ضيف الموقع

أخطر حروب العصر:الإعلام والدعاية / تفكيك الاستراتيجية الدعائية للحركة المضادة للثورة

نص محاضرة للأستاذ حسن بن حسن

عناصر المحاضرة

  1. مقدمة: في الفارق بين الدعاية والتواصل

و في الدعاية و قوة الخداع و الوهم

  • الخلفيات المعرفية للدعاية الحديثة و المعاصرة
  • Gustave Le bon و علم نفس الجماهير
  • Edward Bernays و التأسيس الفعلي للدعاية و لعلم العلاقات العامة
  • الاستراتيجية الدعائية للحركة المضادة للثورة في تونس
  • الخصائص العامة لهذه الدعاية.
  • البنية الوظيفية لهذه الدعاية و القوى التي تقف ورائها؟
  • مجالات الاستثمار الدعائي للحركة المضادة للثورة
  • آليات الدعاية المضادة للثورة.
  • آليات الاغتصاب العاطفي Le viol émotionnelle
  • آليات الخداع و التلبيس
  • آليات العربدة و التعطيل.
  • آلية التوظيف الدعائي للقالب الإعلامي و القواعد المهنية
  • آلية العدو الوحيد l’ennemi unique
  • آلية التهوين و التهويل و الحجب و الإظهار
  • آلية الإغتيال الرمزي بهدف إخلاء المشهد السياسي.
  • آلية الوصاية على العقول وعلى الناس.

المحاضرة

  1. مقدمة :الدعاية و قوة الخداع والوهم
  2. أحد الملامح الكبرى لعصرنا و للأزمنة الحديثة هو خوض الشعوب لغمار السياسة و ميلاد التطلعات السياسية الكبرى للجماهير و هما ظاهرتان متلازمتان مترافقتان.

و ما الثورة نفسها سوى اقتحام الجماهير لغمار السياسة لكسر الأبواب الموصدة.

و اقتحام الشعوب لغمار السياسة ثمرة تهيء شروطا اجتماعية و تاريخية معقدة لا مجال هنا للخوض فيعا.

و عصرنا يمنحنا صورتين غير متكافئتين للفاعلية السياسية للشعوب : صورة الديمقراطيات التي تشكلت على مهل و عبر مخاضات عسيرة و انتحتت ملامحها عبر تفاعل عميق بين أفكار التنوير و الممارسة السياسية، و صورة سطو الحركات الشعبوية على تطلعات الشعوب ضمن ظروف دقيقة و تحويلها المواطنين الى جموع موجهة ومستلبة.

كل من الديمقراطية و الشعبوية قائمة  على التعامل مع واقع اقتحام الجماهير لغمار الفعل السياسي، و لكنهما تختلفان من حيث المبدئ اختلافا جذريا في فلسفة و صيغ هذا التعامل سواء من حيث النظر إلى الشعوب و منزلتها أو من جهة ما يترتب عنذلك من صيغ استمالتها.

الديمقراطية تنظر إلى الشعب على أنه مصدر الشرعية و السيادة؛ يحق له امتلاك المعطيات الصحيحة و الثقافة السياسية التي تمكنه من حسن و عقلانية الاختيار، و تبعا لذلك فإن استمالته تخضع لشروط تواصلية تدفع كل طرف سياسي الى تقديم أفضل ما عنده .

الديمقراطية تفترض نموذجا للتواصل يقوم على الشفافية و الحق في المعلومة و دفع كل طرف لتقديم أفضل ما عنده و التحرير الدائم للمناقشة العامة من التشويهات العنيفة.

و أما الشعبوية فتبطن وراء الشعارات الرنانة احتقارا للجماهير ووعيا في الآن ذاته بخطورة اقتحامها للمشهد السياسي. لذلك يتعين استمالتها عن طريق التسلل من كل منافذ الخداع و الاقتحام العنيف للنفس الانسانية .

يقول جوستاف لوبون: ان الجماهير مصدر الفوضى و التخريب، و هي تأتي في مراحل أفول الحضارة لتجهز عليها  ، و فاعليتها شبيهة بفاعلية الجراثيم التي تتكاثر في الجسد المريض المنهك لتجهز عليه ، لذلك يتعين ترويضها النفسي لتفعيلها في الوجهة المطلوبة ، الأمر هنا شبييه بالتنويم المغناطيسي الذي يجعل المنوَّم طوع  بنان منوِّمه ، تفعيل الجماهير ينبغي أن يتم تحت شرط التنويم.

و على العموم ينبغي في هذا الاستهلال التمييز بين ثلاثة صيغ لاستمالة الجماهير، لكل منها فلسفته و منطقه:

  1. التواصل السياسي في دولة ديمقراطية ، أي المناقشة العامة من أجل الوصول الى توافقات سياسية معقولة تمثل مصالح الكافة و من أجل تمكين المواطن من ظروف جيدة للاختيار السياسي.
  2. الاشهار و هو الترويج لبضاعة تجارية باستخدام المعارف التي تقدمها العلوم الاجتماعية للتأثيراللاواعي خاصة.
  3. الدعاية السياسية و هي استمالة الجماهير عن طريق الاثارة الانفعالية و الاغتصاب العاطفي و التسلل من المداخل الخداعية للنفسية الجماعية.

و الملاحظ كما سنرى أن ما يؤثث المشهد الاعلامي التونسي ينتمي في معظمه الى تقنيات الدعاية السياسية بملامحها الآنفة لا الى نموذج التواصل السياسي و المناقشة العامة في دولة ديمقراطية.

و الدعاية بملامحها الآنفة ليست هامشا أو قوسا عارضا في التاريخ المعاصر و لكنها آلة مركبة معقدة هزت أركان الديمقراطيات العريقة و أتت على بعضها لحين من الزمن، و بيضت أبشع الجرائم في حق الإنسانية، و استلبت عددا كبيرا من المثقفين من حرية و استقلال التفكير، و منهم من لا يزال يحن الى أنظمة الجريمة المفلسفة و الممنطقة بعد كل الفواجع التي شهدتها الانسانية في ظل الديكتاتوريات العاتية و الأنظمة الشمولية.

لقد حكمت الماركسية على مدى عقود من الزمن مساحات واسعة من العالم،و تجند لها و لخدمة أحد ابشع أنظمة الحكم في التاريخ مئات الملايين من كل اصقاع الأرض.

ما هي الغواية التي مارستها الماركسية على هذه الجموع الضخمة ممن كانوا يتطلعون لغد أفضل ويحلمون بامتلاك مصيرهم في أيديهم؟لماذا رغم كل الجرائم المعلنة،و رغم الانحراف عن المبادئ سادت هذه الكذبة الكبرى كل هذا الزمن؟أي قوة غامضة و غواية آسرة تمكنت من هؤلاء الذين كانو يريدون تغيير العالم و يحلمون بالعدالة؟ لماذا نجحت الجنة الأرضية الوهمية طويلا في حجب الجحيم الفعلي؟

كلمة السر في كل ذلك هي الدعاية.

لماذا انخرط قسم هام من الشعب الألماني بنخبه الجامعية في الإيديولوجيا النازية رغم قيامها على أفكار مزيفة سطحية لا تصمد أمام أي نقد بسيط؟ لماذا قبلوا بأن يكونوا وقودا لليوتوبيا الدموية الجامحة و لرغبات و أوهام هتلر الإجرامية؟ كيف استطاعت النازية أن تشعل قسما هاما من الكرة الأرضية و أن تحوله إلى خرائب و دمار؟ كيف حول هتلر بلد الفلاسفة و الشعراء و القامات الفكرية السامقة الى آلة دمار كوني؟

إنها فاعلية و قوة الدعاية.

كيف جعل عبد الناصر العرب من المحيط الى الخليج ينامون و يصحون على وهم ازالة اسرائيل وإلقائها في البحر، و على وهم النهضة العربية الشاملة التي تمخضت عنأبشع الانظمة العسكرية الدموية؟ كيف كان يحرك العرب من المحيط إلى الخليج بلسانه و يستهويهم بخطاباته التي لم يُصدِّق منها الواقع شيئا؟

إنها الدعاية التي سوغت الجرائم الكبرى لعصرنا و صنعت أوثانه و مقدساته المزيفة.

كيف أقنعت تجارة الجنس و الرقيق الأبيض عشرات الملايين حول العالم بسلعيتهم و حولتهم الى بضائع تباع و تشترى في سوق الاتجار بالبشر؟ و كيفغيرت خلق الله و انتهكت الطبيعة الإنسانية و حولت الشذوذ الجنسي الى حرية من الحريات العامة و الى أحد المقدسات التي لا يجوز مناقشتها في عديد الدول الغربية؟

إنها الدعاية.

حين نتحدث عن الدعاية لا نتحدث عن مجرد ألاعيب و حيل خطابية و لكننا نتحدث عن قوة مؤسسية و سياسية اغترابية واعية مكنت من تحكم أقليات صغيرة بالجموع الغفيرة و من تحويل شعوب بأسرها إلى قطعان تساق سوقا و هي تظن أنها في أعلى مراتب الكرامة و الحرية.

عام 1973 كتب المؤرخ الفرنسي الكبير Pierre Nora-من مدرسة الحوليات – مقالا بعنوان “عودة الحدث” (Le retour de l’évènement )، و فيه يقول:إن الإعلام في عصرنا لا ينقل الحدث و لكنه يصنعه. كان هذا مع بدايات انتشار التلفزيون و لم تكن حينها الإنترنت و لا وسائل التواصل الاجتماعي قد ظهرت بعد.

و الدعاية الحديثة تمتلك كل هذه القوة لأنها تستند إلى معرفة بعلم النفس الجماعي، و بالخصائص النفسية للجماهير، و بمنافذ الضعف و الانخداع في النفس الإنسانية.

الدعاية الحديثة و المعاصرة تخطيط استراتيجي يستند إلى معرفة، و تسنده خبرات و مراكز نفوذ سياسية و مالية قوية.

و لمزيد فهم أنماط الدعاية الكبرى لعصرنا و ما تتأسس عليها من خلفيات معرفية سنعود في لمحة خاطفة الى رمزين فكريين كان لهما تأثير حاسم في صياغة نظريتها و أهدافها و تقنياتها؛ و هما مؤسس علم نفس الجماهير جوستاف لوبون Gustave Le Bon و مؤسس علم الدعاية و العلاقات العامة ادوارد بيرنايس Edward Bernais.

  • الخلفيات المعرفية للدعاية الحديثة والمعاصرة
  • و علم نفس الجماهير

عام 1895 أصدر المؤرخ و عالم الاجتماع الفرنسي جوستاف لوبون كتابه المشهور “علم نفس الجماهير”.و قد كان لهذا الكتاب أهمية مزدوجة؛ فهو بداية تأسيس علم النفس الاجتماعي، أي الانتقال من دراسة الخصائص النفسية للفرد إلى دراسة الخصائص النفسية للجماعة.و لكن هذا الكتاب كانت له استخدامات أخرى ذات أثر خطير و حاسم في عالمي السياسة و الاقتصاد، فقد كان مقدمة معرفية لتأسيس الدعاية في صورتها المعاصرة.

يقول جوستاف لوبون:إن كلمة الجمهور في دلالتها المألوفة تعني تجمّعا لمجموعة من الأفراد حول مسألة ما.و أما الجمهور كاصطلاح جديد يستخدمه هو لفهم الظواهر السياسية و الاجتماعية الكبرى فله معنى مختلف: الجمهور تكتل من البشر يمتلك خصائص نفسية جديدة مختلفة عن خصائص كل فرد فيه. ما يميز الجمهور هو طمس الشخصية الواعية للفرد و تشكل نفسية جماعية توجه الجميع توجيها قطيعيا دون إعمال حقيقي للعقل.و معنى هذا أن الجمهور كمفهوم حديث لا يتشكل إلا إذا بلغنا مستوى معينا من إخماد العقل و تأجيج الانفعالات و الغرائز و العواطف و حين يحصل ذلك نكون إزاء ما يسميه جوستاف لوبون بالجمهور النفسي..

  • أول خاصية للجمهور النفسي إذاً هي ذوبان الشخصية الفردية الواعية للأفراد في الشخصية الجماعية،و محو الاستقلالية الفردية لصالح التنميط العقلي و النفسي الجماعيين.
  • و أما الخاصية الثانية فهي تشكل روح جماعية تمنح الجمهور الإحساس بالقوة و بالقدرة.و هذا الإحساس بالقوة و بالقدرة يمكن أن يتحول إلى عنف أهوج إذا استثمر في الشحن و التعبئة النفسيين الإجراميين. فالجمهور النفسي لا يتشكل عادة إلا في وعي المعركة و بتعبئة مشاعر القطع و الكراهية.
  • و أما الخاصية الثالثة للجمهور النفسي فهي غلبة اللاشعور و الاستثمارات النفسية اللاواعية على الوعي و العقل. و تأكيدا لفاعلية اللاشعور و القوى النفسية اللاواعية يشبِّه لوبون الجمهور النفسي بالإنسان المنوم مغناطيسيا، ففي التنويم المغناطيسي تصبح الشخصية الواعية مغمى عليها، ويصبح منوِّمها قادرا على توجيهها حيث يشاء، و المنوِّم بالنسبة للجمهور النفسي هو المحرض أو القائد أو الزعيم. وحيثما وجدت علاقة تنويمية ديماغوجية بين قائد و جمهور حيثما كنا إزاء ظاهرة تنطبق عليها الخصائص النفسية لعلم نفس الجماهير. و لكي يلعب الزعيم أو القائد هذا الدور لا يحتاج إلى حجج عقلية قوية بقدر ما يحتاج إلى الظهور في مظهر القوي الذي لا ينثني، و المستعدِّ دائما لخوض المعارك الحاسمة مع الأعداء و الخصوم. كما أن عليه أن يُظهر كل من يخالف معتقداته بمظهر الأعداء. الزعيم هنا شخصية خارقة يشكل أتباعَه كما يشاء عن طريق استخدام سلطان الوهم و الإيهام.
  • الخاصية الرابعة للجمهور النفسي هي قابلية العدوى أو سرعة انتشار العدوى عن طريق التحريض و استخدام تقنيات و أساليب التنويم الجماعي، لذلك فإن أي اعتراض على الخطيب أو القائد في الاجتماعات الجماعية يقابل بالصياح و الشتائم، بل و بالضرب و الطرد. يقول لوبون:إن عواطف الجماهير سطحية جدا و لكنها كاسحة و جارفة.
  • و أما الخاصية الخامسة للجمهور النفسي فهي أنه عاجز عن رؤية الفروق الدقيقة و ينظر إلى الأشياء ككتلة واحدة ولا يعرف التدرجات الانتقالية، و يتعامل في القضايا الفكرية و السياسية المعقدة بمنطق الأبيض و الأسود، و الـ”معَ” و الـ”ضدّ”. بالنسبة للجمهور النفسي:إما أن تكون رجعيا أو تقدميا، حداثيا أو تقليديا الخ… و لكن دون أي استعداد حقيقي لفحص هذه المفاهيم و لامتلاك قدر من وضوح و تنوع و تدرج الرؤية فيها، الرؤية بالألوان محذور ينبغي تجنبه.
  • و التأسيس الفعلي للدعاية و لعلم العلاقات العامة

عام 1928 أصدر ادوارد بيرنايس كتابه الشهير “الدعاية أو كيف نوجه الرأي العام في نظام ديمقراطي” بنيويورك، وهو الكتاب الذي يعد تأسيسا معرفيا للدعاية و للعلاقات العامة.

  • ولد ادوارد بيرنايس في فيينا عام 1891 و توفي بأمريكا عام 1995، و قد كان له تأثير كبير في الولايات المتحدة الأمريكية و بقية الديمقراطيات اللبرالية في أوروبا في مجالات الدعاية السياسية و العلاقات العامة، و المقصود بالعلاقات العامة هنا إنشاء شركات تشبيك “Lobbying” للعلاقات و دعاية للتأثير في القرارات السياسية أو الاقتصادية أو في ترويج فكرة أو بضاعة ما وقد استفاد بيرنايس من كتاب جوستاف لوبون “علم نفس الجماهير”.

الدعاية السياسية و العلاقات العامة يفتحان الباب غلى مصراعيه لما يسميه برنايس بالهندسة الاجتماعية Ingénieriesociale.

الدعاية و علم العلاقات العامة يمكن أن يكون في خدمة المؤسسات السياسية أو تغيير سلم القيم في النظر إلى العلاقة بين الرجال و النساء أو في خدمة الفن و تغيير الذوق الجمالي للناس أو في خدمة الشركات الاقتصادية الكبرى الخ…

  • و لعلأهم فكرة لبيرنايس هي أن من يملك أدوات الدعاية و شبكات العلاقات العامة هو من يحكم فعليا أو أنه بمثابة الحكومة الخفية “Le gouvernement invisible “التي تمتلك خيوط السلطة في الأنظمة الديمقراطية.
  • و بيرنايس هو ابن أخت مؤسس التحليل النفسي فرويد، بمعنى أن فرويد خاله.و قد تأثر كثيرا به في بلورة رؤيته للدعاية، و قد كان بيرنايس يحب تقديم نفسه كمحلل نفسي للشركات و المؤسسات التي تعيش أزمات حادة.
  • و في سن 21 سنة تمكن بيرنايس من المشاركة و النجاح في أعمال إشهارية كبرى كانت مقدمة لصياغة نظريته عن الدعاية أي لبلورة مشروعه الكبير للتحكم بالرأي العام.
  • فعندما قررت الحكومة الامريكية دخول الحرب العالمية الاولى في 6 أفريل 1917 كانت غالبية الشعب معارضة لهذا القرار، و للتأثير في الناس و تغيير رأيهم شكل الرئيس توماس ويلسون لجنة للإعلام (Commission on public information)، كان من بين المنتسبين إليها بيرنايس. هذه اللجنة كانت مختبرا حقيقيا للدعاية الحديثة. و قد استخدمت مختلف وسائل التأثير المعروفة حينها كالصحافة و المناشير و الأفلام و الملصقات و الكاريكاتير الخ… كما كان فيها قسم للعلاقات الخارجية يمتلك مكاتب في أزيد من ثلاثين دولة، و قد أصدرت آلاف البيانات الصحفية و الصقت ملايين الملصقات في الشوارع ووزعت ما لا يحصى من الصور و المناشير وبثت عددا هائلا من المقاطع الصوتية.

كما ابتدعت اللجنة التقنية الدعائية لما اسمته ب “رجل الأربعة دقائق”؛ و تتمثل في أخذ أحد المعروفين لدى الناس للكلمة لبضع دقائق للدعاية للحرب في الفضاءات العامة كالمسارح و قاعات السينيما و الكنائس و المعابد و الاجتماعات النقابية الخ… و قد شارك في هذه الحملة التحريضية عشرات الآلاف من المحرضين المعروفين بين الناس.

و من الخلاصات التي خرج بها بيرنايس من مشاركته في هذه اللجنة هو أن التقنيات المستخدمة في أوقات الحرب للدعاية و الهندسة الاجتماعية يمكن استخدامها أيضا في أوقات السلم.

  • و عام 1929 دعت شركة التبغ الأمريكية “American Tobacco” بيرنايس إلى إقناع النساء بالتدخين حتى تُضاعف أرباحها، و قد استشار بيرنايس في ذلك المحلل النفسي أبراهام بريل الذي أشار عليه بضرورة قلب الوضعية النفسية للنساء حتى تتحمسن لكسر الحاجز الاجتماعي و الأخلاقي الذييمنعهن من التدخين ، فالسيجارة حسب بريل تمثل رمزا ذكوريا و علينا أن نربط تدخين النساء برفض السلطة الذكورية و بالتحرر، و هذا ما فعله بيرنايس، ففي الموكب الاحتفالي الذي كان يجري كل سنة بمناسبة عيد الفصح بنيويورك كان مجموعة من النساء الجميلات يتصدرن الموكب و يخفين السجائر تحت ثيابهن.و عندإشارة معينة أخرجن السجائر أمام الصحفيين والمصورين و أشعلنهاو بدأن يدخنّ.و من الغد تصدرت صورهن الصحافة تحت عنوان كبير “مشاعل الحرية”، فهؤلاء النساء لم يكن يشعلن السجائر بقدر ما كن يوقدن مشاعل للحرية (torches of freedom)، و تدخين النساء لم يعد انتهاكا لمحرم، و إنما أصبح افتكاكا لحق من الحقوق العامة، هذا ما تقوله الدعاية و أما النتيجة الحقيقية التي غفل عنها الناس فهي أن مبيعات السجائر قد ازدادت أضعافا بفعل هذه الدعاية البسيطة.
  • وستظل تقنية قلب الوضعية النفسية Le renversement de la situation psychologique احدى التقنيات الفعالة في الدعاية و في قلب سلم القيم إلى يوم الناس هذا، فالعهر أصبح مهنة للحب، و الاعتراف بالشواذ أصبح اعترافا بحق التعدد و الاختلاف، ونشر المنكرات أصبح حداثة و انتهاكا للسلطة القمعية الأخلاقية للمجتمع الخ…
  • لكن الأهم و الأخطر عند بيرنايس هو أن الدعاية ضرورة وظيفية في المجتمعات الحديثة لتمكين الاقليات المالكة للثروة و النفوذ من التحكم في الجماهير و من خداعها و نيل ثقتها، و بيرنايس ينظر بكامل الوضوح لما يسميه بالحكومة الخفية Le gouvernement invisible او برجال الظل Les hommes de l’hombreوهم القلة الذكية المالكة للثروة و السلطة و الخفية عن الناس و المحركة لخيوط اللعبة من وراء ستار، هذه القلة تستخدم مكتسبات علم نفس الجماهير و علم الدعاية و العلاقات العامة في التأثير على الناس و هندسة الرأي العام.
  • هاهنا تلعب الدعاية في الأنظمة الديمقراطية دور البديل الوظيفي لعنف السلطة في الأنظمة الديكتاتورية كما بقول تشومسكي.
  • يقول بيرنايس “إن التحكم الواعي و الذكيفي الرأي العام و عادات الجماهير يلعب دورا هاما في المجتمع الديمقراطي، و الذين يمتلكون خبرة و تقنيات هذا التحكم يشكلون حكومة خفية توجه الرأي العام. إننا محكومون عن طريق أناس نجهل عنهم كل شيء، يوجهون أفكارنا و يكيفون ذوقنا و يحددون مواقفنا”.
  • إن ما يطرحه برنايس نقيض لما تفترضه الديمقراطية من مناقشة عامة شفافة و إقناع عقلاني واخلاقيات للتواصل و قواعد للحوار و من الانصات و التواضع للمخالف و من صدق المعلومة و الخبر و من تمكين الرأي العام من المعطيات الكافية لتشكل ارادة عامة مستنيرة.
  • على النقيض من ذلك ،أن تقنع الجمهور بالنسبة لبيرنايس هو أن تخاطب غرائزه و رغباته لا أن تخاطب عقله و هو ما يجعله عاجزا عن رؤية الرهانات الحقيقية للخطابات الدعائية.

ولتحقيق أهدافها تستخدم الدعاية عدة تقنيات منها:

  • اللعب على مخاوف الناس؛ لأن التخويف يمكِّن من تقييد الحريات العامة و من تسويغ اللامسوغ في الأحوال العادية، ذلك أن الحاجة للأمن هي من أقوى الاحتياجات لدى الإنسان، و في حالات الخطر تتغلب الحاجة للأمن على الحاجة للحرية. اللعب على المخاوف و التخويف هو أحد الأدوات الفعالة لتطويع الجماهير.
  • وأما التقنية الثانية فهي محو منطقة الوسط في الحوارات التلفزية و النقاشات العامة و تصوير المشهد على أنه أبيض أو أسود و صياغة المسائل على النحو الآتي: هل أنت مع أو ضدّ؟ و هذايعني حصر الوعي في ثنائية حادة تنمحي منها مساحة العقل و التفكير، أي مساحة التعليل بالمصالح و المفاسد و المضار و المنافع و قدرة الترجيح في كل ذلك، هذا النمط من الدعاية يطَـيِّـ
  • ف الوعي و يحول الناخبين إلى كتل ثابتة و الأحزاب السياسية إلى معسكرات منفصلة لا تربط بينها جسور.
  • التقنية الثالثة هي تزييف القيم و اتخاذها أقنعة للجرائم السياسية، و من ذلك مثلا غزو بلدان و تدميرها و نهب ثرواتها و قتل الملايين فيها تحت شعار حقوق الانسان، و من ذلك أيضا في المجال الاجتماعي تأجير الأرحام بدعوى حق العقيمين في تكوين أسرة أو بدعوى حل التقدم العلمي لمشكل العقم، مع اغفال الوجه الآخر للموضوع و هو تحويل قسم من النساء الى سلعة تؤجر جسديا و عاطفيا.
  • ومن هذه التقنيات توجيه الرأي العام عن طريق اللعب على مشاعر التعاطف والشفقة والرحمة، مع حجب الرهانات الحقيقية لذلك.

للديمقراطية مقصدان كبيران:

أولهما معالجة أمراض الشأن السياسي معالجة مؤسساتية قانونية موضوعية، فإذا كان الاستبداد هو المرض الرئيسي للسياسة فإن معالجة هذا المرض لا يمكن أن تكون الا بتعديد السلطات و حد بعضها بالبعض الآخر.

وأما المقصد الثاني للديمقراطية فهو تثمير الاختلاف و تحويلهإلى عنصر تنافس إيجابي، و توليد للقيم المضافة. فالديمقراطية هي الوعاء السياسي لاختيار الأحسن سواءا كان اختيارات اقتصادية أو اجتماعية،أو كان هذا الأحسن أشخاصا وقيادات سياسية.

و لكي تلعب الديمقراطية هذه الأدوار تفترض صورة راقية للتواصل و مناقشة عامة شفافة و إعلاما نزيها يقدم للمواطن ما يحتاجه من معطيات عن الشأن العام، تمكنه من الاختيار السليم. غير أن الدعاية السياسية تجوف كل ذلك و تفسده من الداخل، و ذلك من خلال آليات عديدة معقدة سنأتي إليها لاحقا.

و حين قامت الثورة التونسية كان التونسيون يحلمون بطي المسافات نحو الغد الأفضل، و يتطلعون إلى ائتمان الطبقة السياسية التي تدعي الثورية على أحلامهم و تطلعاتهم، لكنهم سرعان ما اكتشفوا حجم العفن في المشهد السياسي و صدموا بصراع شرس استخدمت فيه كل الأسلحة القذرة لإفشال التحول الديمقراطي و استهداف عموده الفقري أي حركة النهضة.

والسلاح الأفتك والأكثر عنفا في هذا الصراع هو الدعاية السياسية بخصائصها الآنفة مع تكييفها بطبيعة الحال لخصوصية الوضع التونسي، وسنحاول في الفقرات الآتية تسليط إضاءات متعددة على هذه الدعاية.

أُولى هذه الخصائص هو الإصرار على الدفع الحاد المستمر نحو الاستقطاب الثنائي بين النهضة و خصومها، و الإصرار على المحاكمة الإعلامية الدائمة التي لا تتوقف للنهضة.و هذا من ثوابت المشهد السياسي، وقد تغيرت أدواته الوظيفية مرارا: فكانت الجبهة الشعبية أولا، و حزب نداء تونس عند تشكله ثانيا، والحزب الحر الدستوري ثالثا، ثم لحق بهم التيار الديمقراطي و حركة الشعب.

نحن هنا ازاء هدف ثابت و أدوات و مرتكزات وظيفية متغيرة. و سبب استهداف النهضة هو أنها الكيان السياسي الذي ينعقد في مصيره مصير الانتقال الديمقراطي  بكل ما يحبل به من وعود و ممكنات .

وأما الخاصية الثانية لهذه الدعاية فهي إخماد العقل؛و ذلك بتحويل هذا الصراع إلى صراع مانوي بين الأبيض و الأسود، لا مكان فيه للتدرج و لا لمنطقة رمادية، و محو المنطقة الوسط هو محو لمجال الحياة الفكرية و السياسية أي مجال التدافع بالحجج و بالتعليل بالمصالح و المفاسد، و عوض رفع مستوى الوعي العام و الإسهام في التثقيف السياسي الجاد للجماهير تشتغل وسائل الاعلام بالاختصارات الذهنية والعناوين الجوفاء و بالإثارة الغريزية و الانفعالية و بكل منومات الوعي و مخمدات العقل.

و أما الخاصية الثالثة لهذه الدعاية فهي كما سنفصل لاحقا تجريب كل المداخل الاقتحامية

 العنيفة والتسللية المخادعة الى النفس.

يقول بيير بورديو “من يملك يحكمو يسيطر و يفرض رؤيته على الآخرين… و المجتمع آلة أو نظام يخضع لمراكز تحكم توجهه نحو أداء وظائف محددة. منطق النظام مشيد على أساس تفضيل مصالح فئات وشرائح محددة وهيمنتها”.

و هو في ذلك ينسجم مع بيرنايس في حديثه عن الحكومة الخفية و رجال الظل الذين يحركون خيوط المشهد الإعلامي، غير أن بورديو يذكر ذلك على سبيل النقد و من أجل مقاومة هذا التشويه لا على سبيل الإقرار و الشرعنة كما يفعل بيرنايس.

في ضوء هذه الإنارة يمكن أن نتساءل: من الذي يحرك خيوط الدعاية السوداء و المشهد الاعلامي التونسي؟ لا نمتلك معلومات قاطعة عن هذا الأمر، فهذا من شأن الاجهزة الأمنية، ولكننا نمتلك مؤشرات قوية يمكن أن توجهنا صوب الوجهة الصحيحة.

أول هذه المؤشرات: ما سبق ذكره من أن الدفع نحو تأزم المشهد السياسي و نحو الاستقطاب الثنائي الحاد هدف ثابت و أما القوى التي توظَّف لتحقيقه فمتغيرة مما يعني أنها مجرد أدوات وظيفية وأن مركز التوجيه يقع خارجها.

و اما ثاني هذه المؤشرات فهي التحالف  في جل البلدان العربية و المتخلفة بين رأس المال الطفيلي و مراكز النفوذ السياسي التقليدية،و دوائر الهيمنة الأجنبية ، و الاستعداد اللامشروط للعب دور الوكالة للأجنبي، و هذا الدور هو الذي يحرس التبعية للخارج و يحفظ مصالح القوى الاستعمارية مقابل حماية الامتيازات اللامشروعة.

و لا شك أن بصمة بعض الدول كفرنسا و الامارات لا تخفى في المشهد الاعلامي و السياسي التونسي، و هذه الدول تشتغل على أهداف ثابتة و بمرتكزات و أدوات وظيفية متغيرة. ولا شك أن قسما من رأس المال الطفيلي و من السياسيين المتمعشين يلعبون دور الغرف السوداء المحلية.

و هنا ينبغي أن نميّز بين رأس المال المنتج للقيم المضافة (في الصناعة و الفلاحة الخ…) و الذي يستحق كل الدعم، وبين رأس المال الطفيلي المتأتي من الفساد السياسي و المالي و الاسترزاق من الخارج، و قسم هام من راس المال هذا هو الذي يعبث بالمشهد السياسي التونسي، كما تدل كل المؤشرات على ذلك.

لا شك أن الثورة تفتح بابا واسعا للتطلع و للحلم، ولا شك أيضا أن أحلام الثورة و تطلعاتها تهيء المجال لوظائف سياسية عاجلة كبرى كمقاومة الفساد و الإحساس بالضعفاء و محاربة الفقر و مواجهة الصعوبات المعيشية للناس الخ… و هذه الوظائف الحيوية الخطيرة عرضة للتزييف و مجالات كبرى للاستثمار السياسي الحقيقي و الوهمي، و في مراحل الانتقال الديمقراطي التي يحتدم فيها الصراع بين القوى المؤتمنة على الثورة و بين خصومها يصبح الاستثمار المزيف و المزايدة بهذه القضايا سهلا.

كما أن القوى الخارجية المتنفذة في تونس متيقظة للأشخاص و للقيادات التي تؤثث المشهد السياسي وتعمل على الاستثمار في الأمراض النفسية و النزعات النرجسية و الكيانات السياسية الهشة التي يسهل اختراقها و تطويعها، وفي النزعات الايديولوجية المغلقة و العنيفة و في مناطق الفراغ السياسي و التمثيلي.

و حين نفحص المشهد السياسي التونسي نلاحظ بيسر أن الاستثمار الدعائي للحركة المضادة للثورة يتم في المجالات الآتية:

  • الاستثمار في الأمراض النفسية و النزعات النرجسية للأشخاص، و في الأمراض الايديولوجية للجماعات و انقسامات النخبة السياسية و اهتزاز الثقة بين مكوناتها.
  • الاستثمار في حس الانتماء للوطن، فروح الانتماء قوية في التونسي، غير أننا لاحظنا تهافتا لدى بعض الكيانات السياسية على تحويل هذا الانتماء الى قناع سياسي للإقصاء و للاستعداد للعب دور الوكالة للأجنبي.
  • و أما المجال الثالث للاستثمار الدعائي فهو مقاومة الفساد و محاربة الفقر.
  • و أما المجال الرابع للاستثمار الدعائي للحركة المضادة للثورة فهو مشاعر الفشل و الإحباط المرافقة للصعوبات الجمة التي تعيشها ديمقراطيتنا الناشئة بسبب تألب الداخل و الخارج عليها. و الاستثمار الدعائي يتم بتحميل مسؤولية هذا الفشل العابر و مسؤولية الحكم في هذه المرحلة لطرف لم يحكم حكما فعليا – كما تدل عليه المعطيات الملموسة – وبتوجيه مشاعر السخط الشعبي نحوه .
  • و أما مجال الاستثمار الأخير فيتمثل في بقايا المنظومة القديمة، الذين لم يستطيعوا التكيف مع الديمقراطية و الدخول تحت مظلة الدستور. و هذا الاستثمار يتم بآليات مختلفة منها تحرير هؤلاء من الاحساس بالذنب و من الموقع النفسي الذي وضعتهم فيه الثورة، و منها الإيهام بأنهم لا يزالون يمتلكون سطوة  السلطة، و منها ترذيل الثورة وبث الحنين إلى الماضي.

ولا شك أن مختلف نقاط ضعف المشهد السياسي النفسية و الاجتماعية و المؤسسية و التمثيلية و الثقافية تشكل مجالا خصبا للدعاية و للبحث عن الفرص الاستثمارية.

هذه الآليات عديدة و ما يجمع بينها هو عنفها البالغ حتى لكأننا في ساحة حرب، ولو ترجمنا هذه الآليات الدعائية الى فعل لأصبحت رصاصا و إجراما، حتى لكأننا أمام مسرح لاستيهام الجريمة.

  • Le viol émotionnelle

و المقصود بالاغتصاب العاطفي استخدام تقنيات الإكراه المعنوي و العنف الرمزي لصناعة حالة وجدانية يفقد فيها الضحية زمام ذاته و سيطرته الواعية على انفعالاته. والاغتصاب العاطفي موجه ضد المقاومات النفسية و الثقافية المتجذرة و الخبرة الملموسة للشعوب، و هو يقوم على مسلمة أن هنالك أبوابا لا يمكن أن تكسر إلا بالغصب و الصدمة و الوقاحة، وأن تسويغ اللامسوَّغ و صناعة العجائن البشرية الرخوة لا يمكن أن يتم دون عنف رمزي مناسب.

و آليات الاغتصاب العاطفي ثلاثة:

  • أولها: الوصم stigmatisation،
  • وثانيها: التخويف
  • وثالثها: الصدمة والوقاحة.

فأما الوصم: فهو اتهام الخصم اتهاما مطلقا بدون تعيين ولا تحديد لموطن الاتهام، فهو متهم سلفا في كل ما يأتيه ما دام مختلفا اختلافا عميقا، و الوصم إلصاق النعوت القدحية بالإصرار عليها و كثرة التكرار بدون أي تعليل معقول، وبدون منح الخصم فرصة الردّ بدون ضغط  و توجيه.

الوصم بهذا المعنى عنف وجداني يهدف إلى التعويد على الإذعان لغير ما قام عليه دليل.

والوصم من أسوإ أنواع العنف الرمزي، لأنه استباحة إجرامية للحرمة المعنوية للخصم وللمخالف، واستباحة الحرمة المعنوية هي المقدمة للعنف المادي و لاستباحة الحرمة الجسدية إذا تهيأت أسبابها.

الآلية الثانية للإغتصاب العاطفي فهي التخويف بدون أي دليل معتبر، و التخويف غالبا ما يتم باتهام و محاكمة النوايا أو بالبهتان و إلصاق تهم جنائية لم يقم عليها دليل قانوني و من أمثلة التخويف القول بأن الإسلاميين إذا حكموا سيضطهدون المرأة و يمنعون الفن و سينقلبون على الديمقراطية التي أوصلتهم إلى الحكم الخ…= أول مرة تذك أمثلة..

وأما الآلية الثالثة للإغتصاب العاطفي فهي الصدمة و الوقاحة و من أمثلة ذلك استضافة “مثقفين” يتحدثون عن إباحة القرآن للخمر و العهر و اللواط، و من ذلك مثلا كل الوقاحات و البذاءات التي زكمت رائحتها الأنوف في بعص البرامج “الإجتماعية” (مثلا برنامج عندي ما نقلك).

البرامج المنتهجة لنهج الصدمة و الوقاحة تستهدف خاصة الفئات الإجتماعية الأضعف حصانة نفسية والأكثر هشاشة ثقافة، و يبدو أن الذين يحركون خيوط هذه الدعاية يعتقدون أن الفئات الهشة نفسيا في تونس واسعة و قادرة على إحداث أثر انتخابي.

و هي تختلف عن سابقتها في أنها تهدف إلى التسلل إلى الحياة النفسية للجمهور بدون كسر و اقتحام للأبواب، إنها آلية من آليات العنف الرمزي و لكن أكثر دهاءا و مكرا.

  • و من تقنيات الخداع و التلبيس، السطو على العناوين الفكرية الجذابة و ابتذالها و تسطيحها وافراغها من أية كثافة معرفية أو عمق فكري. فالخصم مطالب مثلا بأن يحدد موقفا من الحداثة أو الحرية أو المساواة، هل هو مع أو ضد؟ هل هو مع أو ضد بدون أي تفصيل معرفي أو فحص نقدي، و على هذا الأساس يتم تصنيف المشهد السياسي و الثقافي إلى حداثيين و أنصار للحرية و المساواة و التقدم، و خصوم لها بدون أي حوار جاد وعميق.
  • و من تقنيات الخداع و التلبيس الإستثمار في تطلعات الثورة كمقاومة الفساد مثلا، أو تحقيق العدالة، أو مقاومة الفقر، استثمارا إنتخابيا ووصوليا بل تهريجيا، دون تقديم أي برنامج جاد و نزيه يدل على جدية هذا الاستثمار، هاهنا تتحول القيم إلى مجرد قناع لإخفاء الرهانات و المصالح الحقيقية.
  • و من تقنيات الخداع تقديم الخبرة المزيفة و إشهار الخبراء المزيفين الذين ينشرون مشاعر الإحباط والفشل عن طريق تزييف و تزوير المعطيات و الوقائع، و قد تكاثر هؤلاء الخبراء المزيفون في وسائل الإعلام التونسية بعد الثورة.
  • و من تقنيات الخداع تعويم المسؤولية و ترذيل كل السياسيين، فالجميع يغلب مصالحه الحزبية على المصالح الوطنية و لا يعير أي اهتمام لمشاكل و مصالح الناس و احتياجاتهم. ولا شك أن في هذا تجنيا كبيرا على من غلب مصلحة الوطن على مصلحته الحزبية و ضحى بقسم من قاعدته الإنتخابية و خرج من السلطة من أجل ذلك، بينما هناك من يشتغل ليل نهار بحبك الدسائس و المؤامرات.
  • و من هذه التقنيات تلبيس الجريمة وإبعاد الشبهة عن الجناة الحقيقيين كما حصل في إغتيال بالعيد و البراهمي،
  • –         ومنها تلبيس مسؤولية الحكم وتحميلها على مدى عشر سنوات للنهضة حتى في الأوقات التي كان فيها نداء تونس يترأس السلطات الثلاث و يسيطر على الحكومة سيطرة شبه كاملة و هذا التلبيس يهدف إلى تحميل النهضة كل مسؤولية تعثر الثورة و الصعوبات التي واجهتها والتي صنعها خصومها.
  • و من أوجه التلبيس على الناس اتهام مناضلي النهضة بالحصول على تعويضات ضخمة، وإفراغ خزينة الدولة، و في هذا التلبيس إمعان في الجريمة ضد هؤلاء المناضلين الذين لم يحصلوا على فلس واحد و الذين انتهكت كرامتهم و حرمتهم قبل الثورة و بعدها.

وتهدف هذه الآليات إلى الظهور للأنصار بمظهر خادع بالثقة و القوة و السلطة و الاستعداد لدحر الأعداء، و مثاله ما تقوم به عبير موسي؛ فهي تهدف إلى إيهام أنصارها و المعادين للنهضة بأنها فوق القانون و المحاسبة و بأن حزبها لا يزال ذا سطوة ومَنَعة في أجهزة الدولة و مؤسساتها.

كما تهدف هذه الآلية الدعائية إلى تعطيل أهم مؤسسة للثورة (البرلمان) و الوصول بالمشهد السياسي إلى حافة العنف و الإحتراب، مستفيدة في ذلك من مشاعر الضغينة و إنعدام الثقة في المشهد السياسي، ومن هشاشة مؤسسات الدولة المسؤولة على تطبيق القانون.

هذه التقنية في الدعاية هي أفقر التقنيات من الناحية الفكرية و الخطابية و هي لا تهدف للإقناع ولا للتسلل من المسالك المألوفة في الدعاية للخداع و الإيهام، و لكنها تقوم على إحداث الفرجة وإثارة الإعجاب، أو على ممارسة السياسة كفرجة عنيفة و مثيرة (La politique spectacle).

هذه التقنية إذا تقوم على الإستظهار الوهمي للقوة و على إظهار الخصوم في مظهر العجز و الضعف و القصور، و لا شك أن الضعيف لا يستحق تحمل مسؤولية الحكم و الدولة.

والمقصود بالقالب الإعلامي الشروط التي يفرضها التلفزيون مسبقا على الضيوف، وهذه الشروط تمنح صاحب البرنامج سلطة واسعة في محاصرة الضيف غير المرغوب فيه و فرض إكراهات خطابية عليه؛ من ذلك بتر الوقت الممنوح له و فرض الموضوع و فرض الخصم أو المخاطب و فرض شروط الحوار و التواصل و فرض الوضعية الخطابية (وضعه موضع المتهم مثلا)، و التشويش و المقاطعة، و كل هذا يجعل إمكانية توصيل رسالة قوية للمشاهدين محدودة إلى أبعد الحدود.

يقول بيير بورديو في كتابه (التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول): إن العنف الرمزي الذي يمارسه التلفاز يوجد في المعايير المهنية ذاتها أي في الإثارة و الإختصارات الذهنية و التسطيح و الفرار من العمق و إهمال الحياة اليومية للناس و حراسة الثقافة الرسمية و الانتصار للذين لا يقرؤون على القراء، و اللهاث وراء زيادة نسب الإقبال و المشاهدة (audimat) و جلب الاشهارات بأكثر الطرق إثارة.

كما أن العنف الرمزي بنية للمؤسسة الإعلامية ذاتها؛ إذ أن من يعين إدارتها هو من يملكها كما أن الإستقرار الوظيفي للصحفيين مشروط بممارستهم للرقابة الذاتية على أنفسهم.

يقول بورديو: إنه لا يمكن أن نقول شيئا ذا بال عبر التلفزيون وأن علينا النضال من أجل أن لا يتحول الإعلام من أداة للديمقراطية إلى أداة للقمع الرمزي.

و يقول أيضا:إن على السياسي أو المثقف الذي يذهب إلى التلفزيون أن يفاوض على ظروف معقولة للكلام، و أن ذهاب المثقف الجاد إلى التلفزيون دون أن يشغل باله ما إذا كان من الممكن قول شيء مفيد خيانة. قبل الذهاب إلى التلفزيون علي أن أطرح الأسئلة الآتية: هل هناك شيء يقال؟ هل يسمح الإطار الإعلامي بقوله؟ ما الذي تفعله هناك؟

و لا شك أن من أسوأ آليات القالب الإعلامي تأثيرا ما يسمى بالكرونيكورات Chroniqueurs ، ففي الأصل مهمة الكرونيكور هي إثارة مختلف جوانب الموضوع و تحفيز الضيف لتقديم أفضل ما عنده، و أما بالنسبة للمتلاعبين بالعقول فإن الكرونيكور يقوم مقام النيابة العامة و وظيفته هي محاكمة الخصوم غير المرغوب فيهم و حشرهم في زاوية الإتهام. والإعلام التونسي – منذ قيام الثورة إلى الآن – هو عبارة عن محكمة دائمة منتصبة ليلا و نهارا لحركة النهضة.

  • l’ennemi unique

و تقوم هذه الآلية على تركيز العداء و الإتهام على خصم واحد توجه إليه كل السهام. و هذا الخصم في حالنا هو النهضة، لأنها بالنسبة للذين يحركون خيوط المشهد الإعلامي الكيان السياسي الذي ينعقد فيه مصير الثورة و الإنتقال الديمقراطي، ولأنها الكيان الوحيد بالنسبة لهم الذي يمتلك إرادة صلبة عصية على التطويع أي إرادة قادرة على تحويل حدود الممكن، ولا شك أن استهداف العمود الفقري يغني عن استهداف ما سواه ، و حتى اذا استهدفوا وجوها وطنية أو كيانات سياسية أخرى، فمن زاوية قربها من النهضة، أي من العدو الأوحد.

 قد تسمح القوى الخارجية المناوئة للثورة بديمقراطية مجوفة، مريضة ورخوة لا تقطع ذيول التبعية، و أما ديمقراطية قوية تحول حدود الممكن و تحرر من التبعية و تزيد منسوب السيادة الوطنية على كل الأصعدة فغير مسموح بها.

وتقوم هذه الآلية على استبعاد الخطاب الجيد من التلفزيون وعلى السماح للمحرضين على الكراهية باحتلال الشاشات، كما تقوم على التغافل عن الأحداث الهامة غير المرغوب فيها و على تهويل الهوامش المرغوب فيها و دفعها إلى صدارة المشهد.

هذه التقنية تقوم على الرقابة و المقصمن جهة و العدسة المكبرة من جهة أخرى، و عادة ما تعضد مؤسسات سبر الآراء الإعلام ذلك، كما هو ظاهر في المشهد السياسي التونسي.

وتقوم هذه الآلية على إعداد ملفات ملفقة لشخصيات يراد تدميرها و إخراجها من المشهد السياسي واستخدام أقصى درجات العنف الرمزي في تدميرها، ولا شك أن تحول المشهد السياسي إلى مجال للاغتيال الرمزي و لأقصى درجات العنف الإعلامي يدفع كثيرا من العقول القيمة و الأيدي النظيفة إلى إخلائه السياسي تجنبا لهذه المعارك الوسخة، و هذا ما يريده خصوم الثورة و الديمقراطية، و من أمثلة ذلك ما حصل لرفيق عبد السلام ولأنور معروف وغيرهما.

و تتمثل هذه الآلية في الكلام باسم الشعب أو باسم الأمن القومي و في احتكار صفة الإنتماء للوطن وإخراج الخصوم من تونسيتهم و من المشترك الوطني، فالإسلاميون ليسوا تونسيين ودمهم أزرق الخ…

و قد رأينا بعد الثورة تهافتا على إضافة إسم تونس إلى أسماء عديد الأحزاب. و لا شك أن هذه الآلية تنتمي إلى الأساليب الدعائية لأبشع الأنظمة الديكتاتورية في التاريخ لأنها توجه السهام إلى عدو داخلي وهمي، للتغطية ععلى كل العفن و الفساد السياسي و الإقتصادي مع ادعاء النيابة في ذلك عن الشعب المسكين.

و نحن نعرف اليوم بعد الإنهيار الذي تعرضت له الإيديولوجيات الشمولية الكبرى في الغرب أن هذه الآلية أصبحت مقززة و ممجوجة من المثقفين و من عامة الناس في الديمقراطيات العميقة.

يقول المؤرخ المعروفMichelle de Certeau في كتابه “La prise de parole”:إن من الأهداف الرئيسية لانتفاضة الطلاب في فرنسا عام 1968 افتكاك حق الكلام و حق التعبير الفردي عن الرأي، فلا أحد يحق له الكلام باسم الآخرين، لقد كانت في إحدى دلالاتها الكبرى انتفاضة ضد آليات الدعاية السياسية ووصاية الايديولوجيا و رغبة السياسيين الجامحة في الكلام باسم الآخرين.

و المشهد السياسي التونسي يعج بأدعياء الكلام باسم التوانسة و بالمولعين بممارسة الوصاية السياسية على الآخرين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى