مقالات فكرية

تشويه الحرية

تشويه الحرية

أحمد الريسوني نشر في الرأي المغربية يوم 03 – 08 – 2013


للحرية – لا شك – مكانة معظمة وقيمة مسَلَّمة عند جميع الناس. لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن الحرية لم تكتسب هذه القيمة والمكانة لمجرد كونها ميلا طبيعيا ورغبة متأصلة في النفوس، وإنما اكتسبت قيمتها الكونية المجمع عليها، بفضل آثارها الإيجابية للأفراد والشعوب وعموم البشرية، وأعني بذلك ما يتولد عن الحرية من أفكار وأعمال وتعبيرات ومبادرات، وما تسمح به من إبداعات اجتماعية وفكرية وفنية، وما تحدثه من توازنات بين الناس، وما تمنعه من استبداد وتسلطٍ وبغيٍ لبعضهم على بعض. هذه هي الحرية التي كافحت لأجلها الشعوب وما زالت، وهي التي فداها الناس بأرواحهم وتضحياتهم.


ولعل المجال الأكبر للحرية ونضالاتها، هو حرية الشعوب في تقرير مصائرها وتدبير شؤونها وتحقيق مصالحها، بدون مصادرة ولا منع ولا تضييق. وتقريرُ الشعوب لمصيرها ليس هو ذلك المعنى المحرف المقزَّم الذي يستعمل عادة لتفتيت الشعوب المنسجمة المتآخية، ويركبه المغامرون الانفصاليون لبتر أعضاء الجسد الواحد… تقرير المصير هو ما عبرت عنه الشعوب العربية في انتفاضتها المستمرة منذ سنتين ونصف، ويلخصه شعارها القائل: “الشعب يريد…”.
منذ عقود طويلة ونحن نعيش في ظل سياسات تتجاهل إرادة الشعوب، بل تحتقرها وتعاكسها، فلذلك انتفضت الشعوب العربية وبدأت تنادي”الشعب يريد…”.
وعلى سبيل المثال: قبل ربع قرن تقريبا ( تحديدا في فبراير 1989) انعقدت بمراكش اتفاقية لتأسيس اتحاد المغرب العربي بين الدول الخمس: موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا، وهو الاتحاد الذي هللت له الشعوب، لكونه يستجيب لإحدى رغباتها في التكامل والتوحد، ولكن إرادة بعض الحكام ونزوتهم عطلت هذا الاتحاد وانقلبت عليه. ولو كانت لشعوبنا الحرية لحققته وحققت أكثر منه، ولكن تلك الحرية ما زالت مسلوبة، رغم البصيص الذي أتى به الربيع العربي.


هذه هي الحرية التي نبحث عنها ونناضل لأجلها، حرية الشعوب في تحقيق ما تريده من عدل وكرامة وإصلاح وبناء، وحرية الأفراد في إطلاق مبادراتهم والتعبير عن أفكارهم وتصريف طاقاتهم.
لكننا اليوم نجد التحريفيين الجددَ ماضين في محاولاتهم تحويلَ مجرى الحرية وجعلَه يصب في قنوات الصرف الصحي. هناك اليوم “نشطاء كونيون” أصبح شغلهم الشاغل هو تمييع معاني الحرية وتحريف مسارها…
– فهم يطالبون بالحرية والعلنية والمشروعية للشذوذ الجنسي بجميع أشكاله،
– ويطالبون بحرية زواج المثليين وشرعنته،
– ويطالبون بالإباحية الجنسية، وأن تكون بلا حساب ولا عقاب ولا عتاب،
– ويطالبون بفتح أبواب الإجهاض بلا حدود، كي لا تتعرقل العلاقات الجنسية “الحرة” بالحمل غير المرغوب فيه.


– ويدافعون عن شيوعية الجنس وحرية زنا المحارم ما دام ذلك بالتراضي،
ومؤخرا قام الاتحاد الأوروبي بالاحتجاج لدى المغرب والضغط عليه، لكي يتسامح مع زواج المثليين ويحترم حقوقهم ويحفظ طمأنينتهم. وعلى الفور وَجد ذلك صداه “الطيب” لدى الوكلاء المحليين وباعة الجنس المتجولين.
هكذا دائما، تأتي الصيحات الجنسية من أوروبا، فيتردد صداها في المغرب، وتستنسخ وترَوَّج على الفور.
وباختصار لقد أصبحت الحرية عند هؤلاء القوم تتركز على حرية الفرج والدبر، يدافعون عنها وينشرونها بكل السبل والوسائل الممكنة. ثم بعد ذلك يأتون ليحدثونا عن “الثورة الجنسية” التي يشهدها المغرب، أسوة بالشعوب المتحضرة وعملا بالقيم “الكونية”.


لقد أصبحت “الثورة الجنسية” بالمغرب حُلما وهدفا ملحا لكثير من فلاسفة الجنس ودعاته وتجاره. وللأسف نجد حتى كثيرا ممن كنا نعدُّهم مناضلين يساريين، وكانوا مشغولين بالثورة السياسية والتحرر السياسي والحقوق السياسية، قد أصبحوا منهمكين في تصنيع الثورة الجنسية ومحاولة تحطيم قيم العفة والانضباط الجنسي. وهنا يلتحم اليمين واليسار ويختلط حابلهم بنابلهم. ومع ذلك فاليمين الليبرالي يعتبر الثورة الجنسية من وسائل التمييع السياسي والتحكم الاجتماعي. وأما بعض اليساريين المغفلين فيعتبرون أن الثورة الجنسية تشكل مقدمة للثورة الثقافية، ثم تليها الثورة السياسية. والحقيقة أن ما يعتبرونه “ثورة جنسية” ليس فيها ثورة، ولا بعدها ثورة، ولا هم يفرحون. ولقد كشف الأستاذ حسن السرات في كتابه القيم (الإباحية الجنسية سلاح دمار شامل) بتفصيل وتوثيق، أن الثورة الجنسية المزعومة، إنما هي صناعة وتجارة ومخططات وشبكات جهنمية، تجمع بين تجارة الجنس والمخدرات وغيرهما من الرذائل والموبقات المتلازمة المتكاملة.


إن أكبر ضحايا الشبق الجنسي المنظم هي الحرية بالذات، وإن آخر ما يمكن التفكير فيه وأبعد ما يمكن نيله، بعد السقوط في حبال الهوس الجنسي، هو الحرية. الإباحية الجنسية لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون حرية، بل هي عبودية حقيقية ومهانة كاملة.
وإن المرء ليحس بالحسرة والشفقة على فتيات مغرر بهن، يتحششن ثم يعرين – بكل بلاهة وبؤس – أجسادهن ويعرضنها على الجمهور في الساحات والطرقات، ثم يكتبن على صدورهن وبطونهن: جسدي ملك لي، تعبيرا عن “الحرية والتحرر”. إنهن مناضلات حركة (FEMEN) التي وصلت نبتة منها مؤخرا إلى أرض تونس والمغرب، وسط ترحيب وتصفيق، من عدد من الحقوقيين والإعلاميين.
إذا كان الغرب ربما قد وصل إلى الإشباع أو التخمة في مجال الحريات السياسية، ويريد أن يجرب جيلا جديدا من الحريات، فعالمنا العربي ما زال يفتقر إلى الحد الأدنى من الحريات الأساسية والضرورية للعيش الكريم.


أمامي الآن كتيب صغير للحقوقي السعودي الأستاذ نواف القديمي، ألفه منذ سنوات وسماه (أشواق الحرية)، وهو ممنوع في بلده حتى الآن. وما زال العلامة الشيخ سلمان العودة منذ سنتين ممنوعا من السفر والكلام في القنوات، بقرار مزاجي عدواني ليس له تفسير ولا تبرير. وقبل بضعة أسابيع صدر في المغرب قرار مزاجي عدواني آخر، يقضي بإغلاق عدد من مقرات تحفيظ القرآن الكريم بمدينة مراكش. فهل تحظى هذه الحالات – وهي قطرات من بحر الظلمات – بما يحظى به الشواذ وفتيات (FEMEN)؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى