ضيف الموقع

نظرية المؤامرة” بين الانسياق الكامل والبحث عن الحقيقة

نظرية المؤامرة” بين الانسياق الكامل والبحث عن الحقيقة

بقلم الدكتور خالد علمي

عاد مصطلح “نظرية المؤامرة” إلى الواجهة مرة أخرى بعد بروز جائحة كورونا أو «كوفيد-19» منذ سنة ونصف واكتشاف عدد من اللقاحات المضادة له. فبعد أن ضرب الفيروس بلدان العالم نمت فكرة تشير إلى أنه سلاح بيولوجي مصنع -وليس طبيعي- من طرف سلطات معينة إلى حد الادعاء أن اللقاح هو عبارة عن شريحة يعمل على زرعها في أجساد البشرية، على الرغم من أن العديد من الدراسات نسفت هذا الاحتمال بكل تفاصيله. فبداية اتهم سياسيون في الولايات المتحدة الصين بصناعة الفيروس وهندسته بيولوجياً داخل مختبر صيني بمنطقة ووهان الصينية، وقام الصينيون بدورهم باتهام الولايات المتحدة أنها هي من قامت بالهندسة الحيوية للفيروس وأن جندياً من البنتاغون هو من قام بنشره في منطقة ووهان الصينية.

وقد كان ما واكب فيروس كورونا من موجة من التشكيك إحدى نماذج ما يسمى بنظريات المؤامرة التي عرفتها البشرية في الكثير من الأحداث التاريخية الضخمة سابقا، مع وجود فارق في سرعة الانتشار بسبب وسائل الإعلام والتواصل الحديثة.

فكيف يمكن فهم “نظرية المؤامرة” ؟

1- تعريف “نظرية المؤامرة” :

“نظرية المؤامرة”  (Conspiracy Theory)هو مصطلح يشير إلى شرح حدث معين أو موقف ما استنادا إلى مؤامرة ما عندما لا يوجد سبب واضح يبررها أمام الناس وعندما تكون الحادثة غير مسبوقة. وبشكل عام يكون مضمون هذه المؤامرات إما أفعالاً غير قانونية أو عدائية تقوم بها جهات معينة لأغراض سياسية أو اقتصادية معينة، وتُنتج في أغلب الحالات افتراضات تتناقض مع الفهم السائد. وتبنى   نظريات المؤامرة عموما على ثلاث أسس رئيسية: أولاً- تفسير ما لا يمكن للتحليل المؤسسي تفسيره، فتجعل العالم المربك أكثر منطقية، ثانيًا- تقسيم العالم إلى قوى النور وقوى الظلام، بحيث تعيد كل الشرور إلى المتآمرين ووكلائهم، ثالثًا- تقديم معرفة سرية خاصة، فبالنسبة لمنظري المؤامرة، توصف الجماهير أنها عبارة عن قطيع مغسول الدماغ، في حين أن منظري نظرية المؤامرة يملكون المعرفة التي تؤهلهم لاختراق خداع المتآمرين.

2- “نظرية المؤامرة” في المجتمعات الغربية :

تجدر التفكير بالمؤامرات في أميركا مع وصول المستعمِرين، وتبنى كل حزب يشارك في سياسة البلد إدعاءاتٍ أن شبكات من القوى المستترة تعمل لتحقيق أهداف خفية. فعند بداية تأسيس الجمهورية، حذرت مجموعة “جيفرسون” من أتباع النظرية الشعبية أن فدراليي المؤسسة، مثل “ألكساندر هاملتون”، كانوا يخططون لجعل أميركا دولة ملكية. وبالمقابل، وفي انتخابات سنة 1800 اتهم بعض المحافظين “توماس جيفرسون” بأنه قام مع أتباعه بالتحالف مع المتنورين من النخب الأوروبية التي تخطط للإطاحة بالحكومات والاستيلاء على الملكيات الخاصة وتدمير المسيحية. وخلال الفترة التي سبقت الحرب الأهلية كان العديد من الشماليين يخشون قيام “سلطة الرقيق” الجنوبية الغامضة بالسيطرة على الحكومة عن طريق القتل والابتزاز. وفي القرن العشرين ادعى بعض المحافظين أن عمليــــــة إضافة  مادة الفلور إلى ماء الشرب لمنع عملية تسوس الأسنان كانت مؤامرة لإضعاف الأمة، كما أنتج اغتيال الرئيس السابق لأمريكا “جون كينيدي” عدة نظريات مؤامراتية وضعت كوبا والمافيا والمخابرات “C.I.A” موضع الشبهة. ولا يزال ارتباط نظريات المؤامرة بالسياسة الأميركية إلى يومنا هذا، بحيث أصبحت في مركز حياة الشعب العامة أكثر من أي وقت مضى: -قضية أوكرانيا وعلاقتها بشبهة قرصنة روسيا للانتخابات الأميركية سنة 2016، -مكان ولادة الرئيس السابق أوباما، -علاقة الرئيس السابق ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولا تقتصر نظريات المؤامرة في الولايات المتحدة على السياسيين، إذ يشترك عدد كبير من الأمريكيين في معتقدات مثيرة للدهشة حول السياسة والأمة. في هذا السياق يقول “ايريك أوليفر” أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو أنه لو أجريت استبيانات عن خمس أو ست نظريات شائعة للمؤامرة مثل الادعاء الكاذب أن وكالة الفضاء الأمريكية  “N.A.S.A” زيفت حدث الهبوط على القمر، أو الادعاء أن إدارة الغذاء والدواء F.D.A الأميركية تحجب علاجات طبيعية للسرطان تحت ضغط مؤسسات إنتاج الغذاء والدواء الكبيرة، فسيؤشر نصف المشاركين واحدة منها على الأقل أنها حقيقية. وتشير بعض الدراسات أن  نحو 19% من الأمريكان يصدقون نظرية كون أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001 “عمل داخلي”. أما الأشخاص الذين يؤمنون بما وراء الطبيعة مثل الأشباح والإدراك الحسي للخوارق فهم الأكثر ميلا لنسب الحقيقة إلى نظريات المؤامرة. وقد زاد نشاط المسيحيين الإنجيليين داخل الحزب الجمهوري الكثير من الحساسية عند الجمهوريين تجاه التفكير بنظريات المؤامرة. وقد جسد الرئيس ترامب السابق التوجه الحديث العهد لنظرية المؤامرة بحيث أصبحت “المؤامرة” بدون “نظرية” وتعمل بدوافع مكشوفة، حينما يقال: الانتخابات مزورة، الصحافة فاسدة، الديمقراطيون منهمكون في الخيانة… وهي اتهامات تكون على اتساع تفاصيلها شبه مستحيلة الإثبات أو النفي وعموما يمكن القول أن نظريات المؤامرة تعكس طريقة تفكير؛ فبعضها صحيح وبعضها يحمل خيطا من الحقيقة، والبعض الآخر زائف. وهذه الطريقة في التفكير تنبعث من منطلق أن القوة طموحة وشاسعة وأن الحرية دائما تتخذ الموقف الدفاعي. وهو ما أطلق عليه المؤرخ الأمريكي “ريتشارد هوفستادتر” تسمية “نمط جنون العظمة في السياسة الأميركية”. 

وفي نفس السياق يمكن استخلاص نماذج مشابهة من مظاهر نظرية المؤامرة في القارة الأوروبية. فقد أشارت بعض الدراسات -مثلا- أن 88% من الفرنسيين يتفاعلون مع الأخبار التي تدل على نظرية المؤامرة، وأن فيروس كورونا مصنع وأن تعميم لقاحه يدخل في إطار المؤامرة.

3- “نظرية المؤامرة” في العالم العربي والإسلامي :

كما هو الشأن بالنسبة لباقي أمم المعمور، عرفت المجتمعات العربية والإسلامية النظريات المؤامراتية وشهدت انتشارها الواسع النطاق مع الطفرة الإعلامية والتواصلية الحديثة. والأمر لا يتعلق بالجهل والأمية فقط، لأن كثيراً من المعتقدين بنظرية المؤامرة في هذه المجتمعات من الذين يحملون درجات علمية عالية، كما أنهم مدربون جيداً، سواء كانوا حكاماً أو محكومين. فقد كانت أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من “الحرب على الإرهاب” قد أفرزت مجالا خصبا لانتعاش نظرية المؤامرة التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل وراء تلك الأحداث، وما تلاها من وجود علاقة بينها وببن تنظيم “داعش”، استناداً إلى نشر مقتطفات من مذكرات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون على نطاق واسع في الأنترنيت، مع أنه لم يتم الحسم نهائيا في مدى صحتها. وفي استطلاع للرأي “بيو” تم عام 2011، أي بعد عقد من الزمن على أحداث 11 سبتمبر، كشف أن معظم الذين شملهم الاستطلاع في دول مثل مصر والأردن ولبنان رفضوا تصديق أن الهجمات تمت على يد أفراد تنظيم القاعدة من العرب. ومن جهة أخرى، كانت نظريات المؤامرة وراء تفسير موجات الاحتجاجات  الشعبية فيما يسمى ب”الربيع العربي” في تناغم تام مع أجندات الأنظمة الحاكمة في العالم العربي. وقد بلغت  النظريات المؤامراتية مؤخرا إلى الاعتقاد بأن بابا الفاتيكان أشرف شخصيا على إضافة مركب إضافي في جرعات اللقاح ضد الكوفيد-19 الموجهة للعالم العربي تهدف إلى القضاء على النسل العربي.

 كل هذه الاعتقادات لم تنحصر على العالم العربي فحسب، أو الشرق الأوسط، ففي باكستان مثلا، يعتقد بعض الناس أن الطوفان الكبير الذي ضرب باكستان وقتل نحو 2000 باكستاني ناجم عن تقنية عسكرية أميركية سرية، كما يعتقد آخرون أن زعيم القاعدة  “أسامة بن لادن” قتل على يد “وحدة زيل” التابعة للبحرية الأميركية في باكستان حتى عام 2011. وفي نيجيريا، التي انتشر بها فيروس شلل الأطفال بعد أن قاطع السكان المحليون اللقاح المضاد للشلل، لاقتناعهم بأنه مؤامرة غربية لنقل مرض “الإيدز” للمسلمين. وفي إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث تعداد السكان، حيث يلقي كبار السياسيين والصحافيين بالمسؤولية عن تفجيرات بالي على عملاء أميركيين. والجدير بالذكر أن الدول التي تقطنها غالبية مسلمة تعرضت لمؤامرات حقيقية متنوعة، وتآمرت الدول الاستعمارية لتقسيمها فيما بينها في اتفاقات “سايكس بيكو” عام 1916، وتآمروا للهجوم على مصر، بمساعدة إسرائيل، وعملوا على التحريض لأزمة السويس عام 1956، واتهموا العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل في العراق عام 2003 لتبرير  الغزو الغربي عليه. هذا وقد تعدت نظريات المؤامرة إلى التشكيك في المسلمات العلمية التي وصل إليها العلم والارتماء في حضن مدارس التشكيك بالحقائق العلمية التي تنشط في الغرب.  

بصفة عامة، وبسبب التخلف العلمي والضعف الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية، تصبح هذه الأخيرة مرتعا لانتشار الإشاعات والأكاذيب وتآمر المتآمرين وبالتالي مجالا خصبا لانتشار نظريات المؤامرة بغض النظر عن صحة وجود المؤامرة أو عدم وجودها.

4- “نظرية المؤامرة” في السياق العلمي :

من منظار فلسفي يمكن -إلى حد ما- اعتبار أن النظرية السببية هي أساس العلم والفلسفة معاً، أي لا شيء يحدث، أو يصبح قابلاً للفهم بدون أسباب، مهما كانت صعوبة تحديدها، بمعنى أن تفسير ظاهرة ما، يعني أولاً، إظهار أسباب ظهورها وهو ما يفسر النتيجة، ومن هذا المُنطلق فإن أصحاب نظرية المؤامرة يعكسون هذه النظرية، فالأسباب عندهم تصبح النتائج والنتائج هي الأسباب. فمثلا، حين نتهم الصين بالتآمر لنشر وباء “كورونا”، لضرب أمريكا اقتصادياً – او العكس- ، فإننا نضع الوباء في درجة ثانية تتبع المحرك الأول وهو ضرب الاقتصاد المرجو. وهذه العقلية تسهل عملية الفهم وتبسطها، وبالتالي تبعد قلق البحث عن الأسباب أو فهم النتائج.

من زاوية علم الاجتماع، يمكن تلخيص الركائز التي تعتمد علبها نظرية المؤامرة في خمسة أمور : أولا- لا شيء يحدث بالصدفة. ثانياً- كل ما يحدث هو نتيجة إرادة مُسبقة مخفية. ثالثاً- لا شيء يبدو كما هو حقيقة، بل هو وهم أو خيال للتضليل، والحقيقة بمكان آخر. رابعا- كل الأمور مترابطة. خامسا- جمع الأدلة الدامغة بهدف إثبات النظرية فقط وليس العكس. ويقول بعض علماء الاجتماع أن نجاح هذه النظريات مرتبط بحب الناس للحصول على تفسير كامل -متطابق مع النظرية بالطبع- للعالم وما يحدث فيه. وهذا راجع إلى أن النظريات المبنية على الحقائق العلمية لا تعطي جواباً كاملاً شافياً، بسبب طبيعة العلم المُتغير والمتطور والمعقد أحيانا، وبالتالي لا يهتم بها إلا النخبة القليلة. وفي سياق متصل، تعتبر الدوافع الاجتماعية جزءاً أساسيًا من أسباب اللجوء إلى نظريات المؤامرة، التي غالبًا ما تكون أكثر تفشيًا عند المجموعات المغلوبة أو الضعيفة -مثلًا عند مؤيدي الحزب الخاسر في انتخابات معينة- وعند المجموعات التي تعاني من النبذ أو التمييز لأسباب عنصرية أو إثنية أو طبقية. فيكون الإيمان بنظريات المؤامرة في هذه الحالة تعويضا نفسيا جماعيا عند الفئة الضعيفة، وهروبا من الشعور بالذنب الجماعي. كما يمكن ربط نظريات المؤامرة، في بعض الأحيان، بالنرجسية الجماعية وهي الشعور بالفخر بالانتماء لجماعة معينة، والشعور بأن هذه الجماعة غير مُقدّرة بشكل كافي من قِبل جماعات أخرى.

علم النفس، بدوره، يُعطينا تفسيراً للأسباب الموجودة خلف عقلية المؤمنين بنظرية المؤامرة. فقد توصلت الأبحاث المنجزة حول الموضوع من طرف علماء النفس -أمثال عالِم النفس في جامعة نيويورك، -جاي فان بافيل- أن الناس لديهم الحافز للاعتقاد بنظريات المؤامرة غالبا لخمسة أسباب: أولاً- تجعل المؤمنين بها يشعرون بالرضا عن أنفسهم وعن الجماعات التي ينتمون إليها. ثانياً- تساعد المؤمنين بها على إيجاد معنى في عالم مُربك. وثالثاً- تدفع المؤمنين إلى الشعور بالأمان والسيطرة. رابعا- تساعد المؤمنين بها في دعم هويتهم الاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة للنازيين الجدد وأساطيرهم حول اليهود. خامسا- تحقق رغبة الإحساس بالتفرد عند المؤمنين بالنظرية بحيث  يرون أنفسهم على أنهم “مميزون” و”متفردون” لأنهم مطلعون على المعرفة التي ليست لدى الآخرين، كمن يعتقد بأن الأرض مسطحة أو أن الحكومة تسيطر عليها كائنات فضائية خارجية أو غير ذلك. وقياسا على نظريته حول ما سماه “الوهم الديني”، رأى مؤسس علم النفس التحليلي “سيغموند فرويد” أن أصحاب  نظرية المؤامرة هم بشكل عام، أناس قلقون بطبيعتهم “عقدة الاضطهاد”، وهم بذلك، في حاجة دائمة لتفسيرات كاملة شافية للغليل لما يحدث، حتى يتمكنوا من السيطرة على قلقهم هذا. فنظرية المؤامرة إذا تعطي هؤلاء هذه الطمأنينة، لأنها تفسر لهم كل شيء وبالتفاصيل -حسب قوله-. وترى المدرسة المعرفية السلوكية  في علم النفس أن نظرية المؤامرة تمتلك سمات تميزها عن غيرها من التفسيرات السببية، فهي: – تشكك بوجود أحداث مخفية عن العامة، – تفترض تنسيق مجموعة من الأشخاص لأحداث معينة، – تقاوم الدحض بافتراضها أن المتآمرين يتبعون أساليب للتخفي، – تشير أن من يحاول دحض نظرية المؤامرة هو في الحقيقة جزء منها، – تحمي معتقداتها باعتبار الأدلة العلمية والثابتة المعاكسة لها نابعة عن المؤامرة بحد ذاتها.  ويكون الاعتقاد بنظرية المؤامرة انطلاقًا من هذه الدوافع أقوى: – عند الأشخاص الذين يميلون سلوكيًا إلى إيجاد المعنى والنمط في البيئة المحيطة بشكل اعتيادي، – عندما تكون الأحداث عالية المستوى ومترافقة مع تفسير بسيط لا يرضي الأشخاص، – عند الحاجة لخلاصة معرفية Cognitive Closure فيما يتعلق بالأحداث الغير مترافقة بتفسير رسمي واضح. – عندما يتعرض الأشخاص للتوتر الناتج عن الشك. وكدوافع وجودية إلى جانب التفسيرات السببية، فهي أيضًا تخدم حاجة الأشخاص للشعور بالأمان والسيطرة ضمن البيئة المحيطة كأشخاص مستقلين أو ضمن جماعات. فيلجأ الأشخاص إلى نظرية المؤامرة عندما تكون هذه الحاجات غير متوفرة لديهم أو في محيطهم.

5- “نظرية المؤامرة” في السياق القرآني :

وردت في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تخص موضوع المؤامرة والتي تتحدث عن وجود جماعات من الناس الذين يحوكون خيوط الإيقاع بأمة الإسلام، ويحاولون تجريد المسلمين من حقيقة إيمانهم، ويسعون جاهدين لإضعافهم واستهداف رموزهم، وذلك لأسباب عديدة، أهمها حرص هؤلاء المتآمرين على تحقيق مصالح ومكاسب ذاتية تتوقف عليها امتلاك مصادر القدرة والقوة والرفاهية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. على انه ليس شرطا أن يكون المتآمرون أمما أو شعوبا كبيرة ذات ثقافات ومعتقدات غريبة عن امة الإسلام، فأحيانا نجد أن القران الكريم يعطينا صورا عن جماعات صغيرة ومغمورة تتحرك سرا في قلب الأمة للإجهاز على عقيدتها، وهذه الصورة هي أفضل مثال لـ “نظرية المؤامرة”. فالقرآن الكريم يبلغنا أن أكثر الطوائف التي عملت على نسج خيوط المؤامرة ضد المسلمين هي ثلاث طوائف أساسية : المشركون، والمنافقون، واليهود، وربما كانت الطائفة الأخيرة هي الأكثر نشاطا في هذا المجال أكدتها الوقائع التاريخية. فابتداء من اتفاق المشركين على اغتيال الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وتحالف اليهود معهم للقضاء على الدولة الإسلامية الفتية، وصولا إلى تولي المنافقين مناصب حساسة في أجهزة حكم الدولة الإسلامية، وتقرب شخصيات يهودية الأصل من تلك المراكز، كانت المؤامرات تنسج بأساليب وأشكال مختلفة، وكلها تتفق على هدف القضاء على الإسلام وأهله. و قد نبهت العديد من الآيات القرآنية المسلمين من نشاطات أولئك المتآمرين ودعت إلي الوقوف على حقيقة ما في أنفسهم من حقد أعمى، وبخاصة أن هؤلاء لا يتورعون عن سلوك أي سبيل من اجل تحقيق مآربهم الدنيئة، فكل خبائث الأفعال لا يجدون عنها مانعا لتحقيق غاياتهم الشريرة. وفي نفس الوقت يؤكد القرآن الكريم على عدم الخضوع لطابع التهويل الذي قد يطغى على الطابع العملي للشخصية المسلمة، وذلك مع التذكير أن العديد من مؤامرات هؤلاء مردودة إلى نحورهم، وان الله تعالى كثيرا ما يقلب عليهم مكائدهم التي ينصبونها لأتباع الحقيقة، لهذا السبب لزم التوكل على الله في نفس الوقت مع بذل الجهد

إن القرآن الكريم إذا يقر بوجود المؤامرة ويلزم المؤمن  باتخاذ الأسباب والتوكل على الله للانتصار علبها، تماما كما أقر بوجود الشر مع الخير وجعل الاستخلاف في الأرض يعني مقارعة الشر بالخير ومقارعة الباطل بالحق. وبهذا المنطق يكون القرآن الكريم قد أعطى تصورا جوهريا ل”نظرية المؤامرة” سليما وخاليا من الترسبات النفسانية أو الاجتماعية أو السياسية التي تعطي طابعا معقدا للنظرية وتحول دون كشف أسرارها في أرض الواقع.

ختام القول  :

عند التعامل مع “نظرية المؤامرة” سيكون من الخطورة بمكان نفي وجود المؤامرة أو عدم أخذها بعين الاعتبار إلى جانب أدوات التحليل الأخرى، لكن سيكون أيضا من الخطورة أن تهيمن فرضية المؤامرة لتصبح تفسيراً وحيداً لمشهد مركب ومعقد. و بعبارة أخرى، سيكون من الضروري التعامل مع نظريات المؤامرة بطريقة متوازنة لأخذ الحيطة والحذر، ورفع مستوى المناعة وعدم الإفراط في التحيز لموقف معين لما لذلك من آثار جانبية ومضاعفات خطيرة قد تمتد من السذاجة والسطحية إلى اليأس والاستسلام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى