ضيف الموقع

التسيير في الفتوى: حكمه وأدلته / الإمام القرضاوي

التيسير في الفتوى: حكمه وأدلته

التيسير في الفتوى: حكمه وأدلته

السؤال: نسمع أن كثيرًا من الناس يُفتي بما هو أيسر من الآراء الفقهية، فهل هناك سند شرعي لذلك؟ وهل يكون التيسير دائمًا؟

الإجابة:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمن المعلوم عند الفقهاء أن الأخذ بالتخفيف والتيسير أولى من الأخذ بالتشديد والتعسير في الإفتاء، وخاصة لو كان هذا التيسير في محله، من حيث يرى المفتي حاجة الناس إليه؛ نظرًا لظروفهم، وهناك من الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة وإفتاء علماء السلف والخلف ما يؤيد هذا المنهج التيسيري على عباد الله تعالى في الإفتاء.

يقول فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:

من الأولويات المطلوبة في مجال الإفتاء والدعوة: تقديم التخفيف والتيسير على التشديد والتعسير.

فقد دلَّت النصوص من الكتاب والسُّنَّة أن التيسير والتخفيف أَحَبُّ إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

يقول الله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ ولا يُريدُ بِكُم العُسْرَ} (البقرة: 185).

ويقول سبحانه: {يُريدُ الُله أن يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: 28).

ويقول عز وجل: {ما يُريدُ اللهُ لِيَجعلَ عَليْكُم مِّنْ حَرَجٍ} (المائدة: 6).

ويقول الرسول الكريم: “خَيرُ دينِكم أَيْسرُه” (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والطبراني عن محجن بن الأدرع، والطبراني أيضًا عن عمران بن حصين، والطبراني في الأوسط، وابن عدي والضياء عن أنس “صحيح الجامع الصغير: 3309”)، “أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة” (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والطبراني عن ابن عباس “المصدر السابق: 160”).

وتقول عائشة: “ما خُيِّرَ رسول الله ـصلى الله عليه وسلمـ بين أمرين؛ إلاَّ أَخَذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عنه” (مُتَّ‍فَقٌ عليه، كما في اللؤلؤ والمرجان”1502″).

ويقول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يُحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يَكره أن تُؤْتَى معصيته” (رواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي في الشُّعَب عن ابن عمر “صحيح الجامع الصغير: 1886”).

ويتأكد ترجيح الرُّخْصة واختيار التيسير؛ إذا ظهرت الحاجة إليها؛ لضعف أو مرض أو شيخوخة أو لشدَّة مَشَقَّة، أو غير ذلك من المُرَجِّحات. روى جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: “ما هذا؟” فقالوا: صائم، فقال: “ليس من البِرِّ الصيام في السَّفَر” (مُتَّفَقٌ عليه ـ اللؤلؤ والمرجان “681”).

أما إذا لم يكن في السفر مثل هذه المشقة فيجوز له أن يصوم؛ بدليل ما رَوَتْه عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: “إن شئتَ فصُمْ، وإن شِئْتَ فأفطِرْ” (مُتَّفَقٌ عليه ـ المصدر نفسه “684”).

وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول بشأن الصوم والفِطْر للمسافر، واختلاف الفقهاء: أيهما أفضل، كان يقول: أفضلهما أيسرهما عليه، وهذا قول مقبول، فمِنَ الناس مَن يكون الصوم مع الناس أهون عليه من أن يَقضي بعد ذلك والناس مُفطِرون، وغيره بعكسه، فما كان أيسر عليه فهو الأفضل في حَقِّه. ودعا عليه الصلاة والسلام إلى تعجيل الفُطور وتأخير السحور؛ تيسيرًا على الصائم.

ونجد كثيرًا من الفقهاء في بعض الأحكام التي تختلف فيها الأنظار يُرَجِّحون منها ما يكون أيسر على الناس، وخصوصًا في أبواب المعاملات، وقد اشتهرتْ عنهم هذه العبارة: هذا القول أرفق بالناس!!

هذا ومما أحمد الله تعالى عليه أَنِّي تبنيت منهج “التيسير” في الفتوى، و”التبشير” في الدعوة؛ اتباعًا للمنهج النبوي الكريم، فقد بعث أبا موسى ومعاذ إلى اليمن وأوصاهما بقوله: “يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولا تُنفِّرَا، وتطاوعَا” “مُتَّفَقٌ عليه عن أبي بردة ـ المصدر نفسه (1130)”، ورَوَى عنه أنس أنه قال: “يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا” “مُتَّفَقٌ عليه ـ المصدر نفسه(1131)”.

قلت مرة في إجابتي عن الأسئلة بعد إحدى المحاضرات: إنني إذا وجدتُ أمامي قولَيْنِ متكافئَيْنِ أو متقاربين في مسألة شرعية، وكان أحدهما أحوط، والآخر أيسر؛ فإني أُفْتِي لعموم الناس بالأيسر، وأُرجِّحه على الأحوط.

فقال لي بعض الإخوة الحاضرين: وما دليلك على ترجيح الأيسر على الأحوط؟

قُلْتُ: دليلي هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأمره للأئمة في صلاة الجماعة أن يُخفِّفوا عن المأمومين؛ لأن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة.

قد يُفتِي العالِم بالأحوط لبعض أهل العزائم والمُتورِّعين من المتدينين، أما العموم فالأَوْلى بهم الأيسر، وعصرنا أكثر من غيره حاجة إلى إشاعة التيسير على الناس بدل التعسير، والتبشير بدل التنفير، ولا سيما مَن كان حديث عهد بإسلام، أو كان حديث عهد بتوبة.

وهذا واضح تمام الوضوح في هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه الإسلام لِمَن يدخل فيه، فهو لا يُكثِّر عليه الواجبات، ولا يُثقله بكثرة الأوامر والنواهي، وإذا سأله عما يطلبه الإسلام منه، اكتفى بتعريفه بالفرائض الأساسية، ولم يُغرقه بالنوافل، فإذا قال له الرجل: لا أَزِيد على هذا ولا أَنْقُص منه، قال: “أفلح إنْ صدق”، أو “دخل الجنة إن صدق”.

بل رأيناه صلى الله عليه وسلم يُشدِّد النكير على مَن يُشدِّد على الناس، ولا يُراعِي ظروفهم المختلفة، كما فعل مع بعض الصحابة الذين كانوا يَؤُمُّون الناس، ويُطيلون في الصلاة، طُولًا اشتكى منه بعض مأموميهم، فقد أنكر على معاذ بن جبل تطويله، وقال له: “أَفتَّان أنتَ يا معاذ؟ أَفتَّان أنتَ يا معاذ؟ أفتَّان أنتَ يا معاذ؟” (رواه البخاري).

وعن أبي مسعود الأنصاري: أنَّ رجلًا قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة (الصبح) من أجل فلان؛ مما يُطيل بنا! فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ! ثم قال: “إن منكم مُنفِّرين، فأيُّكم ما صلَّى بالناس، فليتجوَّز (يُخَفِّف) فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة” “مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (267)”.

وقد ذَكَرَتْ بعض الروايات أن هذا الذي طوَّل بالناس كان أُبيَّ بن كعب، وهو مَن هو عِلْمًا وفضلًا، وأحد الذين جمعوا القرآن، ولكن هذا لم يمنع أن يُنكر النبي عليه، كما أنكر على معاذ، برغم حُبِّه له وثنائه عليه.

ويقول خادمه وصاحبه أنس: ما صليْتُ وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتمّ صلاة من النبي – صلى الله عليه وسلم ـ وإن كان ليسمع بكاء الصبي، فيُخفِّف؛ مخافة أن تُفتَن أُمه “مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (270)”.

وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إني لأدخل في الصلاة، وأنا أُريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي؛ مما أعلم من شدّة وَجْد أمه من بُكائه” “مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (168)”.

ويَروِي عنه أبو هريرة قوله: “إذا صلَّى أحدكم للناس فليُخَفِّف، فإن فيهم السقيم، والضعيف والكبير، وإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء” “مُتَّفَقٌ عليه انظر: اللؤلؤ والمرجان (271)”.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد ما يكون إنكارًا للتشديد إذا كوَّن اتجاهًا، وتَبَنَّاه جماعة، ولم يكن مجرد نزعة فردية عارضة، وهذا ما نُلاحظه في إنكاره على الثلاثة الذين اتخذوا خطًّا في التعبُّد غير خَطِّه، وإن كانوا لا يريدون إلا الخير ومزيدًا من التقرُّب إلى الله تعالى.

عن أنس رضي الله عنه قال: “جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألون عن عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أُخْبِرُوا كأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: وأنا أصوم ولا أُفطِر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا. فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي” “مُتَّفَقٌ عليه: اللؤلؤ والمرجان (885)”.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “هلك المُتنطِّعون”! قالها ثلاثًا “رواه مسلم برقم(2670)، وأبو داود أيضًا(4608)”. المُتنطِّعون: المُتعَمِّقون المُشدِّدون في غير موضع التشديد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غلبه، فسَدِّدوا، وقارِبوا، وأبشرُوا، واستعينوا بالغُدْوَة والرَّوْحة، وشيءٍ من الدُّلْجة” “رواه البخاري والنسائي (صحيح الجامع الصغير: 1611)”، وفي رواية للبخاري: “سدِّدوا وقارِبُوا، واغْدُوا ورُوحوا، وشيء من الدُّلجة، القَصْدَ القَصْدَ تَبلغوا”.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “إلاَّ غَلَبَه”: أي غلبه الدينُ وعجز ذلك المُشادُّ عن مقاومة الدِّين لكثرة طرقه. “الغُدْوة”: سير أول النهار، و”الرَّوحة”: آخر النهار، و”الدُّلجة”: آخر الليل، وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم؛ بحيث تستلذُّون العبادةَ ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات، ويستريح هو ودابته في غيرها فيَصل المقصودَ بغير تعب.

والله أعلم

المصدر: موقع الشيخ القرضاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى