أبحاث فكرية

المآل التاريخي للممارسة الشورية

المآل التاريخي للممارسة الشورية

لا شك أن الانتقال من عهد الخلفاء الراشدين ـ الذي هو امتداد للعهد النبوي ـ إلى العهد الأموي، أو الانتقال من الخلافة الراشدة إلى الدولة الأموية، لاشك أن هذا الانتقال شكل تحوُّلا عميقا في الوضع السياسي وفي النظام السياسي للإسلام والمسلمين.

ورغم الاستمرار القوي للفتوحات الإسلامية، الدعوية والثقافية، والسياسية والعسكرية، والعلمية والحضارية، فإن التحول السياسي من خلافة شورية راشدة، إلى خلافة وراثية مستبدة، كان جرحاً بليغاً ونزفاً مستمراً…

وقد كانت الشورى التي أقرها القرآن الكريم ومضت عليها السيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، هي أكبر الضحايا لذلك التحول الذي أصاب رأس الدولة الإسلامية، ثم سرى إلى سائر جسمها.

      لقد أضحت الشورى ـ في الغالب ـ هي آخر ما يلتفت إليه، وأضعف ما يعول عليه في تدبير الأمور.

فالناظر في تاريخنا السياسي، وكذلك الناظر في كتب الفقه، وعلم الكلام، وكتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، لا يجد للشورى إلا صورة باهتة ووظيفة ثانوية، إن وجدت.

وعندما ألف الإمام الجليل أبو بكر الطرطوشي كتابه القيم (سراج الملوك) ذكر في مقدمته أنه كتاب “يستغني الحكيم بدراسته عن مصاحبة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء” ([1])، وهكذا صارت المشاورة يمكن للملك الاستغناء عنها بمجرد كتاب يقرأه. وكأنَّ الشورى هي مجرد درس يقرأ أو مواعظ تحفظ، وليست سلوكاً يومياً ودرساً تطبيقياً في كل مسألة تعرض للملوك في ممالكهم، ولكل المسؤولين في أماناتهم ووظائفهم.

هذه هي الصورة الهزيلة التي أصبحت عليها الشورى حتى عند العلماء والمفكرين. وهي ليست من صنع الطرطوشي رحمه الله، بل هي حصيلة مسار ومآل ومناخ.

وأما الممارسة السياسية في صورتها الجديدة، فلم تعد تطيق التقيد بالشورى، لأن إعلاء شأن الشورى يقيدها ابتداءً وانتهاءً. ويمكن أن يؤدي إلى قلب المَسَارِ كلِّهِ، وهو مالم يعد مقبولاً عندهم. وأما بعـض الخلفاء والأمـراء الذين كانوا يتقيدون بالشورى، ويسيرون سيرة شورية، فكانوا يفعلون ذلك غالباً، لصلاحهم ورشدهم وتدينهم الشخصي.

ومن أمثلتهم عمر بن عبد العزيز، الذي يعد من الخلفاء الراشدين، لسيرته الشبيهة بسيرتهم. وهذا نموذج من سياسته الشورية الراشدة، كما رواه الإمام الطبري في تاريخه.

“ولما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة، ونزل دار مروان، دخل عليه الناس فسلموا. فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمان، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حتمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد.

فدخلوا فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق. ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأُحَرِّج اللهَ على من بلغه ذلك إلا بلَّغني فخرجوا يجزونه خيراً.” ([2])

وقد تضمنت هذه الكلمة إسناد النظر والمشورة لهؤلاء الفقهاء المستشارين في ثلاث مجالات:

1ـ الاجتهاد والمشاركة في الرأي والقرار “ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم”

2ـ مراقبة المجتمع وما يقع فيه من ظلم واعتداء.

3ـ مراقبة عمال الدولة وموظفيها والتبليغ عن مظالمهم.

ومن هذه الحالات الشورية الاستثنائية ، نجد كذلك أمثلة رائعة لممارسة الشورى، لدى حكام دولة المرابطين ، التي حكمت المغرب والأندلس وغرب إفريقيا خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس. ومن السمات البارزة لهذه الدولة العظيمة وصفها بأنها “دولة الفقهاء”. فقد كان للفقهاء دور حاسم في قيامها وتسييرها ومبايعة رؤسائها. ولقد كان من شروط البيعة للحاكم، الذي كان يحمل لقب “أمير المسلمين”، التزامه بأن “يستشير في أموره رؤساء الدولة ويعمل بتوجيهات الفقهاء، سواء في الميدان السياسي أو الديني.” ([3])

ويصف المؤرخ المغربي عبد الواحد المراكشي نفوذ الفقهاء في دولة المرابطين بقوله عن علي بن يوسف الذي كان يلقب بالورع:«وكان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء».([4]) ولقد كانت دولة المرابطين من أكثر الدول عملا بالشريعة الإسلامية، ومن أكثرها عملا بالشورى، وهي الدولة التي عاش في ظلها القاضي عبد الحق بن عطية الذي تقدم قوله “من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. ” ([5])

هذه النماذج وأمثالها ظلت تمثل استثناءات وفلتات ضمن مئات الأمراء والملوك الذين تعاقبوا على حكم الدول والأقطار والإسلامية.

وحتى حينما ظهر في تاريخنا وتراثنا مصطلح “أهل الحل والعقد” بكل ما يحمله من معاني البت والحسم والإمضاء والإلغاء، بمعنى أنهم ـ حسب مقتضى التسمية ـ هيئة تقريرية عليا، فإن طريقة تشكيل هذه الهيئة وصلاحياتها، ظلت غامضة مضطربة تنهكها الاختلافات النظرية عند العلماء، والممارسات المزاجية أو الاستبدادية عند الأمراء.

وبغض النظر عن هذه وتلك، فإن العلماء الذين تحدثوا عن “أهل الحل والعقد” قد صرفوا وظيفتهم بدرجة كبيرة إلى مسألة اختيار الإمام، أما سيرة الإمام، وكيف يؤم وكيف يحكم، وكيف يبقى هؤلاء الذين يسلمونه الأمانة العظمى ساهرين معه، شركاء له، مراقبين ومسددين، موافقين ومعارضين، آمرين وناهين، فهذا ما لا نكاد نجد فيه إلا كلمات مجملة تأتي على استحياء، رغم أن هذا كله هو مقتضى هذه التسمية الجليلة “أهل الحل والعقد“.

الدولة الإسلامية بين التطور التنظيمي والتراجع الشوري.

بعد التأسيس النبوي للدولة الإسلامية، وبعد توطيدها وتوسيعها على عهد الخلفاء الراشدين، دخلت هذه الدولة في تطورات متلاحقة ومطردة، في كافة هياكلها ونظمها وأساليب عملها، تارة بالاقتباس والمحاكاة لتجارب الأمم الأخرى، وتارة بالاجتهاد والابتكار. وهكذا عرفت الدولة الإسلامية عددا من التنظيمات الجديدة أو المطورة، في المجالات السياسية والمالية والإدارية والعسكرية والتعليمية والقضائية والاجتماعية.

ولم يكن نمو الدولة واتساعها، وتضخم صلاحياتها ومسؤولياتها، هو وحده الذي حتم تلك التطورات التنظيمية، بل إن التطورات والتغيرات المماثلة التي عرفتها المجتمعات الإسلامية (أو الأمة الإسلامية)، هي أيضا كانت تقتضي تطوير الكثير من آليات الاستيعاب والضبط وحفظ الوحدة والتماسك، ومواجهة سلبيات وتحديات كثيرة أفرزها التطور الكبير الكمي والكيفي للمجتمعات الإسلامية.

لقد انتقلت الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية، من حياة البساطة والعفوية والتآلف والتآخي والانضباط الذاتي، الاجتماعي والخلقي، إلى حياة جديدة لا تستغني عما سبق، لكنها لا تكتفي به. حياة أصبحت بحاجة إلى تنظيم الأمور وضبطها بواسطة تشريعات ومؤسسات وضمانات واحتياطات سواء للحكام أو للمحكومين، للراعي أو للرعية.

لقد عرفت الدول الإسلامية والمجتمعات الإسلامية عدة نظُم أو خطط، في مختلف المجالات، وعرفت هذه الخطط عدة تطورات وأنماط تنظيمية، من زمن لآخر ومن قطر لآخر ومن دولة لأخرى، منها خطة القضاء، وخطة الحسبة، وخطة العدالة (التوثيق)، وخطة الفتوى. وعرفت نظما شاملة للتعليم والأوقاف المختلفة…([6])

وقد نقل صاحب (المعيار) شيئا عن بعض الخطط التي كانت معتمدة في الأندلس: “أولها القضاء، وأجلُّها قضاء الجماعة، والشرطة الكبرى، والشرطة الوسطى، والشرطة الصغرى، وصاحب المظالم، وصاحب رد، وهو كصاحب شرطة، يسمى صاحب رد بما رُدَّ إليه من الأحكام، وصاحب مدينة، وصاحب سوق، هكذا نص عليه بعض المتأخرين من أهل قرطبة في تأليف له. وتلخيصها: القضاء، والشرطة، والمظالم، والرد، والسوق.” ([7])

أريد بهذا أن أنبه على أنه في الوقت الذي كانت فيه الدول والمجتمعات الإسلامية تنشئ وتطور ما تحتاجه من أنظمة وأجهزة، بما يخدم احتياجاتها الدينية والدنيوية، فإن الشورى لم تأخذ شكل خطة أو نظام، بل ولا عرفت أي تنظيم واضح ومضبوط!

لقد كان ينبغي المحافظة على المستوى الشوري الرفيع الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون، ثم كان ينبغي الانتقال من النمط البسيط والعفوي والمرن لممارسة الشورى في عهدها الأول، إلى التنظيم المفصل والمضبوط والمتطور، مجاراة لتطور الحياة من جهة، ومجاراة لبقية الوظائف والخطط الشرعية التي نظمت وتطورت وارتقت.

ولكن الذي حصل للشورى، لم يكن فيه ـ على العموم ـ ارتقاء ولا إبقاء. أي لم تترق الممارسة الشورية بما تتطلبه الأحوال الجديدة، ولم تحافظ هذه الممارسة على المكاسب والمنجزات الأولى.

وحتى مسألة اختيار الإمام، التي كان الكلام فيها لا ينفك عن الكلام في الشورى، وأصبحت أهم مجال تتركز فيه أو تكاد تتخصص فيه الشورى وأحكامها وأقوال المتكلمين والفقهاء فيها، حتى هذه المسألة آلت ـ نظرياً وعملياً ـ إلى أن تفقد كل تأثير فعلي للشورى.

لقد رأينا من قبل بعض كبار المتكلمين يذهبون إلى أن بيعة الإمام تنعقد بالواحد وبالإثنين من أهل الاختيار، أي من أهل الحل والعقد، فأيُّ شورى بقيت؟ وأي حل وأي عقد لأهل الحل والعقد؟

فهذا عند العلماء والمنظرين، وأما من الناحية العملية فقد أصبح الاختيار والاستخلاف وولاية العهد، مسألة شخصية وعائلية بحتة، يَعهد بها من شاء لمن شاء، تماما مثلما يوصي أحد بجزء من ماله لمن شاء من أقاربه. بل إن الوصية نفسها مقيدة شرعا بالثلث، والثلث كثير، بينما الوصية بالخلافة والتصرف في الأمة وثرواتها ومستقبلها، لا يقف عند حد ولا يضبطه ضابط. فيمكن العهد بها للأبناء وللآباء وللأشقاء وغير الأشقاء. وكانت ولاية العهد أحيانا تعقد للإثنين والثلاثة في آن واحد، فلا يكتفي العاهد بغصب المعاصرين والتالين له حقهم، بل يمتد الغصب حتى إلى حق الأجيال اللاحقة.

وقد وصل الأمر إلى حد العهد بالخلافة والإمامة إلى الصبيان والرضع.

لقد كان من المفروض، وقد بدأ يلوح أو يقع مثل هذا العبث والسفه، أن ينص العلماء صراحة وإجماعاً، أن أقل ما يشترط للاستخلاف والمبايعة هو سن البلوغ، ولو أنهم ذهبوا ـ أو ذهب بعضهم ـ إلى اشتراط سن أعلى من ذلك لكان وجيهاً وسديداً.

ومن طرائف ما يذكر في هذا الباب ـ وإنَّ فيه لعبرة ـ الكتاب الذي ألفه لسان الدين بن الخطيب وسماه (إعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام وما يتعلق بذلك من الكلام.)([8]) وقد ذكر فيه أن الذين بويعوا قبل الاحتلام بلغوا إلى زمانه ثمانية وأربعين!

الغريب أن ابن الخطيب لم يؤلف هذا الكتاب لنقد هذه الظاهرة وإسقاط مشروعيتها، وإنما ألفه للدفاع عنها وعن صحتها، إلا أنه مع ذلك اعترف بأن هذه المسألة قد عرفت كثرة الجدال والجلاد، “ونابت عن الحجج القاطعة والبراهين الساطعة السيوف الحِداد” ([9])، أي أن الحكم فيها كان للسيف لا للشرع. ولعل هذا ما جعله يقول في تسويغ تأييده لجواز البيعة للقاصرين: “إنما نحن فيما اضطرنا الوفاء إليه… لكثير من أعلام ملة الإسلام تَبَعٌ… ولم نأت في زماننا بِدْعاً من العمل. فإن كانوا أصابوا في اجتهادهم… فما أسعدنا في اتباعهم… وإن كانوا قد غلطوا مع تعدد فقهائهم وعلمائهم، فنحن راضون لمشاركتهم في الغلط…”([10])

وهكذا نجد أن الشورى على الصعيد السياسي قد فقدت أي ممارسة حقيقية ومنتظمة إلا في حالات استثنائية. وأصبح تولي الحكم يتأرجح بين التوريث المحض والمطلق، أو الغلبة والاستيلاء. وأما تسييره وتدبير شؤونه، فهو تحت رحمة الحاكم بأمره، حسب حاجته ومصلحته ومزاجه. هذه هي السمة العامة والغالبة.

الاستثناء القضائي

لعل أحسن تطبيق للشورى، استمر وتطور، في تاريخنا هو ذاك الذي عرفه نظامنا القضائي. وسنة التشاور في القضاء سنة قديمة ترجع إلى عهد الخلفاء الراشدين، وخاصة منهم عمر وعثمان. فالقاضي ـ كما يقول القاضي أبو مطرف الشعبي ـ ينبغي له “أن لا يستبد برأيه في أحكامه، ويتبع سنن من مضى من حكام العدل. فقد مضت السنة قديما من لدن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم كانوا يشاورون في أحكامهم، وكانوا من الدين والفضل بحيث لا يجاريهم غيرهم. هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه، اختُصِم إليه في هاشمية، فشاور في أمرها علي بن أبي طالب، فأفتى بما أوجب الحكم عليها لخصمها، فلامته الهاشمية، فبعث إليها يقول: إن ابن عمك أشار علينا بهذا.” ([11])

وقد ذكر ابن قدامة مشاورة الخلفاء الراشدين في الأقضية التي كانوا يحكمون فيها، ثم نقل عن الإمام أحمد أنه قال:”لما ولي سعد بن ابراهيم قضاء المدينة، كان يجلس بين الحَكَم وحماد يشاورهما . ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه…([12])

هذه المشاورة القضائية القديمة اتخذت شكلا منظما، خاصة بالأندلس والمغرب، حيث أصبحت من صميم النظام القضائي. وأصبح المشاوَرون (أو المستشارون) أشخاصا معينين، يختارهم القاضي أو الأمير من طبقة الفقهاء المفتين. يقول الدكتور محمد عبد الوهاب خلاف: ” وهي ـ أي الشورى ـ  خطة انفرد بها المغرب والأندلس عن بقية العالم الإسلامي حينئذ. وكانت من الخطط المكملة لهيكل القضاء في الأندلس. وهي خطة ضرورية ولازمة له. ويُختار من يشغلها من بين الفقهاء المشهود لهم بالرأي وسعة العلم. وكان يعينه الأمير أو الخليفة، بناء على ترشيح من قاضي الجماعة… ([13])

وتأكيدا للأصل الراشدي لهذه الخطة الشورية في القضاء، نقل الدكتور خلاف عن صاحب (أخبار القضاة) “أن عثمان بن عفان، الخليفة الراشد الثالث، كان إذا جلس للقضاء، أحضر أربعة من الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم، فما أفتوه به أمضاه، وهم: علي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمان، وقال للمتحاكمين: هؤلاء قضوا، لست أنا.” ([14])

وهذا النهج الشوري في القضاء، يمثل أصلا أصيلا لفكرة القضاء الجماعي. كما أنه سابق ومتفوق على نظام المستشارين المحلفين المعمول به في الغرب. يقول الأستاذ علال الفاسي: “ويمتاز النظام القضائي الإسلامي في الأندلس والمغرب بالمشاوَرين، أو المفتين الذين يدعوهم (أي القاضي) لمساعدته على تلمس وجه الحق في المسائل المعروضة عليه. وهو أفضل من نظام المحلَّفين الذي ازدهر في القضاء الإنجليزي، ثم اقتبسته الأنظمة الأوروبية.” ([15])

وعلى ذكر هذا الإستثناء القضائي في موضوع الشورى، فإن القضاء الإسلامي عبر التاريخ شكل وجها مضيئا للحياة الإسلامية والممارسة الإسلامية عموما. فقد ظلت مرجعيته مرجعية إسلامية خالصة كما حافظ على استقلاليته ونزاهته بدرجة كبيرة.

فإذا أضفنا إلى هذا أن قضاة الإسلام كانوا دائماً من أبرز العلماء ومن كبار الفقهاء المجتهدين، فمعنى هذا أنّ العلماء والفقهاء حافظوا على تأثيرهم ودورهم الكبير في المجتمع،خاصة وأن الدول والأنظمة السياسية المتعاقبة عبر التاريخ الإسلامي لم تكن لها أي منازعة في المرجعية الإسلامية والتمسك بها على كافة الأصعدة التشريعية و الثقافية. فأهم ما كان يحرص عليه الحاكم المسلم يومئذ، هو أن يظل ممسكا بزمام الأمور على المستوى السياسي والعسكري والأمني. وأما من الناحية التشريعية والثقافية والفكرية والعلمية والتعليمية والاجتماعية، فالجميع يسلم بالهيمنة المطلقة للمرجعية الإسلامية.


([1]) سراج الملوك، ص8 .

([2]) تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك 7/61 .

([3]) حركات، إبراهيم، النظام السياسي في عهد المرابطين، ص 59.       

([4]) المرجع نفسه.

([5]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 3/397

([6]) انظر نبذة عن بعض هذه الخطط في تاريخ ابن خلدون المجلد الأول (المقدمة) 1/386 إلى 400

([7]) المعيار المعْـرب والجامع المُغْرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، للونشريسي 10/77

([8]) مخطوط بالخزانة الوطنية بالرباط رقم 1552 د. وقد قام محققون متعددون بتحقيق أجزاء من هذا المخطوط بأسماء مختلفة.

([9]) المخطوط، ورقة 12 و13. عن بحث حول الكتاب للدكتور رابح المغراوي بمجلة (حوليات الآداب والعلوم الإنسانية) تصدرها جامعة الكويت. الحولية 23. السنة 2002/2003.

([10]) المرجع السابق.

([11])  المعيار المعرب للونشريسي 10/58-59.

 ([12]) المغني14/28.

([13])  تاريخ القضاء في الأندلس، ص321.

([14]) تاريخ القضاء في الأندلس، ص 326.

([15]) مدخل في النظرية العامة لدراسة الفقه الإسلامي، ص148.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى