسن من أجل اتباعه والأخذ به إن كان ممكنا .

وربما يكون الاحتياج إلى الشورى لتمييز الأصوب والأفضل، أشد من الاحتياج إليها لتمييز الصواب من الخطأ والخير من الشر، ولذلك قيل:  ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، بل العاقل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.

فالالتباس والاشتباه بين صواب وأصوب، وحسن وأحسن، ونافع وأنفع، هو أكثر حدوثا من الالتباس بين الصواب والخطإ، والحسن والقبيح، والنافع والضار. والشرع قد أمرنا باتباع الأحسن  ôìsù÷Š$#â ÓÉL©9$$Î/ }‘Ïd ß`|¡ômr&..á  ([5])@è%ur⠓ϊ$t7ÏèÏj9 (#qä9qà)tƒ ÓÉL©9$# }‘Ïd ßá`|¡ômr& ([6])، وأثنــى علـــى â ûïÏ%©!$# tbqãèÏJtFó¡o„ tAöqs)ø9$# tbqãèÎ6­Fu‹sù ÿá¼çmuZ|¡ômr& ([7]). ومما لا غبار عليه ولا يحتاج إلى دفاع أو بيان، كون الشورى هي أضمن الطرق وأرشد السبل إلى معرفة الحق، بعد الوحي. وإذا كانت الشورى غالباً ما تفضي إلى تجنب الخطأ والتمسك بالصواب، أو إلى الارتقاء من صواب إلى أصوب، وإذا كانت الشورى ـ كما تقدم ـ تدخل في جميع المجالات، الدينية والدنيوية، الفردية والعائلية والجماعية، بجميع مستوياتها… فلنا أن نتصور كم نربح وكم نكسب حين تعم الشورى حياتنا، وتسدد قراراتنا واجتهاداتنا وتدابيرنا وتصرفاتنا، وكم نخسر ونضيع ونعاني، حين تختفي الشورى من حياتنا وتدبير شؤوننا، ويحل محلها التفرد والاستبداد والأنانية والتعسف والنظرة الأحادية والمزاجية…

إذا كانت الخسائر والمصائب والمفـــاسد هنا، والأرباح والمكاســب والمصالح هناك، لا يمكن أن تعــد ولا أن تقــدر، فلا أقــل من أن نفكر فيها ونستحضر مــدى ضخامتها وجسامتها، ونفكر في تراكمها وتراكم آثارها على مدى العصور والأزمان. إننا وبكل بساطة نقف بذلك على جانب كبير من جوانب التقدم أو التخلف في حيــاة الأمم، `yJÏ9â uä!$x© óOä3ZÏB br& tP£‰s)tGtƒ ÷rr& át¨zr’tGtƒ([8])، والآية فيها “إعلام بأن كل أحد يسلك طريق الهدى والحق إذا حقق النظر، أو هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة لغفلته وسوء نظره”([9]) كما يقول القاضي ابن عطية.

إننا نستطيع القول باطمئنان، إن أحد الأسباب الكبرى لتخلفنا وانحطاطنا-أفراداً ومجتمعات ودولاً- هو التعطيل الواسع للشورى في حياتنا العامة والخاصة، عبر قرون وقرون.

2ـ الخروج من الأهواء والمؤثرات الذاتية

لكل إنسان نصيبه من الهوى قل أو كثر، ولكل واحد أحواله وميوله النفسية، ولكل واحد اعتباراته الذاتية، سواء كانت دوافع أو موانع. وكل هذه العوامل تجد طريقها ـ بحق أو بغير حق ـ إلى عقل الإنسان، عند التفكير والتقدير، وخاصة في القضايا الملتبسة، التي تتجاذبها اعتبارات وحيثيات مختلفة. وتزداد هذه العوامل تأثيراً وضغطاً على العقل والفكر، حين النظر في قضايا تتصل بما له تأثير عاطفي عليه، من حب أو بغض أو خوف أو تعظيم أو طمع… فمن الصعب على الإنسان أن يقدر ويعالج مثل هذه الأمور بكامل النزاهة والموضوعية، وبتجرد ومنجاة من هذه المؤثرات. وقديما قالوا:  حبك الشيء يعمي ويصم.

والمخرج من هذا هو الشورى. فإذا نظر في المسألة وناقشها عدد من الناس، تختلف عقولهم ونفوسهم وميولهم، مع ما لهم من علم وخبرة بالمسألة المعروضة، ومع ما يفترض فيهم من نصح وإخلاص، فإن نتيجة التشاور والتداول، والتقدير والترجيح، تكون ـ بدون شك ـ أبعد عن المؤثرات الذاتية والمشوشات النفسية، وتكون أقرب إلى الحق والعدل والصواب. ولعل هذا هو ما قصده ابن العربي بقوله المتقدم عن فوائد الشورى:  “ومنها تخليص الحق من احتمالات الخواطر.”

3ـ منع الاستبداد والطغيان

وهذا من أعظم مقاصد الشورى وفوائدها. فالشورى نقيض الاستبداد، إذا حضرت الشورى غاب الاستبداد، وإذا غابت الشورى حضر الاستبداد. فإذا استقر الاستبداد واستمر تحول إلى طغيان، وتحول إلى مفاسد ومظالم وانحرافات لا حد لها ولآثارها.

وكثير من المستبدين لا تكون عندهم ـ في البداية ـ رغبة في الاستبداد ولا نية في الاستبداد ولا ميل إليه. ولكن الاستبداد ينبت وينمو ويترعرع شيئا فشيئا، إذا ترك له الحبل على الغارب. فحين يجد صاحب سلطة نفسه يفكر وحده، ويقرر وحده، ويأمر وحده، وينهى وحده، ويحكم وحده، ولا راد لحكمه، ولا أحد يشير عليه، ولا أحد ينصحه، ولا أحد يعترض أو ينكر، ولا أحد يقاوم أو يمانع… وحتى حين يستشير، أو يريد أن يستشير، فلا يجد ـ على الدوام ـ إلا من يقول له:  أنت أعلم وأحكم، وأنت أدرى وأولى، والرأي رأيك والقول قولك والأمر إليك… فماذا ننتظر من هذا الإنسان، وهو على كل حال إنسان وâH ¨b) #áÓxöôÜuŠs9 `»|¡SM}$# ([10])؟ ماذا ننتظر منه غير الاستبداد والتمادي فيه؟ وغير الطغيان والتجبر؟ أليس هذا هو الذي أوصل فرعون إلى قوله الذي اتخذه قاعدة في الحكم والتعامل مع الناس É!$tBâ öNä3ƒÍ‘é& žwÎ) !$tB 3“u‘r& !$tBur ö/ä3ƒÏ‰÷dr& žwÎ) Ÿ@‹Î6y™ áŠ$x©§9$# ([11]).

وما من مستبد إلا وهو آخذ بهذه القاعدة، صرح بها أو لم يصرح، أقر بذلك أو أنكر.

فالشورى كما تحمي الشعوب من استبداد حكامها، فإنها تحمي الحكام أنفسهم من نزعة الاستبداد والقابلية له، الكامنة في نفوسهم. حين نقرأ الآية الكريمة £#y‚tGó™$$sùâ ¼çmtBöqs% çnqãã$sÛr’sù 4 öNßg¯RÎ) (#qçR%x. $YBöqs% átûüÉ)Å¡»sù([12])، يجب أن نتساءل:  لو أن فرعون حين استخف قومه لم يطيعوه، هل كان سيتمادى في فرعونيته وتجبره؟ طبعا لا. فلو ردعوه لارتدع. ولو وجد من أول أمره حدوداً وقيوداً على سلطته لتعقل ورشد. وإذا كان الحاكم مسؤولا عن صلاح الأمة وفسادها، فإن الأمة أيضا مسؤولة عن صلاحه وفساده وغيه ورشاده.

على أن الاستبداد ليس خاصاً بالحكام والأمراء والزعماء، فهناك الزوج المستبد، والأب المستبد، والمفتي المستبد…وكل صاحب سلطة، سياسية، أو إدارية، أو علمية، أو اجتماعية، يمكن أن يصبح مستبداً. وكل يستبد حسب سلطته وحسب طاقته، إذا ترك الشورى، وإذا ترك يتصرف بدون شورى..

فالاستبداد داء، والشورى وقاية ودواء.

4ـ تعليم التواضع

إذا كان الاستبداد يعلم الطغيان والتجبر، فإن الشورى تعلم التواضع وتدرب على اكتسابه وممارسته والتطبع به.

الاستبداد يشعر صاحبه بالاستغناء، فهو يستغني برأيه عن رأي غيره، وبعلمه من علم غيره، وبتقديره عن تقدير غيره. وقد قرن القرآن الكريم بين الاستغناء والطغيان، ونبه على أن الأول سبب للثانيâ Hxx. ¨bÎ) z`»|¡SM}$# #ÓxöôÜuŠs9 ÇÏÈ br& çn#u䧑 #áÓo_øótGó™$# ([13])

وعلى العكس من ذلك فالشورى تعلم صاحبها أنه محتاج إلى غيره وإلى ما عند غيره، وأن علمه مهما بلغ لا يستغني عن علم غيره، وأن رأيه مهما سما لا يستغني عن آراء غيره. فالشورى تكسر نزعة الاستغناء والاستعلاء، ونزعة الاستنكاف عن مشاورة الغير، والاستماع إلى الغير، والاستفادة من الغير.

فمشاورة الناس ليست عيباً وليست نقصاً، بل تركها والاستنكاف عنها هو العيب وهو النقص. وتثبيت هذه الحقيقة هو بعض ما أراد الله تعالى حين أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ـ وهو من هو ـ أن يشاور أصحابه، وهم دونه. قال سفيان بن عيينة: “أمره بالمشاورة لتقتدي به أمته فيها ولا تراها منقصة، كما مدحهم الله تعالى بأن أمرهم شورى بينهم.”([14])

5ـ إعطاء كل ذي حق حقه

هذه الفائدة تنطبق بصفة خاصة على الشورى التي تعلق بها حق الغير، وفي مقدمتها الشورى في الشؤون العامة والمشـتركة، التي تدخـــل في قولــه تعالى: )وَأَمْرُهُمْ شُــورَى بَيْنَهُمْ(، فكل أمر من “أمرهم”، فهو شأنهم جميعا، وحقهم فيه وفي تدبيره هو حق لهم جميعا، يعالجونه ويبتون فيه مشاورة بينهم، دون أن ينفرد به، أو يستقل به، أو يستبد به أحد دون غيره من أصحاب ذلك الحق، وممن تعود لهم مصلحته، وتعود عليهم مضرته وتبعاته.

فمشاورة أصحاب أي أمر أو من ينوبون عنهم، وأخذ رأيهم بعين الاعتبار هو إنصاف لهم وإحقاق لحقهم. فالتصرف في حقوق الناس منوط بموافقتهم أو بإذنهم، أو بتفويضهم وتوكيلهم. ألا ترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هَمَّ بمصالحة غطفان بثلث تمر المدينة لينسحبوا من حلف المشركين واليهود، المحاصِرين للمدينة في غزوة الأحزاب، فإنه لم يقدم على ذلك حتى استشار رؤوس أهل المدينة فقالوا:  “يا رسول الله، أوَحْيٌ من السماء، فالتسليم لأمر الله؟ أو عن رأيك وهواك، فرأينا نتبع هواك ورأيك؟ فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى…” ([15])، فعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه إلى رأيهم…

وفي غزوة حنين، لما أراد الإحسان إلى هوازن، برد سبيهم عليهم، لم ينفذ ذلك حتى دعا أصحاب الحق، وقال لهم:  “إن إخوانكم ـ يقصد هوازن ـ جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أراد منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل” فقال الناس: قد طبنا بذلك يا رســـول الله. فقـــال رســول الله صلى الله عليه وسلــم: “إنا لا نـدري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن. فارجعــوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمــركم” فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا.” ([16])

6ـ إشاعة جو الحرية والمبادرة

الشورى هي أولا وقبل كل شيء حرية في التفكير وحرية في التعبير الصادق الأمين. والشورى إذا أفرغت من حرية التفكير والتعبير أصبحت مجرد ملهاة، أو مجرد مناورة على وزن مشاورة.

أي أنها تتخذ شكل المشاورة واسم المشاورة، ولكنها في النهاية مجرد تضليل ومناورة.

ولذلك فحرية التفكير وحرية التعبير، هي شرط من شروط الصحة في الشورى، شرط سابق وشرط مرافق. فإذا أردنا الشورى الحقيقية، فلنقل:  هي التي تكون الحرية قبلها، والحرية معها. وعلى هذا الأساس فإن الشورى تصبح ترجمة عملية لحرية التفكير والتعبير، وتصبح خادمة لها، ومعززة لممارستها، وضامنة لاستمرارها واشتداد عودها.

وحينما نشيع في مجتمع ما، أو في وسط ما، الشورى الحقيقية، شورى الحرية والصدق، فإن نفسية الناس تكون نفسية الراغبين في بذل المشورة، وبذل النصيحة، والصدق والصراحة فيهما. ويصبح الناس مبادرين إلى ذلك، طلب منهم أو لم يطلب. وحين تنعدم الشورى وأجواء الشورى، أو تمارس الشورى الصورية الزائفة، فإن الناس يعرضون عن بذل مشورتهم ونصحهم، ويزهدون في ذلك، بينما يتقدم إليه المتملقون، لقضاء مآربهم.

سبق أن أوردت ـ أول هذا الفصل ـ قوله تعالى:  âوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. áالآيات… وقد اعتبر الشيخ ابن عاشور أن هذا الإخبار من الله تعالى للملائكة، وما تلاه من حوار، اعتبره نوعا من الاستشارة، على سبيل التعليم والتكريم.

وأنا أجد في هذه المحاورة بين الله وملائكته درساً آخر، هو درس حرية التفكير وحرية التعبير. فالملائكة لم يجدوا مانعاً ولا حرجاً من إبداء استغرابهم وملاحظاتهم التي جاءت في صيغة تساؤل واستفهام. والله عز وجل لم يعنفهم ولم يوبخهم على “تحفظهم”، ولكنه سبحانه حاورهم، وبّين لهم، ومحا شبهتهم، حتى قالو:  âسُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُá

وكلنا نعرف قصة المرأة التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكي وتشتكي في أمر زوجها الذي حرَّمها على نفسه بصيغة الظهار، ولكنها تجاوزت الشكوى إلى مجادلة النبي عليه السلام فيما قاله لها. فما لبث القرآن الكريم أن نزل في شأنها. لم ينزل القرآن بزجزها وتوبيخها على مجادلتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نزل بإنصافها والإقرار لتصرفها â ô‰s% yìÏJy™ ª!$# tAöqs% ÓÉL©9$# y7ä9ω»pgéB ’Îû $ygÅ_÷ry— þ’Å5tGô±n@ur †n<Î) «!$# ª!$#ur ßìyJó¡tƒ !$yJä.u‘ãr$ptrB 4 ¨bÎ) ©!$# 7ì‹Ïÿxœ ÅÁt/  á ([17]).

ونجد الصحابة ـ رجالاً ونساءً ـ يقدمون آراءهم وتحفظاتهم واعتراضاتهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من دون أن يخافوا ولا أن يتلقوا زجراً ولا لوماً، لا عنيفاً ولا خفيفاً.

وحتى حينما ظهرت بعض التجاوزات من حيث الأدب واللياقة، فإن القرآن الكريم هو الذي نزل ينبه على الأدب اللازم في مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم،  $pkš‰r’¯»tƒâ tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä Ÿw (#þqãèsùös? öNä3s?ºuqô¹r& s-öqsù ÏNöq|¹ ÄcÓÉ<¨Y9$# Ÿwur (#rãygøgrB ¼çms9 ÉAöqs)ø9$$Î/ ̍ôgyfx. öNà6ÅÒ÷èt/ CÙ÷èt7Ï9 … á ([18])

وهذه مجرد آداب تتعلق بطريقة الخطاب، وليست منعاً ولا كبتاً لحرية التعبير التي ظل الصحابة يمارسونها بحضرة النبي الكريم وتجاه بعض تصرفاته وتدابيره حتى آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، حين تحفظوا على توليته أسامة بن زيد قيادة الجيش، وهو دون العشرين، فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن بين لهم خطأهم، وأن أسامة جدير بقيادة الجيش، وأن القرار في محله. قال عليه السلام:  “إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمرة، وإن كان لَمِنْ أحب الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحب الناس إليّ بعده.”([19])

وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ بآرائهم المعارضة إذا أشاروا بها وظهر صوابها ووجاهتها. والأمثلة على هذا كثيرة في كتب الحديث والسيرة. من ذلك، ما جاء في صحيح مسلم:  “لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  افعلوا…فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قلُّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعلّ الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  نعم..فدعا…” ([20])

والمقصود  من هذا هو أن الشورى والحرية شيئان متلازمان يعضد أحدهما الآخر، ويتوقف أحدهما على الآخر، وأن ما قد يقع في ثناياهما من أخطاء في الرأي أو الأدب لا يضر، لأن الدواء نفسه يوجد في الحرية والشورى.

7ـ تنمية القدرة على التفكير والتدبير

الشورى مدرسة للتربية والتعليم، والتدريب والتأهيل. فإضافة إلى ما تقدم من مقاصدها وفوائدها، فإن الشورى تتيح لجميع المستشيرين والمستشارين فرصا عملية ودروساً تطبيقية لتنمية ملكاتهم الفكرية وخبراتهم الميدانية. فالتشاور بحث ونظر وتعلم وتفهم، واكتساب للتجارب والخبرات.

فالشورى تجعل المنخرط فيها يفكر في أمور وقضايا ربما لم يفكر فيها، أو ما كان ليفكر فيها، لولا الشورى. وربما لو فكر فيها وحده، أو عالجها وحده، لكان ذلك بشكل مختلف وبمستوى دون المستوى التشاوري.

ومن هذا الباب نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشير الصحابة في أمور قد تكون واضحة عنده، ولكنه يستثير بها تفكير الصحابة، وينتقل بهم إلى درجة أعلى من الفهم والتقدير، أو نقول: يشاورهم ليعلمهم ويرقي مداركهم. من ذلك هذا المثال الذي ذكره أبو الوليد الباجي:  “روي أنه صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في عقوبة الزنى والسرقة. فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: هن فواحش، وفيهن عقوبة” قال الباجي:  “فلولا أنه وإياهم مأمورون بالاجتهاد فيما نزل([21]) مما لا نص فيه، لم يكن للمشاورة في عقوبة من لم ينزل بعقابه نص وجه…” ([22])

وهكذا كلما تكررت الشورى وتراكمت فوائدها المعرفية والفكرية والعلمية لدى الأفراد، وكلما اتسعت وشاعت في صفوف المجتمع ومجالات الحياة، فإنها تعطي في النهاية عدداً واسعاً من ذوي الاهتمام والفهم للأمور، ومن ذوي الخبرة والمهارة في المعالجة والتدبير للمشاكل والتحديات وسائر متطلبات الحياة.

وإن من تكريم الله للإنسان، أن ترك له مجالات واسعة في دينه، ومجالات أوسع في دنياه، يمكن تدبير شؤونها وحل إشكالاتها، من خلال الجهد والاجتهاد البشري. وأرقى صور الاجتهاد البشري، وأرشدها وأهداها سبيلا، هو الاجتهاد الشوري. بل إن الاجتهاد الشوري الميداني هو أفضل طريق لتأهيل العقل البشري وترقيته في مراتب الاجتهاد والتفكير السديد.

وحتى علماؤنا، وكبار علمائنا، فإنهم إذا لم يكتسبوا علم الحياة وعلم الواقع، وعلم النوازل والوقائع، والعلم بالقضايا الحقيقية الميدانية، فإنهم عادة ما يبقون على قدر كبير من السذاجة والغفلة، ومن الضعف الفكري والعلمي أيضا، ويظلون في أمس الحاجة ـ لكي ينتفعوا وينفعوا بعلمهم المحفوظ ـ إلى الخوض والمعاينة والمناقشة لقضايا واقعهم ومجتمعهم وزمانهم، والانخراط في الشورى وفي الهيئات الشورية،([23]) هو أفضل المداخل لتحقيق ذلك. وهذا ما ينطبق على سائر الناس، كل حسب موقعه ودرجته ومجاله.

8ـ تقوية الاستعداد للتنفيذ والتأييد

القرارت والتكاليف والتدابير التي تنبثق عن تشاور وتراض، وتكون على قدر كبير من التوازن والموضوعية، يتلقاها الناس عادة بالحماس والرغبة في تنفيذها وإنجاحها وتحمل متطلباتها، لأنها تتمتع بالمشروعية والمصداقية، ولأن الناس يحسون أنها منهم وإليهم، لأنها صدرت عن مشورتهم أو مشورة من يمثلونهم وينوبون عنهم. وحتى من لا يكونون مكلفين بتنفيذها، فإنهم ينخرطون في تأييدها والدفاع عنها.

وأما القرارت والتدابير والتكاليف الانفرادية، أو الاستبدادية، فإنها في أحسن الحالات، تتلقى بالفتور واللامبالاة، وقد يصل الناس إلى حد التملص منها أو مقاومتها أو الطعن فيها، سرا أو علانية، مع تنفيذ رديء متلكئ، عند من يضطرون لتنفيذها.

9ـ الألفة والوحدة

الشورى ـ كما سبق ـ تعطي أعلى درجات المشروعية والمصداقية، للولايات العامة، ولمن يتولونها، ولما يصدر عنها من اجتهادات وقرارات. وهذا ما يحقق عادة درجات عالية من الرضى والتسليم والاطمئنان. وقد قرن الله تعالى بين التشاور والتراضي في قوله 🙂عن تراض منهما وتشاور( ([24]). قال العلامة ابن عاشور:  “فإن التشاور يظهر به الصواب ويحصل به التراضي”([25]). وقد تقدم قول ابن العربي “الشورى ألفة للجماعة”.

وهذا المعنى موجود أيضا في آية آل عمران، حيث تمت المقابلة بين انفضاض الناس وانصرافهم عن الرسول لو كان فظا غليظ القلب معهم، وبين ضد ذلك، وهو العفو عنهم والاستغفار لهم ومشاروتهم. فالفظاظة والغلظة تفرق الناس وتنفِّرهم، والعفو والاستغفار والمشاورة تجمعهم وتؤلف بينهم.

وقديما نقل عن بعض علماء السلف تعليلهم لقوله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم )وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ( بأنه إنما أمره بذلك “تطييبا لنفوسهم ورفعا من أقدارهم”، وقد رفض الجصاص هذا القول، ورد عليه بقوة. ومما قاله في ذلك:  “وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله، لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شوروا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه، ثم لم يكن ذلك معمولا عليه ولا متلقى منهم بالقبول بوجه، لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم ولا رفع أقدارهم، بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول عليها. فهذا تأويل ساقط لا معنى له.“([26])

وعندي أن تطبيب النفوس وتأليفها غرض صحيح وثمرة ثابتة من ثمرات الشورى، لكنه مقصد لا يلغي المقصد الأول والأساس، وهو ظهور الصواب والعمل به، بل هو تابع له وأثر من آثاره.

فإذا كان الناس أمورهم شورى بينهم، وكان ولاة أمورهم يشاورنهم في شؤونهم ويأخذون بعين الاعتبار آراءهم، فهذا من أعظم أسباب الألفة والوحدة والتماسك. وبسبب غياب ذلك تدب الفرقة والتفكك والانقسام.. وحتى لو أمكن تحقيق الوحدة أو المحافظة عليها بالقوة والقهر وبأسباب أخرى، فإنها تكون بدون ألفة وبدون تراض، ولا بد أن تؤول إلى التفكك والتفرق الانقسام والتمرد، ولو بعد حين.

10ـ تحمل التبعات السيئة

وأعني بها النتائج والمآلات اللاحقة، التي تنجم عن قرار ما أو تدبيرما، وتكون سيئة أو وخيمة أو ضارة أو مرهقة في آثارها. وقد تكون هذه المآلات بسبب خطأ في القرار المتخذ أو التدبير المعتمد، وقد يكون ذلك لأسباب طارئة وخارجة عن القرار، وفوق إرادة أصحابه وتدبيرهم.

وفي جميع الحالات، فإن الناس يتبرؤون من هذه النتائج والتبعات ويتهربون من تحملها، إذا كان القرار قد اتخذ بصفة انفرداية وبطريقة استبدادية. ويحملون تبعاته لمن اتخذه وسار عليه. بل تزداد نقمتهم عليه، وتتضاعف الآثار السلبية المنعكسة على معنويات الناس وعلاقتهم بمسؤوليهم ممن تسببوا في اتخاذ القرار ومن نفذوه ومن أيدوه…

أما في حالة القرار الشوري والتدبير الجماعي، فيكون المسؤول ومن معه قد فعل ما يجب عليه، وتحرى ما يمكن تحريه،وأشرك معه أولي الأمر وأصحاب الاختصاص. واحتاط لنفسه ولجماعته. وبهذا يحس الناس أنهم ـ بشكل أو بآخر ـ كلهم قد شاركوا في اتخاذ القرار المتخذ، وكلهم مسؤولون عنه وعن تبعاته. فلذلك ينخرطون باقتناع وطواعية في تحمل التبعات واقتسام كلفتها المادية والمعنوية. وفي هذا المعنى يقول الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس: “والشورى توزيع للمسؤولية، فلا تقع نتيجتها على كاهل واحد بعينه، بل يتقاسم حلوها ومرها الجميع، فلا يتلاوم الناس ويتدابرون وتشاجرون إن كانت نتيجة الشورى سلبية لا تسر.” ([27])


([1]) أحكام القرآن 2/41

([2]) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي  7/206

([3]) أحكام القرآن 4/91

([4]) كتاب السياسة، أو الإشارة في تدبير الإمارة، ص61 ـ 62

([5]) سورة فصلت، 34

([6]) سورة الإسراء، 53

([7]) سورة الزمر، 18

([8]) سورة المدثر، 37

([9]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 15/194

([10]) سورة العلق، 6

([11]) سورة غافر، 29

([12]) سورة الزخرف، 54

([13])  سورى العلق، 6-7

([14])  أحكام القرآن للجصاص 2/40

([15]) العلي، إبراهيم. صحيح السيرة النبوية، ص361

([16]) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قوله تعالى “ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم”

([17]) أول سورة المجادلة

([18]) أوائل سورة الحجرات

([19]) انظر الصحيحين، فضائل الصحابة “مناقب زيد بن حارثة”

([20]) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات على التوحيد دخل الجنة.

([21])     أي فيما وقع.

([22])     إحكام الفصول في أحكام الأصول، ص575.

([23])     أقصد الهيئات الشورية بأوسع معانيها، وبكل أشكالها ومستوياتها ومجالاتها، وليس فقط الهيئات السياسية أو الهيئات الرسمية.

([24])  سورة البقرة 233

([25])  التحرير والتنوير 2/438

([26])  أحكام القرآن 2/40ـ 41

([27]) الشورى والاجتهاد الجماعي، ص35

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى