مقالاتمقالات أصولية

نماذج للآيات الجامعة للأصول

16 فبراير, 1995  

جريدة المحجة

ونأخذ مثالا لبعض الآيات التي تتضمن أصول الفكر وأصول المعاش في هذه الحياة، اصول المعاش، أي الجانب العملي أقصد دينيا ودنيويا عباديا وماديا. اصول ذلك كله تجتمع في بعض الآيات من مثل قول الله تبارك وتعالى {خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن  الجاهلين} جمل ثلاث قصار ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وأنتم تعلمون أن مكارم الأخلاق هي مصدرتشريعي بكل معانيه، سواء التشريع الذي نص عليه الله سبحانه وتعالى، فأمر ونهى،ن أو الرسول(ص)، أو التشريع الذي يستنبطه العلماء، ولهذا حتى في بعض المذاهب الاسلامية العرف مصدر من مصادر التشريع إذا لم يصادم نصا من نصوص الشريعة وحكما من أحكامها الثابتة. فما يتعارف عليه الناس أيضا نوع من التشريع. كله هذا أصله أخلاق تترجم إلى أحكام (افْعَلْ ولاَ تَفْعَلْ). أصله قيم، والقيم خلاصتها أو مرجعها أن هناك أمورا يعظمها الناس. وهناك أمورا يكرهونها ويحاربونها إذن هو جماع الأخلاق، فالأخلاق هي أصل ومصدر كل تشريع، فالعالم كله حين يضع تشريعات سواء العالم المسلم أو غير المسلم، حينما يضع التشريعات إنما يعكس ويترجم هذه التشريعات أخلاقا وقيما ثابتة في ضميره ونفسيته وعقليته وتاريخه وشعوره ولا شعوره.

فالعرف نوع من التشريع غير المكتوب بل إن من الدول الآن ما يعتبر دستورها مجرد أعراف وليس مكتوبا منه شيء، هناك دول دستورها (وهو أعلى قانون) عبارة عن مجموعة أعراف وممارسات درجوا عليها فهي عندهم بمثابة دستور، أو هي الدستور، إذن العرف والتشريع بكل معانيه إنما هو ترجمة للأخلاق، ولمكارم الأخلاق خاصة. فإذا عرفنا ذلك، عرفنا كيف يمكن اعتبار هذه الآية من أجمع آيات القرآن الكريم من الناحية التشريعية أي من الناحية العملية.

ولهذا قال الإمام جعفر الصادق “ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه”. قال القرطبي موضحا كلمة جعفر الصادق بعد أن نقلها قال “هذه الآية من ثلاث كلمات : “خذ العفو، وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، تضمنت قواعد في المأمورات والمنهيات فقوله خذ العفو دخل فيه صلة القاطعين (لأنه من العفو أن تصل من قطعك) والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من اخلاق المطيعين. ودخل في قوله وامر بالعرف (وهي الكلمة الثانية) صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام. وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار. وفي قوله وأعرض عن الجاهلين (وهي الجملة الثالثة).

دخل الحض على التعلق بالعلم (اعراض عن الجاهلين معناه اتجه عند العالمين) قال دخل الحض على التعلق بالعلم والاعراض عن أهل الظلم لأنهم إنما يظلمون لجهالتهم وجهلهم  والتنزه عن منازعة السفهاء (لأنهم جاهلون)، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة” فهذا من إعجاز القرآن يضع أصول الأمور ثم يتفرع عن كلمة واحدة ما لا يحصى.

ومن أمثلة ذلك ايضا ما يتفرع عن الآية التي تلي ما تلوته من قبل (تبيانا لكل شيء) فبعدها قال الله عز وجل : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} هذه الآية أيضا يعتبرها العلماء منذ عصر الصحابة من أجمع الآيات، بحيث لو كان عندنا هذه الآية وحدها، وكنا نحسن التدبر والاهتداء بهدي القرآن لكانت كافية من الناحية العملية التشريعية لأنها جمعت كل ما يجب فعله والمحافظة عليه وجمعت كل ما يجب تركه ونبذه واجتنابه. {إن الله يامر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} هذه أمهات المصالح، وهذه أمهات المفاسد. هذه أمهات الفضائل، وهذه أمهات الرذائل ويتفرع عن كل كلمة ما لا يحصى من وجوه السلوك البشري والتعامل البشري.

ومثال ثالث يقو الله عز وجل وهو يتحدث عن رسوله (ص) ويقدمه للناس، ويقدمه بصفة خاصة لأهل الكتاب، أو اليهود بصفة خاصة، السياق جاء خطابا لليهود ودعوة لهم لاتباع هذا الرسول وإقامة للحجة عليهم، وكانوا أهل كتاب وتعلمون أن من فنون الدعوة أن تقيم الحجة على كل واحد بما يناسبه  فأحيانا تخاطب وتدعو النصراني فتركز على حجج معينة هي الأقرب إلى قلبه، والأقرب إلى إفحامه، وإقامة الحجة عليه وتخاطب الفاسق  المتسيب بخطاب آخر، وتخاطب، إذن فالسياق هو سياق إقامة الحجة على اليهود بصفة خاصة وهم أهل كتاب وأهل دراية بالدين وشرائعه وأحكامه يقول الله عز وجل {ورحمي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذين هم بآياتنا يومنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}

عشرة من القواعد كل قاعدة هي منهاج، هي مصباح يستضيء به الانسان ويستمد منه سلوكه وأفعاله وتصرفاته ومواقفه وسلوكه الشخصي وسلوكه مع الناس… في كلمات معدودة. وهذا كثير في القرآن حيث نجد العديد من الآيات من هذا النوع لا تتضمن أحكاما تفصيلية مباشرة، ولكنها تتضمن قواعد للسلوك وقواعد للحياة وقواعد للتعامل تعتبر أصولا. وعلى الإنسان حين ينظر في ما ينبغي له، وما ينبغي عليه، أن يرجع إلى مثل هذه القواعد لأنها هي الضوابط التي ينبغي أن يتحكم بواسطتها في سلوكه ويزنه بها.

ثم بعد ذلك بقية الأدلة من نصوص حديثية نبوية، أو أقوال للعلماء، أو تفكير وتجربة إلخ… ولكن يجب إرجاع كل شيء إلى أصله وأصوله في القرآن الكريم.

5- السنة أصل أصله القرآن :

لذلك من الأصول التي أصلها القرآن وأحالنا عليها وجعلنا بصورة تلقائية نستمد منها ونهتدي بها هو أنه أحالنا على السنة. ولهذا اعتبر العلماء أن كل اتباع للسنة هو اتباع للقرآن، لأن تأصيل الاحتجاج بالسنة إنما هو أصل وضعه القرآن الكريم، ولهذا، نجد أن عددا من الصحابة كانوا حينما يفعلون شيئا ورد في السنة يقولون هذا أمر الله به، أو هذا نهى الله عنه، وهو لا يوجد في القرآن باسمه ولفظه وقضيته المباشرة، وإنما يوجد في السنة. من ذلك كما تعلمون أن امرأة سمعت أو بلغها أن عبد الله بن مسعود يلعن الواشمات والمستوشمات، . النامصات والمتنمصات والمتفلجات

للحسن المغيرات خلق الله كان ابن مسعود يقول هذا  يردده في خطبه ودروسه وفتاويه، يقول : “لعن الله الواشمات والمستوشمات : الواشمة التي تقوم بالوشم والمستوشمة التي يفعل لها وتطبه، والنامصات النمص : هو نتف شعر الحاجبين المتنمصات أي اللاتي يطلبن ذلك ويفعل  لهن والمتفلجات للحسن، أي لأجل الحسن، وطلبا للحسن، المتفلجات يفلجن أسنانهم ويفرجن بينها لإحداث فلجة، وفجوة طلبا للحسن، فجاءت هذه الصحابية من قبيلة بعيدة، ارتحلت وجاءت إلى ابن مسعود(ض) تستفسر عن مصدر قوله هذا خصوصا وأنه قول خطير فيه اللعن فقالت له بلغني عنك أنك تلعن كذا وكذا وتقول كذا وكذا قال وما لي لا ألعن من لعنه الله. قالت : لقد قرأت القرآن من أوله إلى آخره فما وجدت ذلك، لأنه هو يقول لعن الله، وعندما جاءته قال مالي لأ ألعن من لعنه الله، فهمت من ذلك أن هذا موجود في آية من القرآن وهي تريد أن يقول لها إن هذا غير موجود، وغير صحيح، فقالت له لقد قرأت القرآن من أوله إلى آخره فما وجدت فيه هذا، قال إن كنت قرأته فقد وجدته ولكنك لم تتفطني قال الله عز وجل {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ها هي في القرآن بطريق غير مباشر هذا جاءنا به رسول الله (ص)، والله تعالى أمرنا بطاعة الرسول في الأمر والنهي.

رأى عبد الله بن عباس طاووس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له : اتركهما، لان رسول الله(ص) نهى عنهما فقال : إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة، أما أن يصلي الانسان بدون أن يلتزم ذلك ويجعله سنة راتبة. فليس مرادا من النهي، فقال ابن عباس : نهى رسول الله (ص) عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليها، أم لا تؤجر، والله تعالى يقول : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} لا مجال للتاويل هنا، هل لك على هذا التاويل دليل، ليس لك دليل، إذن هو مجرد ظن. والظن لا يغني من الحق شيئا، ظن مجرد عن أي دليل. لا يفيد شيئا. فكيف يغني في تقييد أو تخصيص قول الله تعالى وتأويله فإذن بمقتضى القرآن ألزمه ألا يصلي الركعتين بعد العصر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى