مقالاتمقالات أخرى

كرامة الإنسان بين الصيانة والمهانة

كرامة الإنسان بين الصيانة والمهانة


الدين والمعاملات المساء نشر في المساء يوم 16 – 07 – 2013

الإجماع البشري على الإيمان بكرامة الإنسان ووجوب احترامها وصونها لا يعني أن هذه الكرامة أصبحت على ما يرام، بل هناك تدافع و
تجاذب ومد وجزر دائمان فيما بين احترامها وانتهاكها. صحيح أن هناك مظاهر عديدة لحماية الكرامة في هذا العصر، الذي ارتفعت فيه راية حقوق الإنسان، غير أن عصرنا هذا يحتفظ بالعديد أيضا من مظاهر الامتهان للكرامة الإنسانية، بل ابتُكرت في هذا العصر أشكال جديدة للعدوان على كرامة الإنسان.
فمن مظاهر التحسن في العناية بكرامة الإنسان تنصيصُ المواثيق الدولية ذاتِ الصلة على أن كرامة الإنسان هي الأساس الأول والهدف الأسمى لها، ثم تتابعُ صدور إعلانات أممية تفصيلية، تتعلق بحقوق الإنسان عامة، أو بحقوق فئات معينة، كالنساء والأطفال والسجناء…
وقد رافق ذلك كلَّه ظهورُ منظمات ومراكزَ ومحاكمَ حقوقيةٍ دولية ووطنية، بعضها مستقل أو شبه مستقل، وبعضها تابع أو شبه تابع للحكومات والأحزاب السياسية. وبغض النظر عن المآخذ المعروفة على هذه المنظمات في مدى نزاهتها واستقلاليتها وازدواجية معاييرها… فقد باتت الحركة الحقوقية – على العموم – تحقق آثارا جيدة في الدفاع عن الكرامة والحقوق وصونها وتفعيل القوانين والمواثيق الخاصة بها.
ورغم هذا كله، فإن الفجوة تظل سحيقة ما بين المبادئ النظرية والمواثيق الأممية وما شاكلها من القوانين الوطنية لكل دولة من جهة، وبين الواقع المعيش من جهة أخرى.
فإذا أخذنا على سبيل المثال مراعاة الكرامة والحقوق للسجناء والمعتقلين، فإننا نجد المواثيق والقوانين ترسم للدول أوضاعا راقية زاهية للسجون والمساجين، تضمن حسن معاملتهم، وحمايتَهم من كل أشكال الأذى والضرر والتعسف والإهانة والتحقير والتمييز، وتفرض تمتيعهم بدرجة لائقة من الخدمات الغذائية والصحية والتعليمية والترفيهية…حتى إن كثيرا من الناس من خارج السجون لو اطلعوا على تلك الضمانات والخدمات والحقوق المتاحة للسجناء لتمنوا أن يكونوا معهم…، لأن ما هم فيه خارج السجون هو أقل بكثير مما تكفله القوانين للسجناء.
ولكن حين نستطلع واقع السجون، ونقف ولو على شيء يسير مما يجري فيها، نجد أنها ظلمات ومظالم بعضها فوق بعض، وأن نزلاءها لا يعاقبون بالسجن فقط، بل السجن هو أخف العقوبات عليهم. فمن التجويع إلى التعذيب، إلى الصفع والركل، إلى السب والشتم، إلى الحرمان من القراءة والتعلم، إلى الاغتصاب الجنسي والابتزاز المالي، إلى الضيق والاكتظاظ، إلى الأمراض المتفاقمة دون علاج… إلى غير ذلك مما تعرفه وما لا تعرفه المنظمات والمراكز الحقوقية، ومما حَكى شيئا منه بعضُ الأدباء والكتاب الذين مروا من هناك مر الكرام. وتبقى الصورة الأقرب لحقيقة ما يجري في السجون هي تلك التي يحكيها بشكل مفصل وحميمي ومباشر بعض مَن عاشوا في ظلماتها وذاقوا ويلاتها، وخاصة من يُعتبرون سجناء سياسيين.
والخلاصة هي أن السجون والمعتقلات في واقعها المعيش، إنما هي أماكن لذبح الكرامة البشرية وسحق كل تطلع إليها.
وعلى كل حال، فالسجون – على الأقل – تحظى بكثير من المتابعة النقدية والضغوط القانونية والحقوقية والإعلامية، لتحسين أحوال السجناء وحفظ ما يمكن حفظه من كرامتهم، ولكن هناك – في عالمنا اليوم – انتهاكات جسيمة أخرى لكرامة الإنسان لا تحظى بأي انتقاد أو محاولة للتغيير، بل يحظى بعضها بالدفاع والتبني.
من ذلك تعاطي الخمر والمخدرات.
هذا الموضوع يتناوله البعض من باب التحريم الشرعي، الذي جاء به الإسلام لكافة المسكرات، ويتناوله البعض من زاوية الأضرار الصحية الجسيمة الناجمة عنه.
وأنا أتناوله الآن من زاوية علاقته بموضوع هذا المقال، أي الكرامة البشرية، التي هي «قيمة كونية» مسلمة عند كافة الأمم والشعوب، بل أضحت عنصرا مؤسسا للمواثيق والعهود الدولية.
فمعلوم أن تخصيص الإنسان بالعقل والفكر هو من أعظم وأجلِّ عناصر التكريم الإلهي له. فكيف يسمح الإنسان لنفسه، وكيف تسمح له القوانين الدولية والوطنية بالإهدار الصارخ لكرامته ومصدر مجده، بحيث يتحول متعاطي المسكرات من إنسان عاقل مفكر رشيد إلى سكران سفيه يهذي ويعربد، لا يعقل ولا يفكر، ولا يدري ما يقول وما يفعل؟
قد نلتمس العذر ونتفهم الظروف الاجتماعية والثقافية والتربوية التي تقود بعض الناس – وخاصة الشباب – إلى السقوط في براثن هذه البلية، ونحن على كل حال ندعو الله لهم بالعفو والعافية، أما أن يعمد المشرعون والسياسيون إلى إباحة شرب الخمر وإنتاجه واستيراده وبيعه وترويجه، فتلك جناية كبيرة على الإنسان وكرامته لا شك فيها، مع العلم أن ضحايا هذه الجناية يُعدون بالملايين من كل جيل.
وأما الأدهى من ذلك والأمَرُّ، فهو أننا أصبحنا نجد حقوقيين ومثقفين يدافعون عن حقوق الخمر ومنتجيها وتجارها ومستهلكيها، وهم الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن كرامة الإنسان؟؟
وقد دعوتُ منذ سنوات إلى مقاطعة المتاجر التي تبيع الخمور، وقلت إن التسوق من هذه المتاجر لا يجوز شرعا إلا لضرورة، فقامت علي قيامة بعض الحقوقيين والحقوقيات، واعتبروا أن تعاطي الخمر من الحريات الأساسية التي لا يجوز التدخل فيها والمساس بها.
ومن غرائب هذا الزمان أن الأصوات بدأت تتعالى وتتزايد مؤخرا، مطالبة بالسماح للمخدرات بمثل ما هو مسموح به للخمور، من إنتاج وتجارة واستعمال، بل إن بعض الدول والحكومات – خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وبعض الولاياتالأمريكية – بدأت بخطوات فعلية وقطعت شوطا في هذا الطريق. ولا يبعد أن نجد بعض الأحزاب وبعض المنظمات الحقوقية قد انتصبت للدفاع عن هذا الحق، باعتباره من الحريات الأساسية للإنسان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى