ضيف الموقع

رصيد الديمقراطية في الواقع في مقابل الحاجة الماسة إلى العدل

بقلم الدكتور خالد علمي

تعرف الديمقراطية في الآونة الأخيرة تراجعا ملحوظا في مدى شعبيتها عبر العالم. فقد شهدنا كيف تم رفض العملية الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة “معقل الديمقراطية” والهجوم العنيف على رمز ديمقراطيتها -الكونغريس-. كما شهدنا كيف تم صفع الرئيس الفرنسي المنتخب ديمقراطيا في ما يسمى ب”بلد الانوار”. وأخيرا الإعلان عن مقاطعة الانتخابات عبر رسالة مفتوحة موجهة مباشرة إلى ملك المغرب من طرف المدونة الصحفية مايسة سلامة الناجي.
فكيف وصل هذا الإحباط من الديمقراطية التي ظلت لزمن طويل أملا للإنسانية؟

1- تطلعات الديمقراطية:

مر مفهوم مصطلح الديمقراطية بمراحل تطور عديدة، بدءا باحترام حقوق الإنسان مع شريعة حمورابي عام 1754 قبل الميلاد، مرورا بمفهوم التشاركية في صناعة القـرار فـي دولـة أثينـا، وسياسة اختيار الممثلين في روما الجمهورية، ووصولا إلى ظهور مفهوم الديمقراطية المعاصرة مع تشريع دستور الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1789م. ويمكن تعريف الديمقراطية لغة انطلاقا من الترجمة الحرفية للكلمة اليونانية “Demokratia” بأنها الحكم عبر الشعب، أمـا اصطلاحا، فيمكـن تعريف الديمقراطية بأنها العملية السلمية لتداول السلطة بـين الأفراد أو الجماعات، تؤدي إلى إيجاد نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل علـى شكل أخلاقيات اجتماعية. وقد ساهمت مجموعة من التطورات والأحداث العالمية منذ القرن السابع عشر الميلادي في انتشار الديمقراطية وتطورها، كظهور عصر التنوير والثورة الصناعية في أوروبا وحركات التحرر من الاستعمار الغربي وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1990م وانتهاء بالتطور التكنولوجي وثورة الاتصالات الحديثة.
واستنادا لمبدأ ضمان حقوق الإنسان وسيادة القانون واحترام الحريات الأساسية وتداول السلطة يمكن تلخيص الأهداف المحورية للديمقراطية كالتالي :

  • تحقيق الاستقرار السياسي عبر إيجـاد نظام انتخابي قوي وفعال ومقبول من طرف الشعب.
  • الحد من الفساد وتفعيل مبدأ المراقبة والمساءلة والمحاسبة.
  • القضاء على النزاعات والتوترات السياسية والعقدية والعرقية والإيديولوجية.
  • تمتع المواطنين بالحقوق الأساسية للإنسان والإحساس بالرضا والطمأنينة.
  • تحقيق المساواة في المعاملة بين كافة أفراد المجتمع.
  • تجديد قوى المجتمع وخلق قيادات جديدة.
  • خلق نظام سياسي أكثر استمرارية.
  • تشجيع عملية الإبداع والتفكير الحر.
  • تعزيز الوحدة الوطنية والانسجام الوطني.
    فهل استطاعت الممارسة الديمقراطية تحقيق تلك الأهداف في الواقع المعاش ؟

2- واقع الديمقراطية في العالم الغربي :

لطالما ابتهجت الولايات المتحدة الأمريكية بلقب «زعيمة العالم الحر». فقد ظلت الانتخابات الرئاسية الأميركية المثال النهائي العملي للديمقراطية. لكننا شهدنا خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة أحداثا لا مثيل لها. حيث تم الطعن قضائيا في عملية التصويت، وتم التعبير على رفض النتائج في الشوارع على شكل احتجاجات وصلت إلى حد اقتحام الكونغريس -مركز التمثيلية الديمقراطية-. وقد أظهرت تلك الأحداث أن الديمقراطيات يمكن أن تفشل في أي مكان. وأن تعثر الجهود في «تعزيز الديمقراطية» يمكن أن تنطبق، أيضاً على الولايات المتحدة العريقة في الممارسة الديمقراطية. فهذه الأخيرة تتطلب إعلاماً حراً، وخدمة مدنية قوية، ومحاكم مستقلة، وإطاراً دستورياً آمناً وثقافة ديمقراطية يقبل فيها الخاسرون في الانتخابات بالهزيمة. فكل هذه الأشياء كانت تعتبر من المسلمات في الولايات المتحدة. لكن الأمر لم يعد كذلك بعد رفض الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالهزيمة باعتبار أن النتائج كانت مزورة.
ومنذ تلك النكسة بدأ السياسيون الأمريكيون يعلنون بصوت عالٍ أن بقاء القيم والنظم الذي يعتزون بها أهم من الديمقراطية نفسها. فقد غرد السيناتور مايك لي من ولاية يوتا : «الديمقراطية ليست الهدف، بل الحرية والسلام والازدهار، نريد أن يزدهر الوضع الإنساني، يمكن للديمقراطية أن تحبط كل ذلك». ومع بروز هذه الأحداث للعلن، باتت الخشية من ظهور الأمراض السياسية الداخلية التي كان يعتقد من قبل أنها تقتصر فقط على الديمقراطيات الفاشلة في العالم الثالث.
وعلى إثر هذه التطورات، قام تحالف القيادة العالمية بالولايات المتحدة بمراجعة أكثر من 100 تقرير من مراكز أبحاث ومعاهد سياسية رائدة عبر الطيف السياسي بشأن السياسة الخارجية والأمن القومي بحثا عن سياسات التوافق بين المؤسسات السياسية الأميركية وعقلها الإستراتيجي، وانتهى تقريره هذا العام إلى أن الدفاع ضد الاستبداد المتزايد هو أحد التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في العالم. وقد انعكس هذا الإجماع الإستراتيجي على مضمون وثيقة الأمن القومي الأميركي المؤقتة التي صدرت في شهر مارس 2021 عن البيت الأبيض. إذ تم التركيز فيه كثيرا على الديمقراطية، وهذا يحيلنا إلى علاقة الديمقراطية بالفلسفة التي أُسست عليها الوثيقة، و علاقتها بالأمن القومي الأميركي وتحقيق المصالح. فقد حمل التوجيه الإستراتيجي للأمن القومي الأميركي عنوان “تجديد مزايا أميركا” ويبدأ ذلك “بتنشيط الميزة الأساسية لديها “ديمقراطيتها”، على حد قول الرئيس جو بايدن في مقدمة الوثيقة التي أبرزت بشكل جلي الأزمة التي وصلت إليها ميزة الديمقراطية “نحن نواجه وباء عالميًا، وتراجعًا اقتصاديًا ساحقًا، وأزمة عدالة عرقية، وحالة طوارئ مناخية عميقة. نحن نواجه عالمًا من القومية المتصاعدة، وتراجع الديمقراطية، وتزايد التنافس مع الصين وروسيا والدول الاستبدادية الأخرى، وثورة تكنولوجية تعيد تشكيل كل جانب من جوانب حياتنا”. لذا فهناك إدراك قوي بأزمة الديمقراطية الأميركية وجب بذل الجهد الشاق لتحصين ركائزها التأسيسية، والتصدي جديا للعنصرية النظامية.
من جهة أخرى يمكن ملاحظة أشكال أخرى من مظاهر أزمة الديمقراطية في أوروبا من قبيل : تنامي الرفض الشعبي للمشروع الديمقراطي، تنامي الحركات العنصرية، ضعف شعبية الأحزاب السياسية الممثلة، رفض نتائج الانتخابات، تنامي التوترات داخل المجتمعات… وقد رمزت إلى ذلك بشدة صفعة المواطن الفرنسي لرئيسه ماكرون. وللتذكير فقد سبق أن وصف رئيس الوزراء البريطاني السابق «تشرشل» في وصف مكانة الديمقراطية بين الأنظمة السياسية الأخرى بأنها أفضل الأسوأ.

3- واقع الديمقراطية في العالم العربي :

مع اندلاع موجة الاحتجاجات الشعبية في أكثر من بلد عربي منذ ديسمبر 2010، لوحظ أن النواة الصلبة لمختلف المطالب والشعارات تمحورت حول محاربة الفساد وإسقاط الاستبداد على شكل صرخة جماعية واعية ومدوية، صدرت عن شرائح اجتماعية واسعة أرادت من خلالها أن تنبه وتشير إلى أن هذه الأورام (الفساد والاستبداد والإقصاء) التي انتشرت على نطاق شاسع وتغلغلت في مفاصل الدولة وتجدرت في المؤسسات إلى أن تحولت على مدى عقود إلى ثقافة وممارسات دمرت نظام القيم الإيجابية للمواطنة والحقوق والواجبات، وخلقت قناعات شاذة داخل المجتمع، وشجعت على الفردانية والانتهازية والمحسوبية والقبول بالإذلال، ونسفت كل المعايير الضامنة للتدبير الرشيد والجيد والعقلاني للمؤسسات، وهذا ما أفسح المجال أمام جحافل أهل سوء التدبير والمحسوبية وشبكات المصالح وعلاقات القرب من الحكم ومراكز صناعة القرار، والنفاق الاجتماعي والكذب السياسي والتزوير وشراء الذمم وصناعة أساطير وهمية في أكثر من قطاع وتحويل الرشوة إلى نظام اجتماعي مقبول لا يثير حرجا أخلاقياً والجري وراء المال مهما كانت لا أخلاقية وعدم شرعية المسالك المؤدية إليه، أي أن السلوكيات الفاسدة خربت المجتمع والدولة و النفوس والعقول، ونهشت كل شيء إيجابي وجميل وإنساني. فقد تحول الفاسد إلى نموذج اجتماعي وسياسي واقتصادي وإعلامي، ومن المفارقات المستفزة للعقل الجماعي والأخلاقي، أن يتمتع الفاسد بالشروط التي تحصنه وتحميه، وتضعه في مكان آمن لا يمتد إليه قانون ولا محاسبة ولا مساءلة، وهذا ما جعل مسؤولين عديدين يتحولون في ظل تجذر ثقافة الفساد والاستبداد السياسي والاقتصادي والإعلامي إلى ديناصورات مالية وعقارية وإدارية تتحكم في دواليب الاقتصاد والسياسة والإعلام، ودفعها هذا الوضع إلى تحديد نوعية النخب التي يحتاج إليها هذا النظام أو ذاك، لبناء النموذج الذي يضمن إعادة إنتاج البنيات والعلاقات نفسها. هذا الواقع المتدني بلغ من الوعي مداه عند عامة الناس في العالم العربي لدرجة رفض المشاركة في التصويت في الانتخابات كإحدى أدوات الممارسة الديمقراطية الأساسية. وكان مضمون رسالة الصحفية مايسة سلامة الناجي إحدى التعبيرات عنها.

4- واقع الديمقراطية مع وجود الفساد :

أصبح الفساد في عصر الديمقراطية أقوى من ذي قبل، فالفاسد بما حققه من ثروة بطرق غير مشروعة استطاع أن يستقوي بإيجاد السبل الكفيلة لاستقوائه، من خلال انخراطه وتزعمه واشتراكه في كل التكتلات الحزبية والتنظيمات والنقابات. وبما أن النظام الديمقراطي يفسح المجال لفضح الفساد، ومعالجته من خلال الأجهزة الرقابية المستقلة، فقد عمل أهل الفساد على الانخراط في كافة الأجهزة الرقابية لتمييع صورة الديمقراطية والحصول على حصانة تحمي نشاطهم وفسادهم ومصالحهم باسم الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان. والأهم حماية متنفذي السلطة. فالفاسدون من خلال استماتتهم في الدفاع عن مصالحهم المكتسبة لن يتوانوا عن التشدق والتمسك بالديمقراطية، وركوب موجتها والعمل بكل الوسائل والخطط والبرامج المتاحة على حجب المعلومة الصحيحة التي تكشف الحقيقة للناخب الذي يدلي بصوته.
وفي هذا الإطار يلاحظ أن البلدان العربية التي لديها نوع من الممارسة الديمقراطية البرلمانية هي من تعاني الفساد المالي والإداري، والمحسوبية، والواسطة فقد أصبح الفساد ظاهرة عامة منتشرة في كل مؤسسات الدولة. فتجد أن أهل الفساد المستحوذين على كافة مناقصات الدولة هم أعضاء في البرلمانات العربية ومشاركون مع أعضاء في الحكومات و متنفذي السلطة في تلك البلدان.

5- العدل قوام العالم :

ينقل عن الفيلسوف اليوناني أرسطو «العدل مألوف وبه قوام العالم». ويقول عالم الاجتماع العربي ابن خلدون «العدل أساس الملك» ويتبع ذلك بسنة أساسية «الظلم مؤذن بخراب العمران». وفي نفس السياق يقول الفقيه الإسلامي ابن تيمية «إن أمور الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل.. أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام».
هذه المقدمات التي نستقيها من أعلام في تراث الإنسانية إنما تؤكد على العدل كقيمة كلية ومؤسسة وآلية ينتصف بها الناس وتقضى بها الحقوق وترقى بها الدنيا ويقوم على أساسها العمران وينهض بها كل إنسان. ويمكن بناء التصور الفلسفي للعدل على ثلاث مرتكزات أساسية : 1- القسط والميزان بإعطاء كل ذي حق حقه، 2- المساواة بين جميع الناس أمام القانون، 3- الإنصاف واستيفاء الحقوق لأصحابها. ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، في الرضا والغضب، مع من نحبّ ومع من نكره.
وبالاطلاع على ما سبق من واقع الممارسة الديمقراطية عبر العالم، يمكن ربط أزمة الديمقراطية بديهيا بتفشي الظلم والفساد بشتى أشكاله وألوانه ومظاهره. فقد كان من شروط نجاح أي ممارسة ديمقراطية أن تكون مرتكزات العدل متجذرة في شخصية أي ممارس للديمقراطية -ناخبا كان أم منتخبا- وأن تكون معيارا أساسيا في انتقاء آليات الديمقراطية مع استبعاد كل مظاهر الظلم القائم.
يستخلص مما سبق أن النظام الديمقراطي المشروع هو الذي يعتمد العدل كقاعدة تنظيمية للعلاقات بين الأفراد وتدبير الشأن العام وأن ثلاثية العدالة والمساواة والإنصاف هي الكفيلة بضمان شرط المواطنة التي تعد مصدر شرعية سيادة الدولة ومصدر هيبتها وسؤددها.

يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون الآية 8 – سورة المائدة – القرآن الكريم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى