مقالاتمقالات فكرية

الصحوة الصاعدة والصحوة الراشدة..

الحركة الإسلامية بعد قرن من ظهورها:

 من الصحوة الصاعدة إلى الصحوة الراشدة

أحمد الريسوني

يطلَق مصطلح (الحركة الإسلامية) ويراد به مجمل الجهود والمنظمات الأهلية العاملة في مجال الإصلاح والدعوة والتوعية الإسلامية، والساعية لتحقيق نهضة إسلامية في مختلف البلدان الإسلامية.

وكثيرا ما يعبر عن هذه الحركة الإسلامية وآثارها بمصطلح (الصحوة الإسلامية).

وقد يقال (الحركات الإسلامية)، بالجمع، فيراد به ما في ضمن (الحركة الإسلامية) من هيئات ومنظمات وأحزاب وتيارات متعددة..، سواء كانت أُممية أو قُطرية.

وقد تكثَّفَ ظهورُ المبادرات الدعوية الإصلاحية – تحديدا – منذ قرن من الزمان.. وكان للهزيمة التي منيت بها الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ثم ما تبعها من إلغاء الخلافة العثمانية وتفكيكها، وتأسيس دولة تركية لادينية، كان لذلك أثر واضح ومباشر في ظهور أوائل المنظمات الإسلامية الصغرى والكبرى، ومن أبرزها:

  • جماعة التبليغ والدعوة التي انطلقت من الهند،
  • جماعة الإخوان المسلمين التي انطلقت من مصر،
  • وجماعة النور في تركيا،
  • والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية..

ثم تلاحقت مثل هذه المبادرات وتناسلت في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، ثم امتدت إلى سائر أنحاء العالم..

ولا شك أن هذه الحركة أو الحركات – وعلى مدى قرن من الزمان – قد جسدت تجاربَ واجتهادات وأنماطا متنوعة ومتفاوتة: في إيجابياتها وسلبياتها، وفي إنجازاتها وإخفاقاتها، وفي مدها وجزرها.. ولذلك يتعذر علي وزنها وتقييم مشمولاتها ومجمل أعمالها وآثارها. وهذا ليس هو غرضي في هذا المقال.

ما أريده الآن هو رصد بدايات تحول وانتقال وارتقاء في مسيرة الحركة الإسلامية، وهو ما قد يشكل حدا فاصلا بين مرحلتين:

  • مرحلة ماضية، وهي مرحلة الصحوة الصاعدة،
  • ومرحلة آتية، وهي مرحلة الصحوة الراشدة.

الصحوة الصاعدة

 وأعني بها ما تقدم ذكره..

وأعني بها أن الجهود الدعوية والتربوية والثقافية والسياسية التي بُذلت قد أثمرت صحوة إسلامية غيرت مجرى التاريخ، أو على الأقل أحدثت فيه تغيرات وتحولات ومراجعات لم تكن في الحسبان..

لقد كان المشهد العالمي – إثر الحرب العالمية الأولى – يوحي بأن الدين عموما قد انتهى دوره في الحياة العامة والخاصة، وأنه قد أحيل على التقاعد، ثم الموت البطيئ. جاءت الحركة – أو الحركات – الإسلامية فغيرت هذا الواقع وعكست هذا المسار. لقد أصبح الإسلام يحسب له ألف حساب، وأصبح هو الدين الأظهر والأرسخ على وجه الأرض. وما كثرة أعدائه، وكثرة الأسلحة الموجهة ضد دعاته وأتباعه، سوى أدلة على قوته ورسوخه. {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]

ومع استحضارنا للنكبات والانكسارات التي تقع لبعض الحركات الإسلامية، في بعض الأقطار، في بعض الأحيان، فقد ظل الصعود هو السمة العامة للمد الإسلامي، منذ نحو قرن. وبفضل هذا الصعود الإسلامي انتعشت حتى الأديان الأخرى وتحركت في الشرق والغرب..

صعود الصحوة الإسلامية خلال القرن المنصرم، سار في نصفه الأول بوتيرة بطيئة ومتعثرة، ولكنها مطَّردة في عمومها. أما في نصفه الثاني، ومنذ إعدام الشهيد سيد قطب وهزيمة67، فقد تسارعت وتيرة الصعود واستمرت إلى ما بعد “الربيع العربي”. وما بعد الربيع العربي كان انتكاسة بكل المعايير؛ فربيع الشعوب العربية أعقبه نقيضه، وهو جحيم الأنظمة العربية.

أما ما يهمني الآن، هو أن الأحداث والتطورات في السنين الأخيرة قد عرَّتْ عددا من الثغرات والسلبيات والأخطاء لدى الحركة الإسلامية، كان يسترها ويشفع لها صعودها ونجاحها وحيويتها.

ولذلك دخلت الحركات الإسلامية في موجة قاسية من المراجعة والنقد الذاتي، هي التي بدأت تثمر وتسفر عن إرهاصات (الصحوة الراشدة)، بعد عقود من (الصحوة الصاعدة).

مؤشرات الصحوة الراشدة

عموما يمكن القول: إن الصحوة الإسلامية في مرحلتها الجديدة (الراشدة)، قد بدأت بجد في سد ما ظهر عندها من نقائص وثغرات، وبدأت تتلافى كثيرا من الأخطاء والانزلاقات. وبدأت تحرص على أسباب الرشاد أكثر من حرصها على أسباب الصعود.

فهذا على وجه الإجمال..

وبشيء من التفصيل، أشير فيما يلي إلى بعض المؤشرات الدالة على ابتغاء الرشد واتخاذ أسبابه والسير في طريقه:

  1. الإقبال على تأسيس مراكز البحث والدراسة في مختلف التخصصات الشرعية والاستراتيجية..
  2. توسع العناية بالقرآن الكريم: تحفيظا وتجويدا وتفهيما ومدارسة.
  3. الاتجاه إلى تأسيس الجامعات والمعاهد والمدارس، وتجويد مستوياتها ومخرجاتها..
  4. الاتجاه إلى الأعمال الإعلامية المتخصصة.
  5. بدايات واعدة في الاهتمام بالإنتاج الفني البناء.
  6. الولوج الفعال والمكثف إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومختلف استعمالات الإنترنت.
  7. الانصراف عن العمل السياسي أو تقليصه في الظروف والأحوال المنخنقة، مع الاستمرار فيه في الظروف المنفرجة.
  8. ظهور عدة مؤسسات ومنظمات مستقلة للعلماء، يدعمها ويغذيها أبناء الحركة الإسلامية، واضطلاعُها بواجبات الاجتهاد والتجديد والتنوير والترشيد.

وأخيرا أقول:

في بعض الانكسارات السابقة، التي أصابت الحركة الإسلامية، بدأ بعض الكتاب الفرنسيين يؤلفون ويبشرون بـ(أفول الحركة الإسلامية). ثم أفَلَ حديثهم عن الأفول، وبقيت الحركة الإسلامية..

وجاء بعدهم مفكرون أمريكيون، فأكثروا وأشاعوا الحديث عن نظرية (ما بعد الإسلاموية).. ثم أفلت نظريتهم..

واليوم يتحدثون عن تصفية الحركة الإسلامية ونهايتها النهائية..

ونحن نتحدث بدايات (الصحوة الإسلامية الراشدة). وسنرى..

وكل قرن والإسلام بخير..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى