مقالاتمقالات أخرى

الأَسامي والألقاب والكُـنى بين التعريف والتمويه

الأَسامي والألقاب والكُـنى بين التعريف والتمويه
[هذا المقال فيه قليل من التفقه، وكثير من التفكه.
وحسب تعبير الشاطبي: فيه قليل من العلم، وكثير من مُلح العلم]
أ.د/ حمد الريسوني

من المعلوم أن أسماء الأشخاص وُضعت واستُعملت لتسهيل معرفتهم والتعريف بهم وتعريفهم بأنفسهم، وتمييزهم عن غيرهم. فإذا قيل: أنا فلان، أو ذلك فلان، أو تلك فلانة.. عُرف الشخص المتحد عنه، أو المستفسر عنه، بكلمة واحدة أو كلمتين.
ولهذا الغرض أيضا قد تستعمل الأنساب أو الألقاب أو الكُـنى، فالناس إذا تعدد عندهم اسم محمد، أو أحمد، أو عبد الله، أو خالد، عمدوا إلى استعمال نسب الشخص؛ فيقال: ابن فلان، وبنت فلان، أو الفلاني والفلانية (نسبة إلى عشيرة أو قبيلة أو منطقة جغرافية). وأحيانا يطلقون على بعضهم أوصافا ذاتية أو مهنية، ولا يتجاوزونها: كطاووس، والأعرج، وأشهب، والنجار، والباقلاني، والذهبي. وقد يقتصرون على الكُنية، متى ما اشتهرت وصارت أسرع في التمييز والإفهام، وذلك باستعمال الإضافة إلى الابن، أو إلى صفة، أو أي شيء ذي صلة بالشخص المكنَّـى. من ذلك: أم الخير، وأبو زرع، وأم زرع، وأم هانىء، وأبو هريرة، وأبو سلمة، وأم سلمة، وأبو يوسف.. فإذا ذكرت الكنية – وكان صاحبها معروفا بها – كفتْ وأغنت عن غيرها. وقد يقال: ابن فلان، فيغني ذلك عن اسم الشخص وكنيته ولقبه وغير ذلك؛ كابن عباس، وابن مسعود، وابن سيرين، وابن القاسم، وابن العربي، وابن رشد.
وفي جميع الحالات، فمن تميز بشيء معين من هذه الأسماء والألقاب والأنساب والكنى، أغناه وأغنى الناس عن غيره من الزيادات، بعد حصول المقصود، إلا في حالة الالتباس بين الأسماء المتشابهة، فيضاف ما يرفع الالتباس.. وأفضل الأسماء ما قل ودل.
وكلنا نعلم أن عامة الرسل والأنبياء، والصحابة والصحابيات، والأئمة وكبار العلماء: إنما يُسمَّوْن ويُذكرون ويُعرفون بكلمة واحدة أو كلمتين .
وهذه الأمور إنما ترجع إلى عادات الأمم والشعوب، وبعضها من عادات العرب خاصة. فهي اختيارات واستعمالات عرفية، وليست جزءا من الإسلام، ولا هي من لوازمه، بل هي كلها سابقة على الإسلام، ولم يُـحدِث الإسلام منها شيئا جديدا. ولكن بعض الناس يظنون أن هذه الأمور أو بعضها، أو ما يشبهها من العادات والموروثات العربية، هي “أمور إسلامية” أو “سنن نبوية”. أو هي من هدي “السلف الصالح”.
وقد وقع لي في بعض المناسبات العلمية العلمائية، أن جاءني أحد العلماء السودانيين. وبعد السلام قال، وهو ينظر إلى رأسي المكشوف: ما لكم يا أهل المغرب لا تغطون رؤوسكم؟! قلت على الفور: وهل في ذلك أجر؟ ارتبك الشيخ لحظة، ثم قال بلهجته السودانية: “واللَّهي بَفتِكِـر إنّو فيه”. فقلت على منواله: “وأنا بَفتِكِـر إنّو ما فيه”. ثم قلت له وأنا أنظر إلى عمامته الضخمة: أنا لن أثقل رأسي إلا إذا تأكد لي الأجر في ذلك، أو كانت لي فيه حاجة ومنفعة.. فضحكنا ومضينا.
مرادي: أن مسألة العمامة هي من جنس ما نحن فيه، فبعض الناس يتعبدون بها!
وأعود إلى مسألة الأسماء والكُنـى..
بعض المسلمين يعتقدون أن فيها ما هو من سنن الإسلام وهديه، كتطويل الأسماء، بذكر الآباء والأجداد، واتخاذ الكُـنى والحرص على استعمالها وإظهارها، وهم بذلك إنما يفَوِّتون مقاصدها؛ وهي سهولة التمييز والتعريف والتعارف. أحيانا أَسأل شخصا عن اسمه لكي أخاطبه به وأتذكره به، فيقول: أخوك في الله أبو فلان، فلان بن فلان الفلاني.. فأقول له: أرجوك لو تعطيني كلمة واحدة فقط، لأحفظها وأتذكرها. وأما إذا لم أكن حريصا على حفظ اسمه، فأتركه يسرد أسانيده كيف يشاء..
ومعلوم أن في الشام وفي الجزيرة العربية مبالغةً وتمسكا شديدا باستعمال الكنى والأسامي المطولة.
في إحدى زياراتي القديمة للأردن، استضافني أحد الأصدقاء الفضلاء، واستدعى للمأدبة حوالي عشرين أو أكثر من الشخصيات الجامعية والدعوية والسياسية.. وبدأ التعارف الذي تعرفونه، فكان كل واحد يذكر – بعد خطبة الافتتاح – كُـنـيـته، وهي تتكون من كلمتين أو ثلاث، ثم اسمه واسمَ أبيه، وأحيانا اسم الجد، ثم الاسم العائلي، ثم الختم بالدعاء وطلب الدعاء. وكنت أتأسف على ضياع الوقت وضياع مقصد التعارف نفسه، حتى إنني من شدة تضايقي قلت لهم في نهاية “التعارف”: أسماؤكم هذه كأرقام الموبايل، تتكون من ست كلمات أو سبع، فأنَّـى لي أن أحفظ وأتذكر أيا منها؟!
وبعض إخواننا المغاربة الذين حصلت لهم إقامة مشرقية، وخاصة في السعودية (سواء كانت إقامتُهم إقامةً فعلية، أو إقامةً فكرية)، يتحمسون للتلبس بهذه الآفة وإظهارها، ظانين أنهم بذلك يصبحون أكثر تسننا وأكثر تسلفا، فينتحلون من الكُـنْـيات والأسماء ما يطمس أسماء شهرتهم، ولا يعرفهم به أحد!
لما كنتُ بمدينة جدة، ذُكر لي مرارا أحد الباحثين المغاربة، كان يعمل بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، فرغبت في لقائه والتعارف معه. ومن غير قصد ولا ترتيب، جمعني به مجلس عند صديق مشترك.. فلما عرّف أخونا المغربي بنفسه، فعلَ مثلَ أصحابنا الأردنيين أو زاد عليهم، فلم أعرفه بذلك “التعريف”، رغم أن اسمه الرسمي (فلان الفلاني) كان محفوظا عندي. ولما خذنا في أحاديثنا المختلفة بدأت أنتبه وأربط وأقارن، حتى بدا لي (كأنه هو)، فقلت له: أأنت فلان؟ قال نعم. فقلت: يا أخي لماذا طمست اسمك وعمَّيتَ علينا بتلك السلسلة الطويلة من الصفات والإضافات..؟!
وأخرى مثل هذه؛ وهي أني اشتريت مرة كتابا في موضوع أصولي أهتم به. وقرأت منه ما قرأت، ثم وضعته مع نظائره في الرف، ولم أهتم باسم مؤلفه ولا درَيتُ من هو، ولا من أين هو. ولكني حسبته مشرقيا، لأن اسمه طويل، ويبدأ بأبي فلان.. إلى آخره، وهذا ليس من عادة أهل المغرب. ثم عدت للنظر في الكتاب بعد عدة سنوات، فبدأت أقرأ في صفحاته الأولى، فإذا هو يذكر أشياء لفتت انتباهي وأثارت فضولي.. فعدت إلى الغلاف أنظر اسم المؤلف وأدقق فيه، فإذا هو صديقي فلان.. الذي درس معي في (سلك تكوين المكونين) مدة سنتين، وامتدت علاقتنا بعد ذلك لسنوات، إلى أن أصبح رئيسا للمجلس العلمي..
ولكن لماذا اختار صاحبنا تطويل اسمه، على غير ما هو معروف به؟
إذا عُرف السبب بطل العجب؛ لقد درس في السعودية، فأصبح معجبا بذكر الكنية المركبة، والاسم الثلاثي أو الرباعي..
فما رأي السادة العلماء والدارسين في هذه الـمُزح والـمُلح؟!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى