مقالاتمقالات مجتمعية

تجليات التدين المنحط

بقلم أحمد الريسوني

أحمد الريسوني نشر في التجديد يوم 25 – 03 – 2008



لانحطاط التدين أشكال وتجليات أذكر منها ما يلي

.1 التدين المغشوش

ولعل الصفة الأساسية الجامعة للتدين المغشوش، أو الغش في التدين، هي صفة الاعتناء بالظاهر مع إهمال الباطن. بمعنى أن المتدين يعتني- في تدينه- بتحسين الأعمال والصفات الظاهرة والمرئية والملموسة، ويحرص على الالتزام بأحكام الشرع وآدابه فيها، بينما لا يبالي بعكسها مما لا يراه الناس ولا يظهر للعيان. فمثلا قد تجد المحافظة على الصلاة في أوقاتها وبهيئاتها وسننها، بدرجة جيدة جدا، ولكن الاهتمام بباطن الصلاة، أي بحالة القلب وتعظيم الرب ونباهة العقل وخشوع النفس، شيء منعدم أو كالمنعدم. وقد تجد المتدين مهذبا رقيقا، عفيف اللسان حلو الخطاب، لا يسب ولا يشتم ولا يُغلظ القول…، ولكنه في مجالسه الخاصة الآمنة، يفعل كل ذلك وأكثر منه، ويسترسل في الغيبة والنميمة والتجريح، استرسال المستبيح المستريح!! والتدين المغشوش يسهل التعايش والاندماج مع ثقافة الغش وممارسة الغش، في كافة المجالات والأعمال. فكل عمل ظاهره أفضل من باطنه، وباطنه أقل من ظاهره، ففيه غش. وكل ما يخفيه صاحبه، من تطفيف أونقص أو رداءة في أعماله وواجباته، فهو غش. وكل تدليس على الناس غش. وبهذا المعنى سنجد الغش ساريا في الدراسة والتدريس والامتحانات، على جميع المستويات، ونجد الغش في الصناعة والتجارة، صغيرها وكبيرها، وسنجد الغش في كافة الحرف والوظائف والمسؤوليات. وقد نجد الغش حتى عند أئمة المساجد والقيمين عليها. وربما أيضا عند المكلفين بالأعمال الدعوية والوعظية والعلمية. وما أكثر ما سمعنا عمن يتقاضون أجورا على دروس الوعظ والإرشاد، ثم يغيبون عنها مثل غياب البرلمانيين. ونسمع كذلك من علماء وأساتذة يُبتعثون إلى الخارج للدعوة والإرشاد، فإذا بهم ينصرفون إلى راحتهم وقضاء مآربهم، ولا يذكرون واجبهم إلا قليلا، ومثل هذا يحكى عن بعض من يذهبون في بعثات علمية إرشادية مع الحجاج، وكذلك يفعلون …! وحتى شعب الدراسات الإسلامية، وما شاكلها في القرويين وغيرها، نجد فيها أساتذة مبرزين وطلبة متفوقين في الغش وخيانة الأمانة. ومنذ حوالي عشر سنوات، بلغني أن بعض الطالبات الأخوات انسحبن من حركة التوحيد والإصلاح، لأنني أنا والأستاذ محمد الروكي رسبناهنَّ في الامتحان ! وقد سرني ذلك الانسحاب، لأنه يقلل من الغش والغشاشين في صفوف الحركة. وهكذا نجد الغش يتعايش ويتجاور مع الصلاة والصيام، ومع الدراسات الإسلامية، ومع الذِّكْر والحج، ومع الدعوة وتلاوة القرآن ، ومع قوله صلى الله عليه وسلم(من غش فليس منا)!!

.2 التدين المعكوس وأعني به التدين الذي يَقْلب أصحابُه مراتبَ الشرع وقيمه ومقاصده وأولوياته، فيتشددون ويبالغون فيما خففه الشرع، أو لم يطلبه أصلا، ويهملون ويضيعون ما قدمه وعظمه. فتجد من الحرص والتزاحم على صلاة التراويح، وعلى تقبيل الحجر الأسود، ما لا تجده في فرائض الدين وأركانه.وتجد الإنفاق والإغداق في الولائم والضيافات والعمرة، مع تضييع فرائض الزكاة وحقوق الشركاء والأقارب والفقراء والمستخدمين … وحين نقرأ ما في القرآن والسنة عن وحدة المسلمين وأخوتهم وتكاتفهم وتعاونهم، وما فيهما من نهي ووعيد وتحذير من التباغض والتدابر والتفرق، ثم ننظر ما عليه المسلمون، شعوبا وحكاما، ودعاة وعلماء، ومذاهب وحركات، نرى كثيرا من المسلمين قد عكسوا ذلك كله رأسا على عقب، وأنهم قد جعلوا التباغض والتفرق شريعة من شرائعهم، وجعلوا الاقتتال والتصارع شعيرة من شعائرهم. ومثل هذا نجده حين نرى ما جاء به الإسلام من طهارة ونظافة ونقاوة، تتصدر أحكامُها وآدابها كافة كتب الفقه والشريعة، ثم ننظر في عالم المسلمين مغربا ومشرقا، فنرى حواضرنا ومدننا – بشوارعها وحدائقها وساحاتها وأسواقها – غارقة في الأوساخ والأوحال والأزبال. ويظل المسلمون يترددون على مساجدهم وصلواتهم، ويسمعون أئمتهم يقولون ويعيدون: سووا صفوفكم، استووا واعتدلوا، وإن الله لا ينظر إلى صف أعوج…، ولكن قلما تخلو صلاة من صف أعوج، وقلما ترى المسلمين عند الأبواب والشبابيك وغيرها من مواطن الازدحام، إلا في حالة فوضى وتدافع، يموج بعضهم في بعض ويدوس بعضهم، نساء ورجالا.

 .3 التدين المحروس وأعني به التدين الذي لا يلتزم به أصحابه بواجباتهم، إلا بالمراقبة والمطالبة والملاحقة، ولو تُركوا لتَركوا. فهم ممن يصدق فيهم قول الله تعالى ؟وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا؟ آل عمران/75. فكثير من المسلمين المتدينين، المبادرين إلى الصلاة والصيام والحجاب واللحية والسبحة، تجدهم في الوقت نفسه، متهربين متملصين من أداء حقوق الناس عليهم، أوْ لا يؤدونها إلا بكثير من المماطلة والإعنات لأصحابها. مع أن الفقهاء لا يفتأون يرددون: حقوق العبد مقدمة على حقوق الله. وعلى سبيل المثال، فإن المقترض أوالمستعير، الذي يرد العارية والقرض في أجله وبدون طلب، قد أصبح من نوادر الزمان، بين المسلمين من أهل القبلة والصيام والازدحام في التراويح… وأما مذهب الجمهور، فهو تناسي الدين والعارية، وعدمُ ردهما بالمرة، أو ردها، لكن بعد فوات الأجل، أو بعد ملاحقات وتوسلات وتسويفات. وأما إذا كان العمل المطلوب أداؤه، يدخل في الحقوق والمصالح العامة، أو كان من الواجبات الكفائية، التي تُبنى بها الأمم وتنهض، فإن الإهمال والتفريط فيها، هو السلوك المتعارف عليه عند معظم إخواننا المتدينين، بمن فيهم كثير من أبناء الحركة الإسلامية، وقلما يؤديها أحد من غير أن يكون واقعا تحت المطالبة والمحاسبة. ( يتبع)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى