ضيف الموقع

ضعفاء الدعوة، الطاقات الكامنة..من يحركها؟! / آدم الجماعي

بسم الله الرحمن الرحيم

ضعفاء الدعوة

طاقات كامنة.. مَن يُحركها؟!

آدم الجماعي

مدرس في معهد الإمام البيحاني الثانوي ـ مدينة إب.

التقييم التربوي والدعوي للعاملين في الدعوة إلى الله مهمةٌ شاقة، وإغفاله خطأ فادح.. لأن إدراك أحوال العاملين في مواطن الدعوة وثغورها يُساهم في نجاح القيادة التربوية والدعوية في أهدافها من خلال توزيع المهام لأهلها، وتوظيف الدعاة في ما يقدرون عليه، واصطفاء النجباء، وتعزيز القوة لدى الضعفاء. بحيث تتحرك الطاقات والقدرات على اختلاف قوتها وضعفها في اتجاهٍ واحد، وبقوة جماعية متكاملة.

وبالعكس تتشتَّت الجهود، ويتعثر البعض في مهامه، ويُهمِل آخرون، ويحصل الخلل، وتَتجمَّد بعض الطاقات أو تندثر داخل الحقل الدعوي، وربما تتآكل أعضاؤه لعامل الصراع الداخلي بين العاجزين والقادرين، وتموت بعض الخلايا الحيّة لضعف ما حولها من الخلايا غير الفاعلة، وتدخل أمراض التذمُّر والشكوى والاتهامات والظنون بين العاملين.

وبصورة واقعية أكثر: ينتمي إلى العمل الدعوي بعض الأفراد ويجدون أنفسهم في مواقع ضعيفة (حُراساً، أو سائقين، أو أمناء مخازن، أو عُمال تنظيف، أو موظفي استعلامات، أو مسئولي ضيافة..). وآخرون يضعفون أمام القيادة بأخطاءٍ وقعوا فيها، أو ذنوبٍ اقترفوها، أو بسبب طبائعهم الرقيقة التي جعلتهم منطوين على ذواتهم ولم يظهروا على السطح.. وغير هؤلاء بعض تلاميذنا عندما يرسبون في بعض المقررات الدراسية، أو يحصلون على نِسب ضعيفة، أو تقف أمامهم عوائق مادية واجتماعية فينقطعون… كل هؤلاء وغيرهم قد نَصرف وجوهنا عنهم من حيث لا نشعر، ولا نعيرهم الاهتمام، وقد يشغلنا عنهم بروز النجباء، وتفوق ذوي الكفاءات والنِّسب العالية، وتَظاهُر الحرَكيين.. حتى نشعر بالاستغناء عن الضعفاء فنؤخرهم. مع أن وظيفة الدعاة أن يستثمروا القادرين، ويحركوا الخاملين، ويحملوا العاجز على النهوض، ويفتحوا مع المخطئ صفحة جديدة، ويأخذوا بأيدي المتساقطين أمام الظروف القاهرة!!.          

دلالة الضعف في اللغة:

الضعف خلاف القوة، والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال. كقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].

وقوبل بالاستكبار في قوله:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 75].

وقيل: الضُّعف [بالضم]: والضُّعف في العقل والرأي، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} [البقرة: 282]([1]).

والضَّعْفَة: ضَعْفُ الفؤاد، وقلة الفطنة([2]).

والضِّعْف: هو من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر، كالنصف والزوج. وهو تَركُّب قدرين متساويين، ويختص بالعدد. فإذا قيل: أضعفت الشيء، وضعفته، وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعداً. ولهذا قرأ أكثرهم:{يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30]، {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}[النساء: 40]. وعلى هذا قول الشاعر:

(جزيتك ضِعف الود لما اشتكيته *** وما إن جزاك الضَّعف من أحدٍ قبلي) ([3]).

مفهوم ضعفاء الدعوة:

لا نعني بالضعيف في الدعوة أنه مطعون العدالة أو ناقص الإيمان. وإنما نريد الضعف الطبعي والإنساني بحسب المعاني الآتية:

1) ضعف الإرادة والقدرة: لعل أقرب الشواهد إلى هذا المعنى حديث أبي هريرةt، قال: قال رسول اللهr: (المؤمن القوي، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)([4]).

فمن الناس من يعجز أمام بعض الأعمال والتكاليف، ويعود هذا العجز لضعف قدراته النفسية والمهارية. وقد يكون الضعف دائمٌ فيه، وقد يكون حالة نادرة يحتاج إلى تقوية وتحريك.

2) الغرباء بأحوالهم، والمنطوون على ذواتهم: وهي حالة طبعية وسلوكية هادئة ليست مذمومة على الإطلاق، لما جاء عن معاذ بن جبلt، عن النبيr قال: (ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: كل ضعيف أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره)([5]).

وعن سهل بن سعدt ، قال: مر رجل على رسول اللهr، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: رجل من أشراف الناس؛ هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين؛ هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول اللهr: (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)([6]).

فهذا النوع من الناس لا يحب التظاهر بالعمل طبعاً أو تعبُّداً، ولا يحرص على كسب محامده من الناس، ويرى نفسه أقلّ من أن يُذكر به، ويكره أن يُحمد بصنائع غيره مِمَّن أعانوه على القيام بالأمر لأنه يراهم شركاؤه فيه ولعلهم أولى به منه. وعند التحقيق: نجد أن هؤلاء أقوياء وليسوا ضعفاء لأنهم صانوا أنفسهم من أمراض الظهور.. بينما سميناهم ضعفاء في اصطلاح أهل الظاهر!.  

3) الاستكانة الفطرية، ورقَّة الطبع: وهذا المعنى قريبٌ من الذي قبله إلا أن أهله غير منطوين ذاتياً فاستثنيناهم، وجاء في هذا المعني حديث أبي هريرةt عن النبيr، قال: (أتاكم أهل اليمن، أضعف قلوباً، وأرق أفئدة، الفقه يمان والحكمة يمانية)([7]).

وفيه رواية: (جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة، وأضعف قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية. السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين، أهل الوبر، قِبل مطلع الشمس)([8]).

4) ندرة الرأي والمشورة: عندما ينأى الداعية بنفسه عن المبادرة بإبداء الرأي، ويغيب عن المشورة فقد اختار لنفسه مكان الضعف، وهذا لا يعني أن رأيه غير مقبول، أو أن مشورته ناقصة..  قال تعالى في مثل هذا التصور السطحي: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}[هود: 27]. فقومهم ظنوا أن ضعفهم يستلزم فساد رأيهم لندرته أو لنقصان مشورتهم، وهذا السياق أفاد إبطال هذا الظن، وحسبوا أن عدم مشورتهم أوقعهم في الخطأ! وهذا وهمٌ باطل.  

قال الزجاج: قوله: (بادي الرأي) أي: اتبعوكَ ابتداء الرأي، أي حين ابتدأوا ينظرون، وإذا فكروا لم يتبعوك([9]).

وقال ابن كثير: “هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تروِّ منهم ولا فكرة ولا نَظَر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك”([10]). فهم استهجنوا متابعتهم لنوحu فشمتوا بهم لأنهم من ضعفاء القوم، “ولكنهم من أزكياء النفوس ممن سبق لهم الهدى”([11]). وجهلوا أن ضعف الرجل بموقعه الاجتماعي لا يعني ضعف رأيه وخطأ تصرفاته.

5) قلَّة الإنتاج والعمل: الكثير من الدعاة يعملون بجهدهم وقدراتهم الطبيعية، وعلى قدرها يكون إنتاجهم. وهي معادلة صحيحة، لقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}[الإسراء: 84]. قال مجاهد: على حِدَّته وطبيعته([12]).

وقال تعالى:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[التوبة: 79].

عن ابن عباسt: إن رسول اللهr خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم: أنْ اجمعوا صدقاتكم. فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاعٍ من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر بتُِّ ليلتي أَجُرُّ بالجرير الماء حتى نِلْت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر. فأمره رسول اللهr أن ينثره في الصدقات. فسَخِر منه رجال، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا([13]). وهذه الصورة تستدعي النظر إلى العاملين على قدر طاقاتهم، والحكم على ما يقدمونه بحسب قدراتهم الطبيعية.

وهناك حالات ضعفٍ أخرى، مثل: الوقوع في أخطاء دعوية سالفة، أو المخالفة بالمواقف والآراء والقناعات.. لأن هذه الحالات تُضعِف جانب أصحابها أمام القيادة الدعويَّة، وجمهور الدعاة العاملين. وهي حالات ومظاهر تستوجب الرعاية، وعدم الانقطاع عنهم، ومحاولة الاقتراب منهم أكثر وأكثر لتفهُّم ظروفهم والأخذ على أيديهم.   

  • الأساليب التربوية في رعاية ضعفاء الدعوة:

روى ابن عباسt عن أبي سفيان بن حربt قال ـ في سياق كلام هرقل ـ: (فضعفاء الناس اتبعوه أم كبراؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل)([14]).

قال ابن كثير: “الواقع غالباً أن ما يَتبع الحق ضعفاءُ الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته… لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروِّي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق ـ والحالة هذه ـ لكل ذي زَكاء وذُكاء، ولا يفكر وينـزوي هاهنا إلا عيي أو غبي”([15]).

ولتأكيد رعايتهم قال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[الكهف: 28].

هكذا الدعاة إلى الله لهم  قلوبٌ تُشعُّ رحمةً ورِقَّة، وطباعٌ لَيِّنة تسيل سماحةً وشفقة. تعلموا أن بكل ذي كبدٍ رطبٍ أجر، وعقلوا أن الله تعالى استرعاهم في  الحيوانات فلم يُجيعوها ولم يُتعبوها، ليركبوها صالحة ويتركوها صالحة.. وقد كان النبيr وأصحابه خير مثال لرعاية أمثال هؤلاء الضعفاء في جوانب متعددة منها:

أولاً: تقوية ضعفهم برابطة الأخوة: كما آخى النبيr بين المسلمين في مكة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار في المدينة، ومزج المَوالي والعبيد في رابطةٍ أخوية مع الأحرار. بل كان النبيr بينهم بمقام الأب والأخ والمربي. وانتزع من قلوبهم الشعور بالوحشة والغربة.

ثانياً: تعزيز الثقة بأنفسهم، أمام الآخرين: قال أنس بن مالكt: بلغ صفية أنّ حفصة قالت لها: ابنة يهودي. فدخل عليها النبيr، وهي تبكي, فقالr: وما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة: أني بنت يهودي!. فقال النبيr: “إنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي فبم تفخر عليك”, ثم قالr: “اتق الله يا حفصة”([16]). وكان في هذا التوجيه رفعٌ لمعنويات صفية أمام ضرتها حفصة رضي الله عنهن.

وقال سهيل بن عمرو: وقفنا على باب أمير المؤمنين عمرt مع وجوه قريش وسادات العرب وقد حُجِبوا، فخرج آذِنُ عمر، يقول: أين بلال؟ أين عمار؟ أين صهيب؟. فينهض هؤلاء الموالي مُكرَّمين ويُحجب أولئك!. فرآهم سُهيل بن عمرو، وقد تمعّرت وجوههم، فقال لهم: مالكم تتمعّر وجوهكم، هؤلاء قوم دُعوا ودُعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن غَبطُتهمُ اليوم بباب عمر، لَمَا أعدّ الله لهم غداً في الجنة أفضل”([17]). وهذا الأسلوب من أمير المؤمنين الفاروق هو تعزيز لهم أمام وجهاء وسادات قريش.

ثالثاً: توظيفهم في المكان المناسب، وعدم تحميلهم من العمل ما لا يطيقون: ومن هذا القبيل ما جاء عن أبي ذرt، قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟، قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)([18]). ولا يُحمل هذا على ضعف المسئولية مطلقاً وإنما لأن الشفقة على الرعية قد تحمل سفهاءهم على الجرأة على سلطان الوالي. ولعل هذا يفسره قول عمرt: “غلبني أهل الكوفة، أستعمل عليهم المؤمن فيضعُف، وأستعمل عليهم القوي فيفجُر”.

رابعاً: الانبساط لهم والسماع إليهم، حتى يُعبِّروا عما في أنفسهم: كتب أمير المؤمنين عمرt إلى أبي عبيدةt أما بعد: “فإني كتبت إليك بكتاب لم آلُك ولا نفسي فيه خيراً؛ إلزم خمس خلال يسلم لك دينك، وتحظى بأفضل حظك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيّنات العدول، والأيمان القاطعة، ثم ادن الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجترئ قلبه”([19]). وهذا التوجيه يُعيد حساباتنا أمام أساليب القمع للتلاميذ في الحلقات والمراكز عندما يغيبون أو يخطئون ويخالفون ولا نسمع منهم الأعذار إن لم نتقبلها لاسيما التلاميذ من ضعفاء القلوب.  

خامساً: مراعاة معنوياتهم وأحوالهم في الأعمال المشتركة: غالباً تتفاوت القدرات والطاقات في الأعمال الجماعية المشتركة، فيعجز البعض ويتجلد آخرون.. فربما نحمل الضعفاء على طاقة الأقوياء فنكلفهم من العمل ما لا يطيقونه. قال عبد الله بن عمرt: لما حاصر رسول اللهr الطائف، فلم ينل منهم شيئاً، قال: إنا قافلون إن شاء الله. فثَقُل عليهم، وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟!. فقال: اغدوا على القتال.. فغدوا. فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غداً إن شاء الله. فأعجبهم. فضحك النبيr)([20]). فراعى في كلا الأمرين معنوياتهم وأحوالهم، ولم يغلبهم على معنويات الأقوياء، أو يقسرهم على عزيمته بنفسهr.

وعن جابر بن عبد اللهt قال: خرج رسول اللهr عام الفتح صائماً حتى أتى كراع الغميم والناس معه مُشاة وركباناً، وذلك في شهر رمضان. فقيل: يا رسول الله إن الناس قد اشتدَّ عليهم الصوم، وإنما ينظرون كيف فعلت؟. فدعا رسول اللهr بقدح فيه ماء فرفعه فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس وأفطر البعض، حتى أُخبر النبيr أن بعضهم صائم، فقال رسول اللهr: أولئك العصاة([21]).

ولما كانت الصلاة هي العمل التربوي التي ينعكس عليها سلوك الأفراد في المجتمع، فإن الاهتداء بأحكامها وتشريعاتها هو النموذج الإيماني لتطبيقه في السلوك الاجتماعي بكل شؤون الحياة. وقد ثبت عن ابن مسعودt، أن رجلاً، قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول اللهr في موعظة أشد غضباً منه يومئذ، ثم قال: (إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)([22]).

وهذا قانون يسري بتشريعاته على مختلف الأعمال والوظائف المؤسسيَّة لاسيما مجال الدعوة إلى الله تعالى. ولعل ظاهرة التأخُّر والإحجام من أخذ التكاليف تعود بأصلها إلى عدم التجوُّز بالمهام والأعمال وساعات الدوام وأعباء التكاليف المملَّة.    

سادساً: التدرج في تكليفهم أو تعليمهم: قال حذيفةt: (لقي النبيr جبريل وهو عند أحجار المراء، فقال: إن أمتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم، ولا يرجع عنه). وبمعناه رُوي عن ابن مهدي: (إن من أمتك الضعيف، فمن قرأ على حرفٍ فلا يتحوَّل منه إلى غيره رغبةً عنه)([23]). ويجري على هذا الأصل القياس في كل جوانب التعليم والعمل؛ لأن مقصده التخفيف على الضعيف.

سابعاً: إعانتهم على إزالة ما يُعيقهم ليتحولوا إلى أعضاء فاعلين: ويمكن الاكتفاء بمثال واحد من القصة الطويلة لسلمان الفارسيt، وكيف حمله النبيr على الخروج من ضعفه، ومما جاء في آخرها: (..شَغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته مع رسول اللهr بدر وأُحد. قال: ثم قال لي رسول اللهr: (كاتِبْ يا سلمان!) فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أُحييها له بالفقير، وبأربعين أوقية، فقال رسول اللهr لأصحابه: (أعينوا أخاكم) فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشر، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى إذا اجتمعت إليَّ ثلاثمائة ودية، قال رسول اللهr: (اذهب يا سلمان فَقِّر لها، فإذا فرغت فائتني فأكون أنا أضعها بيدي). قال: ففَقّرت لها وأعانني أصحابي!، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول اللهr معي إليها، فجعلنا نُقرب إليه الودي ويضعه رسول اللهr بيده، فو الذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة، فأدّيت النخل وبقي عليَّ المال. فأُتِيَ رسول اللهr بمثل بيضة دجاجةٍ مِن ذَهب مِن بعض المغازي. فقال: (ما فعل الفارسي المكاتب؟). قال: فدُعيتُ له، فقال: (خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان). قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول اللهr مما عليّ؟ فأخذه رسول اللهr فَقلَّبها على لسانه [لِلبرَكة بريقِه]. ثم قال: (خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك). قال: فأخذتها فوزنت لهم منها.. والذي نفس سلمان بيده: أربعين أوقية!. فأوفيتهم حقهم وعُتقتُ، فشهدت مع رسول اللهr الخندق، ثم لم يفُتني معه مشهد)([24]).

 هكذا عندما يجد ضعفاء الدعوة مَن يحملهم سينجحون ويأخذون مواقعهم بإذن الله، طالما كان القادة آباءً للمعوزين، وكهوفاً لذوي الهموم والمتاعب.. وهذا هو الشأن العظيم عندما يشعر الفرد وأي فرد! بأن قائده يعيش معه مشاعره العميقة، ولا تشغله ملاحقاته الإدارية عن أن يسأل عن وضعه وظروفه، فيقول له: (كاتِب يا سلمان!). فيدله على تدبير أمره، ويُسانده، ويحث إخوانه على ذلك، ويُشرف على مراحل تأهيله، حتى لو غاب لمشاغله سأل عنه النبيr، وإن جاءه شيءٌ يمكنه مساعدته به احتفظ به له، وسأل عنه حتى يلقاه ثم يعطيه خبيئته.. وأعظم من هذا أن يشاركه العمل والجهد فيغرس معه ثلاثمائة نخلة بيده الشريفةr!.   

 ثامناً: تجريبهم بأكثر من عمل: لا بد من سياسة التوظيف الناجحة، بحيث لا نزهد بأي عضوٍ داخل هذا الحقل، ونعمل على استثماره بما أمكن. جاء في حديث أبي هريرةt قال: قال رسول اللهr: (طوبى لعبدٍ آخذٌ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسه، مغبرةٌ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يُؤذَن له، وإن شَفِع لم يُشفَّع)([25]). يفيد الحديث أن هذا العبد ضعيف؛ لأنه في الواقع مِمَّن لم يُؤذَن لهم، ولم تُقبَل لهم شفاعة لعدم حضورهم المقبول في الجماعة!. لكن عندما يُجرَّبوا في مؤخرة الأعمال كالحراسة نجدهم ينجحون، وإذا حولناهم إلى أنشطة أخرى في الساقة أو المقدمة ينجحون. لكن السؤال المهم: مَن يكتشف لنا هذه الأفئدة الرقيقة، والطاقات الكامنة؟!.

المشكلة لدينا: أننا نتعامل مع هذا النوع من الشباب بظاهرية جافّة عندما يَستأذنون فلم نمنحهم الإذن؟ ولم نتساءل معهم لماذا يستأذنون؟. لو سألناهم لعلهم يرغبون بالتحوُّل لعملٍ آخر يرون فيه رغبتهم بالإنتاج والعمل! فسيكون خيراً لنا ولهم.

بل يبقى أن نفهم جيداً: أنَّ سلوكَهم اللطيف بالاستئذان هو بحدّ ذاته دليلٌ على معدنهم الطيب؛ فهم لم يغادروا العمل بدون إذن؛ لأنهم منضبطون ويعرفون سلوك الامتثال جيداً.

ولصفةٍ أخرى كريمة فيهم: أنهم يَقبلون الرجوع إن لم يُؤذَن لهم ولا يتذمرون لأنهم يشعرون بأداء الواجب على قدر ضعفهم!!. إذن سنكتشف أن بيننا عظماء يقبعون في هامش الدعوة وزواياها نحسبهم ضعفاء ـ والله حسيبهم ـ!.

والمشكلة الأخرى: أنْ يأتينا ضعفاء الدعوة بشفاعاتٍ حسنة في مبادرة أخويّة فنردّهم بعدم القبول. ولم نُعِرْهم أيَّ اهتمام!. وكان الأولى بنا: أن نعرف أن هذا النموذج الأخلاقي والأخوي الماثل أمامنا بشفاعاتهم الحسنة دليلٌ على أنهم يتمتعون بروحٍ مشاعرية تجاه الآخرين فأرادوا أن يرفعوا من ضعف إخوانهم لعله يصلح أمرهم.

والمبادرة بشفاعة تعني: أن هذا الرجل الضعيف! الذي ذابت حظوظه الشخصية عند حظوظ مَن هو أضعف منه.. كان يمتلك الرغبة الصادقة في تقديم المعروف والخير لإخوانه الضعفاء. بل جاء إلينا يحمل هموماً نحن مَن يتحمَّل مسئوليتها فأعذر إلى الله بواجبه تجاه من هو أضعف منه، وألقى بثِقَل التبعة علينا ورفعها عن كاهله. ولم يُحزنه أنه لم تُقبل شفاعته أبداً لأنه فعل الواجب المقدور والميسور له.. فكان هو: سيد الموقف النبيل!!.

تاسعاً: تأمين حق الضعيف، وإعانته في أمره، وإفساح المجال له بالعمل: كان أول قرار أصدره أبوبكر الصديق بعد استخلافهt، هو قوله: (أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق)([26]). وعن جابرt قال: (كان النبيr يتخلّف في المسير فيُزجي الضعيف ويُردف، ويدعو لهم)([27]). أي يحمل مع الضعيف متاعه، ويُركبه على ناقته. بل ربما كان يمشي في الأسفار بمشية الضعيف ويتفقد المعرِّسين في المؤخرة. ومما اشتُهر من الآثار: (الضعيف أمير الرَّكب)([28]) أي: أنّ المسافرين يسيرون بسيره ولا يتركونه، ويحيطونه بالاهتمام والخدمة كالأمير.

وكتب عمر بن الخطابt إلى أبي موسى الأشعريt: أنه لم يزل للناس وجوهٌ يرفعون حوائج الناس. فأَكرِم وجوهَ الناس، فبحسب المسلم الضعيف من العدل أن يُنصَف في الحكم والقسمة([29]).

هذه إشارات لعل بها تنبيهاً وتذكيراً للعاملين في الدعوة أن يُحسنوا رفادة هذه القلوب، حتى لا ينخدعوا بإهمال هذه الشريحة بدعوى تقديم الأولى والأجدر، لأن مقام الدعوة يسع الأصناف الصالحين على اختلاف مستوياتهم وقدراتهم، والواقع يشهد بأن الله تعالى ينفع بهؤلاء ببعض الأعمال ما لا ينفع بغيرهم. ولأن الفرد الواحد لا يجوز التقصير به بأي حال إذ الغرض الأسمى تعبيدهم لله تعالى، وأما قَصر النظر في تسخيرهم وتوظيفهم فهو أمر زائد عن هذا الهدف الكبير.

والله يتولى الجميع بالعون والسداد.


([1]) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: (ص507).

([2]) لسان العرب، ابن منظور: (9/ 204).

([3]) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: (ص507ـ 508).

([4]) صحيح مسلم: (4/ 2052، حديث رقم 2664).

([5]) صحيح مسلم (4/2190، حديث رقم2853)

([6]) صحيح البخاري (7/ 8، رقم 5091، ورقم 6447).

([7]) صحيح البخاري: (5/ 174، حديث رقم 4390).  

([8]) صحيح مسلم: (1/ 73، حديث رقم 52).

([9]) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج: (3/ 47).

([10])  تفسير ابن كثير، تحقيق: سامي سلامة: (4/ 316).

([11]) ابن عاشور، التحرير والتنوير: (12/48، سورة هود).

([12]) تفسير ابن كثير، تحقيق: سامي سلامة (5/113).

([13])  تفسير ابن كثير، تحقيق: سلامة: (4/186).

([14]) صحيح البخاري: (1/8، حديث رقم 7).

([15]) تفسير ابن كثير، تحقيق/ سامي سلامة: (4/316، سورة هود).

([16]) مسند أبي يعلي: (حديث رقم 3437)، ومصنف عبد الرزاق: (حديث رقم20921)، والترمذي في سننه: (حديث رقم 3894) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

([17]) تثبيت دلائل النبوة، عبد الجبار الهمذاني: (2/ 318).

([18]) صحيح مسلم: (3/ 1457، حديث رقم 1825).

([19]) الإشراف في منازل الأشراف، ابن أبي الدنيا: (رقم237).

([20]) صحيح البخاري: (5/ 156، حديث رقم 4325).

([21]) السيرة النبوية لابن كثير (3/ 542).

([22]) صحيح البخاري (1/ 142، رقم 702).

([23]) مسند الإمام أحمد: (رقم 23273) وإسناده ضعيف. وحسن إسناده الأرناؤوط بطرق أخرى.

([24]) سير أعلام النبلاء، الذهبي: (1/511).

([25]) صحيح البخاري: (4/ 34).

([26]) كنز العمال، الهندي: (5/ 607).

([27]) كنز العمال (7/ 101).

([28]) أورده ابن منظور في لسان العرب (مادة: ضعف)، ولم أقف له على سند.

([29]) الأشراف، لابن أبي الدنيا: (رقم237).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى