مقالات فقهية

الشورى المعلمة والشورى الملزمة

الشورى المعلمة والشورى الملزمة

لقد جرى في عصرنا هذا نقاش واسع حول ما إن كانت الشورى ملزمة أو معلمة، بمعنى أن الأمير ـ أو أي مترئس ـ إذا تشاور مع أهل الشورى عنده، هل تكون مشورتهم وآراؤهم ملزمة له، ويتعين عليه الأخذ بها، أم أنها معلمة لا ملزمة، بحيث يستوضح منهم ويستنير بآرائهم، ثم يختار ويقرر ما بدا له، مما يوافق آراءهم أو يخالفها.

عامة العلماء المتقدمين ـ من الفقهاء والمفسرين وغيرهم ـ يستفاد من كلامهم أن الأمير إذا استشار مع أهل شوراه، فإنه يأخذ من ذلك بما يراه صواباً، وما يبدو له راجحا، وبما هو في نظره حق أو أقرب إلى الحق. فالمرجع في النهاية. هو رأيه وتقديره. وهذا هو معنى “الشورى المعلمة”.

وأما المعاصرون، من علماء ومفكرين، فيميل أكثرهم ـ وبشكل متزايد ـ إلى ضرورة التزام الأمير المستشير بما اتفق عليه مستشاروه، كلهم، أو أكثرهم. وهذه هي “الشورى الملزمة”.

ومنهم من فصل وفرق، فجعل الشورى ملزمة في حالات وغير ملزمة في حالات أخرى. وهذا ما ذهب إليه الدكتور قحطان الدوري، حيث يرى أن الاختلاف إذا وقع بين الإمام وهيئة الشورى في مسألة اجتهادية لا نص فيها “فالترجيح للإمام وحده إذا كان مجتهداً، سواء وافق رأي الأغلبية أم خالفه. وعليه فحق تشريع القوانين ـ فيما لا نص فيه ـ وتعديلها وإلغاؤها بيد الإمام المجتهد.

وأما إذا كان الإمام غير مجتهد، أو كان الإمام مجتهداً، ولم ير رأياً، وأوكل تقرير الأمر إلى مجلس الشورى، واختلف أعضاء المجلس فيه، أخذ برأي الأغلبية.” ( )

والحق أن العلماء المتقدمين ـ من مفسرين وفقهاء وغيرهم ـ لم يناقشوا هذه المسألة نقاشا حقيقيا، ولم يستعرضوا أدلة على الإلزام أو الإعلام، إلا ما يتعلق بالشورى النبوية، حيث يذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم كان في غنى أصلا عن المشاورة وعن آراء المشاورين، فكيف يكون ملزما بآرائهم؟!.

غير أننا إذا تجاوزنا هؤلاء المتقدمين، إلى من هم أقدم منهم وأسبق، أي إلى السيرة النبوية، وسنة الخلفاء الراشدين وعموم الصحابة، فسنجد التوجه واضحا إلى الالتزام بمقتضى الشورى والأخذ بما اتفق عليه المستشارون، أو ذهب إليه أكثرهم.

وبما أن مسألة إلزامية الشورى تتداخل ـ حتى تكاد تتطابق ـ مع مسألة الأغلبية، فإني سأعرض الأدلة المشتركة بينهما، عند التطرق ـ قريبا ـ إلى مسألة الأغلبية.

وأكتفي الآن ببعض الآثار الدالة على التوجه المبدئي القاضي بالأخذ بنتيجة الشورى ،ممثلة في الرأي المتفق عليه، أو الرأي الغالب، عند المستشارين.

من ذلك الحديث الذي تقدم، في الأمر ينزل ليس فيه كتاب ولا سنة، قال: “…اجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد.” ( )

فالتوجيه واضح إلى اتباع الرأي الجماعي، وتحاشي اتباع الرأي الفردي. فهوـ عليه السلام ـ لم يقل: تتشاورون فيه، ثم يقضي فيه أميركم، بل نهى عن التفرد بالأمر.

وكذلك قوله لأبي بكر وعمر: “لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما” ( )، فإذا كان القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول هذا لإثنين من تلاميذه وأتباعه، فكيف بمن يستشير جماعة، وهم في الغالب من أنداده وطبقته؟!.

“وأخرج أبو داود في (المراسيل) من رواية عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي حسين، أن رجلاً قال: يارسول الله، ما الحزم؟ قال: أن تشاور ذا لب ـ وفي رواية: ذا رأي ـ ثم تطيعه.”( )

وإذا كان هذا هو اللازم ـ أو اللائق ـ لمن يستشير شخصا واحدا ذا رأي، فإن من يستشير جماعة من خيرة علماء الأمة وذوي الرأي فيها، أولى له ذلك وألزم. وهذا ما تدل عليه مشورات الخلفاء الراشدين، وخاصة أبا بكر وعمر. وقد تقدم بعض من ذلك. ومنه أيضا قولة أبي بكر لعمرو بن العاص حين أرسل إليه خالد بن الوليد: “شاورهم ولا تخالفهم.” ( )

وروي عن عمر بن عبد العزيز ـ الخليفة الراشد ـ أنه لما ولي إمارة المدينة دعا عشرة من فقهائها … وقال لهم: “إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق. ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم.” ( )

وأما ما ذهب إليه الدكتور الدوري من أن الإمام إذا كان مجتهداً فإنه يتبع رأيه واجتهاده ولو خالف هيئته الشورية، وأنه ينفرد بالتشريع فيما لا نص فيه، فربما بناه على ما يقوله الأصوليون من أن المجتهد لا يقلد غيره من المجتهدين، بل يتبع ما يؤديه إليه اجتهاده. وهذا إنما يكون في الاجتهاد العلمي المحض، الذي يمارسه أي عالم في تخصصه، ولا يكون له صفة الإلزام لعموم الناس. فمن حق كل صاحب رأي أوصله إليه نظره واجتهاده أن يأخذ به لنفسه أو يفتي به غيره، وله أن يدافع عنه ويتمسك به، فمن شاء اتبعه فيه ومن شاء اتبع غيره.

وأما ما نحن فيه فهو الرأي الذي يصبح تشريعاً عاماً نافذاً على الناس، وكذلك الرأي المتعلق بتدبير شؤون الناس ومصالحهم، ويكون لازما لهم كذلك، بحكم الحاكم وسلطانه. فهنا لا ترد مسألة تقليد المجتهد لغيره أو عدم تقليده، وحتى إذا أردنا تطبيقها هنا، فنقول: الإمام المجتهد له أن يتمسك لنفسه برأيه،المخالف لرأي مستشاريه، وله أن يعتقد صوابه أو رجحانه، وله أن يستمر في بيانه والدفاع العلمي عنه. وهو بهذا يكون غير مقلد لغيره، فرداً أو جماعة. لكن الرأي المتبنى والمعتمد لينفذ على الأمة وعلى الجماعة، فهذا ـ من الناحية العملية ـ له شأن آخر، هو ما نحن بصدد بيانه وتفصيله.

من كتاب (الشورى في معركة البناء)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى