مقالات فقهية

تغيير المنكر والفساد من يقوم به؟

تغيير المنكر والفساد

من يقوم به؟[1]

أحمد الريسوني

هذه وظيفة أخرى من وظائف المجتمع والجماعة، وظيفة تغيير المنكر إذا ظهر ومقاومة الفساد إذا بطر. ولكن هذه الوظيفة أيضاً قد حوصرت وحصرت، ودُفع عامة الناس بشتى الأساليب والآراء عن ممارستها، أو على الأقل ضيّق عليهم في ممارستها، بينما النصوص متضافرة صريحة في تحميل هذه المسؤولية لعموم الناس نساءً ورجالاً؛ يؤدّونها في مدنهم وقراهم كافة؛ وحتى مع ولاتهم ووجهائهم.

ومن غريب ما صنعته الممارسة السلطانية، ذلك الفقه السلطاني الذي جعل تغيير المنكر باليد خاصاً بالدولة، وتغيير المنكر باللسان خاصاً بالعلماء (بقيود وشروط)، وأما الأمّة برمّتها وعامّتها فلم يبقَ لها إلا تغيير المنكر بالقلب، أي عدم التغيير الفعلي.

وقد تضافرت نصوص القرآن والسنة على عموم وجوب تغيير المنكر وإزالة الفساد بقدر ما يستطاع، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71]، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [آل عمران: 110].

وقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، وفي مقدمة الإصلاح إزالة الفساد.

وأما الأحاديث النبوية فلا تقل كثرة وتعميماً عن الآيات القرآنية، ومن أشهرها قوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[2]. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في شأن الأمراء المنحرفين المحرفين: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو
مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»[3].

وواضح كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل تغيير المنكر ومقاومته في الحديثين معاً نوعاً من الإيمان وجزءاً من أجزائه، وليس مجرد مقتضى من مقتضياته، وقوّة الإيمان وضعفه، وكماله ونقصه، ليس مما يختص به الأمراء والعلماء، بل هو مما يهمّ كل مؤمن، ولهذا نجد الحديثين في صحيح مسلم ضمن أبواب الإيمان، وتحت هذا العنوان المعبّر: “باب بيان كون النهي عن  المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص، وأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان”[4].

ومراتب تغيير المنكر الواردة في الحديثين ليست موزّعة على الأمراء والعلماء والعامة، كما يذهب إلى ذلك بعض المتأخرين، بل جميع المراتب واجبة على جميع المسلمين، بحسب الإمكان والاستطاعة لا غير.

ومن التناقضات الغريبة في هذا الباب، أن تجد عالماً مفسراً كالإمام القرطبي يفهم بحق من قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71]، أن “الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين ؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ، ثم ينقض ذلك حين يضيف مستدركاً: “ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان؛ إذ كانت إقامة الحدود إليه؛ والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق إليه، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلاً صالحاً قوياً عالماً أميناً ويأمره بذلك”[5].

وهكذا فإن المؤمنين والمؤمنات في كل بلدة يُختزلون في رجل واحد، قد يكون وقد لا يكون، وقد يكفي وقد لا يكفي، وقد يعلم وقد لا يعلم بما يقع، وقد يصيب وقد يخطىء، وقد يستقيم وقد ينحرف. وإذا أريد تغييره فكيف يتغيّر؟ ومتى يتغيّر؟ وهل يمكن تغييره إلا بشكاوى العامة وإنكارهم ومبادراتهم؟ لكن هؤلاء ليس لهم حق إنكار المنكر حتى على بعضهم وأمثالهم، فكيف ينكرون على رجل أقامه الإمام وهو نائب الإمام؟

والعلامة القرطبي يستدلّ على ما ذهب إليه من قصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الحكام بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ
عاقِبَةُ الأُْمُورِ
﴾ [الحج: 39]؛ فهو يستدلّ على فهم مختل بآخر مثله ومن جنسه، حيث يجعل التمكين في الآية خاصاً بالحكام الذين تمكّنوا من الحكم والغلبة، وهذا غلط كبير. فإن التمكين في الآية عام أيضاً؛ ولفظ ﴿الذين﴾ من ألفاظ العموم كما هو معلوم. ثمّ إن قلنا: إن الآية تتحدث عن الحكام وما يختصون به، فلنقل: إن الحكام الذين تمكّنوا يختصون أيضاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الكلام واحد والجهة المُتحدَّث عنها واحدة.

وممّا يدلّ على عموم التمكين للجماعة، وعدم قصره على الحكام قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]، والأمر بيّن لا يحتاج إلى بيان.

غير أن هاهنا التباساً يقع لبعض الناس فلا يتصوّرون تغيير المنكر باليد إلا سلاحاً وقتالاً وخروجاً على الحكام، وخاصّة إذا كان المنكر المراد تغييره واقعاً من الأمراء أنفسهم، وهذا غير صحيح وغير لازم. قال ابن رجب الحنبلي: “التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نصّ على ذلك أحمد أيضاً في رواية صالح فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح؛ فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كانت له قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز وليس من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه”[6].


[1] – من كتاب (الأمة هي الأصل) الذي صدرت طبعته الأولى قبل ما يقرب من ثلاثين عاما

[2]  صحيح مسلم بشرح النووي (بيروت: دار الفكر، [د. ت.])، ج 2، ص 21.

[3]  المصدر نفسه.

[4]  المصدر نفسه.

[5]  الجامع لأحكام القرآن (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ج 4، ص 47.

[6]  جامع العلوم والحكم (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1412هـ/1992م)، ص 321.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى